تعد مشكلة التأخر الدراسي من أهم المشكلات التي تعوق المدرسة الحديثة وتحول بينها وبين أداء رسالتها على الوجه الأكمل وقد آن الآوان لكي تنال هذه المشكلة حظها من الاهتمام لما لها من آثار سلبية خطيرة تضر بالمدرسة والمجتمع ويستطيع كل من مارس التدريس ان يقر بوجود هذه المشكلة في كل فصل تقريبا،

حيث توجد مجموعة من التلاميذ الذين يعجزون عن مسايرة بقية الزملاء في تحصيل واستيعاب المنهج المقرر وكثيرا ما تتحول تلك المجموعة إلى مصدر شغب وازعاج مما قد يسبب اضطراب العملية التعليمية داخل الفصل أو اضطراب الدراسة بصفة عامة.

لعل السبب في كثير من ألوان السلوك السلبي للتلاميذ هو ما يعانيه المتأخرون منهم من مشاعر أليمة وهي مشاعر الفشل والاحساس بالنقص والعجز وكثير ما يحاول هؤلاء التنفيس عن هذه المشاعر السلبية بالسلوك العدواني أو العزلة والانطواء وقد يتطور إلى الهروب من الدراسة أو من الحياة أو يلجأ بعضهم إلى الجماعات المنحرفة التي يجدون فيها ما عجزت المدرسة عن توفيره من اشباع ونجاح أو تحقيق للذات وفي ذلك خطر كبير على المجتمع.

أنواع التأخر الدراسي

هناك مجموعات أخرى من التلاميذ المتأخرين دراسياً تختلف تسميتها باختلاف العوامل المؤدية إلى هذا التأخر فهنالك المعوقون تربويا والمعوقون ثقافيا والمطربون انفعاليا وقد يطلق على هؤلاء جميعا اسم المتأخرين تحصيليا وذلك لانخفاض نسبة تحصيلهم عن مستوى ذكائهم او عن المتوسط.

وقد ساعد على زيادة اللبس في المصطلحات المستعملة للدلالة على التأخر الدراسي تداخل وتشابك العوامل المسببة له، فانخفاض نسبة الذكاء العام عن المتوسط قد تعتبر السبب الأساسي لدى الكثيرين، كما ان الحرمان الثقافي والاجتماعي والاضطراب الانفعالي تعتبر أسبابا رئيسية للتأخر،

وان المتأخرين دراسيا لأسباب اجتماعية وثقافية أو انفعالية يختلفون في خصائصهم العقلية وغيرها عن المتأخرين بسبب انخفاض نسبة ذكائهم عن المتوسط، وقد يكون التأخر الدراسي نتيجة للأمرين معا، قد تجتمع العوامل الاجتماعية والثقافية والانفعالية مع انخفاض نسبة الذكاء العام عن المتوسط وبناء عليه فالتأخر يمكن ان يكون خلقيا ويمكن ان يكون وظيفيا وفي نفس الوقت ويتضح مما سبق ان هناك أنواعا متعددة من التأخر الدراسي،

وأن هذه الأنواع وان اتفقت في الوصف العام إلا أنها تختلف من حيث العوامل والأسباب المؤدية إليها من حيث الخصائص الشخصية والعقلية لكل منها كما ان هذه العوامل والأسباب على تغايرها وتعددها يمكن ارجاعها إلى نوعين رئيسيين:

1- عوامل خلقية: ترجع إلى قصور أو خطأ في نمو الجهاز العقلي أو في الأجهزة العصبية أو العمليات الجسمية المتصلة بها.

2- عوامل بيئية أو اجتماعية: ترجع إلى حرمان من المثيرات العقلية أو الثقافية أو إلى اضطرابات في الأسر أو في البيئة الاجتماعية التي ينمو فيها الطفل.

خصائص المتأخرين خلقياً

الخصائص الجسمية: يتضح من الأبحاث والدراسات ان مجموعة المتأخرين دراسيا لأسباب خلقية أقل نموا في المتوسط من أقرانهم العاديين من حيث النمو الجسمي والعقلي إلا أنهم لا يختلفون عنهم من حيث الحاجات والانفعالات أو الدوافع والرغبات الجسمية ويبدو المتأخرون أحيانا أطول قامة وأضخم بنية مقارنة بزملائهم في الصف الدراسي

وذلك يرجع إلى أنهم يكبرونهم بعام أو اثنين نتيجة لتخلفهم في الصف الواحد أكثر من عام دراسي، وترتفع نسبة الاعاقة السمعية والبصرية بين المتأخرين دراسيا عنها بين الافراد المتفوقين وأيضا أنهم يقلون عن العاديين من حيث النشاط والحيوية الجسميين مما يوحي بوجود علاقة بين القصور في النمو أو الوظائف الجسمية وبين التأخر.

