يملأ الماء أجسامنا ويحيط بنا دائماً، ويغذي الأرض ويشقها إلى أخاديد ووديان، وفي مرات كثيرة يصبح قوة طاغية مدمرة عندما تغضب الطبيعة. ويبث وجوده بقربنا الطمأنينة في أنفسنا.
احتفل الإنسان منذ القدم بالماء حتى أنه خصص له أعيادا وطقوسا احتفالية، وبات جزءاً جوهرياً من التراث الثقافي عند الكثير من الشعوب. وهو في المقام الأول هبة إلهية تحافظ على الحياة وتبعد عنا شبح الموت عطشاً، طالما بقي من حولنا وقريباً منا.ولعل من أكثر المواقف صعوبة عند البشر هو الخوف من نضوب الماء لأن ذلك يعني نهاية حتمية.
وفوق كل ذلك فإن الماء يحتوي على طاقة روحية عجيبة. ولا يفتأ الكتاب والشعراء عن ربط كل ما هو واضح وجلي ومثير للبهجة بهذا العنصر الطبيعي الفريد من نوعه ألا وهو الماء. وتصف إحدى الكاتبات في مقال لها مجموعة من الناس جاءت شلالاً للماء وتصورت بأنه يسترسل في مداعبة النباتات الخضراء وحواف الصخر.
وقد وقفت وراءه لتستكشف حقيقة شفافيته ونقائه، وتراه يصب في واد كبير يتجمع فيه رقراقا زلالاً وترى من حولها كم له من أثر عظيم على حياة البيئة بدءاً من الطحالب المعلقة على الجدار الصخري من ورائها إلى كل الأزهار والأعشاب والأشجار الأخرى التي تبدو في حالة ميلان دائمة باتجاه الماء.
تقول الكاتبة لقد ولجت خلف تلك الستارة المائية الباردة تاركة تدفق الماء الذي له وخز الإبر ينسال من تاج رأسي حتى أخمص قدمي. وعندما تشرك الماء وسحره في تأملاتك تشعر دائما بحراك كبير نحو بقع الأمل التي تتجمع أمامك. فالتأمل بقرب الماء والمشاهد الخضراء الطاغية تجعل إمكانية الحلم بغد مشرق وجميل أمراً متوقعاً.
فتخيل تدفق النهر وانسيابية الماء الهادئ والبركة الساكنة المحاطة بأصناف الورود وبذلك الشرار الغارق في عنفوانه ينثر الرذاذ يمنة ويسرى وفي كل اتجاه. وتخيل أيضا مقابل ذلك عواء العاصفة ورذاذ البحر المتناثر على الشاطئ بعد ارتطام الموجة بصخور أمامية وتلك المياه المتدفقة من مغارة عميقة تطل على البحر.
وعندما تتأمل تلك المشاهد الخلابة والصور، تستخدم كل ما لديك من حواس حتى تتناغم وتشرك نفسك في هذه اللوحة الطبيعية الرائعة التي تضج حركة وموسيقى وتنغمس انغماسا في حضن الطبيعة.
أصغ إلى صوت زمجرة البحر وإلى تلك الأمواج التي تلثم الصخر والرمل وتضمها بهدوء. وتذوق الرذاذ المتصاعد من البحر وستجد فيه مذاقا غير الماء العذب، وهي تجربة أخرى يقدمها لك الماء، ولكن ما أن ينهمر رذاذ المطر الخفيف حتى يغسل كل الملوحة المحمولة إليك من البحر. وستتذوق طعمه العذب.
أطلق العنان لنهرك أو مطرك الداخلي يتدفق وينساب رقراقا وستنقلك تلك الرحلة الداخلية إلى عوالم جديدة وغير متوقعة، حيث ستشعر ثانية بتدفق إيقاع روحي ينبثق من داخلك. بعدها ستخلد إلى النوم وستنعم بالراحة الكاملة
محمد نبيل