خصائص عقلية

ان المتأخرين ليسوا على درجة واحدة من التجانس العقلي فقد يصل الفرق بين تلاميذ الفصل الواحد من المتأخرين إلى بضع سنوات من العمر العقلي ومن بين الخصائص العقلية ضعف القدرة على التفكير الاستنتاجي وضعف القدرة على حل المشكلات التي تحتاج إلى مكونات عقلية أو المعاني العقلية العامة كذلك فقد الذاكرة أي عدم القدرة على اختزان المعلومات أو الاحتفاظ بها لفترة طويلة

ويبدو ذلك عند تكرار الاعداد والجمل التي يطلب إليهم تكرارها عقب سماعها والتي يرددها اقرانهم العاديون دون صعوبة وكذلك يتصفون بسطحية الادراك وضعف القدرة على الحفظ والفهم العميق وعجزهم عن الاستفادة من الخبرات والتجارب التي سبق لهم تعلمها كما أنهم بصفة عامة أقل تقديرا للعواقب أو ادراكا لنتائج أعمالهم.

خصائص انفعالية

كثيرا ما يؤدي الفشل والشعور بالنقص وما يصاحبه من شعور بالنبذ من المدرسة أو من المنزل إلى الاحباط لدى المتأخرين دراسيا كما ان هذا الاحباط المتكرر قد يدفع البعض منهم إلى ان يكون عدوانيا نحو زملائه ونحو المدرس أو المدرسة بصفة عامة،

وقد يدفع البعض ان يكون انطوائيا يهرب من المدرسة أو من المجتمع ككل وتكون اتجاهاتهم نحو المدرسة أو أنفسهم سلبية وقد يصل الحال ببعضهم إلى درجة اليأس أو تقبل ذواتهم على زنهم فاشلون أو منبوذون وفي مثل هذه الحالة يصعب تعديل سلوكهم كما يصبح الأمل ضعيفا في جدوى العلاج معهم إلا في المراكز المتخصصة ومع كادر مؤهل علمياً.

خصائص اجتماعية

فإن السلوك الاجتماعي للتلاميذ المتأخرين فيميل إلى السلبية ويعتبر العدوان أو الانطواء أبرز مظاهرة ويقل هؤلاء عن العاديين من حيث الرغبة في تكوين الصداقات وفي القدرة على الاحتفاظ بها كما يسهل انقيادهم للمنحرفين والخارجين على القانون

ويجدون في الانحراف تنفيسا عما يحسون به من عدوان أو انتقاما لما يشعرون به من نبذ وحرمان أو تعويضا عما يحسون به من نقص وقد تشبع تلك الجماعات في التلاميذ المتأخرين ما عجزت المدرسة عن اشباعه من الحاجة إلى الانتماء أو تحقيق الذات والاحترام اما البعض الأخر والذي يميل إلى الانطواء فقد يهرب من مواجهة المشكلة أو ينتهي به الأمر إلى الاصابة ببعض الامراض النفسية الهروبية،

ومما ينبغي ملاحظته انه لا توجد علاقة مباشرة بين التأخر الدراسي وبين الانحراف والجريمة وكل ما في الأمر ان المستوى العقلي المنخفض الذي تصاحبه مشاعر النبذ والنقص والاحباط وسلبية الاتجاهات نحو الذات، يسهل انجذاب هؤلاء التلاميذ إلى عصابات المنحرفين بل قد يشكل هؤلاء من أنفسهم تلك العصابات التي يجدون فيها تعويضا وتنفيسا عما يحسون به من آلام نفسية ونبذ اجتماعي وقد يتعرض الطفل السوي والمتفوق لما يتعرض له المتأخر إذا ما ألمت به نفس المشاعر بسبب المدرسة أو الأسرة أو بسبب ظروف اجتماعية معينة

د. الزين عباس عمارة

استشاري الطب النفسي