حاجز زجاجي سميك نصنعه بأيدينا، نحاول من خلاله حماية أنفسنا من النقد. ندعي حبنا له، ولكننا نتخذ موقفاً سلبياً تجاه من يوجه إلينا بعض الملاحظات أو الانتقادات. البعض يضع أخطاءنا البسيطة تحت عدسة مكبرة، ويوجه الانتقاد بوابل من السهام الموجعة، والبعض الآخر ينتقدنا في سلوك معين، ويبيح لنفسه السلوك ذاته. كثيراً ما يكون النقد ـ بمعناه السلبي ـ حداً فاصلاً في العلاقات مع أشخاص يفترض أن تكون المحبة عنواناً بارزاً في تعاملنا معهم.

للأسف نقول إن محبة الآخرين فن لا يجيده إلا القليلون.فلا يجوز مثلاً أن ندعي محبة الآخرين، وننظر إليهم نظرة استعلاء. أو أن نحبهم بالأقوال ونكرههم بالأفعال.

المحبة والاحترام: حينما نتعرف إلى أي شخص للمرة الأولى، فإننا ننظر إليه من خلال اهتماماته التي تحدد شخصيته. ولأن كل واحد منا يرغب بالاستئثار بإعجاب الآخرين ونيل ثقتهم ومحبتهم، لهذا نحاول ان نخفي الكثير من عيوبنا، ولكن كما أسلفت خلف حاجز زجاجي، مهما بدا سميكاً إلا انه لا يستطيع أن يحجب الرؤية، ومهما كانت الأقنعة التي نختفي وراءها إلا أنها سرعان ما تتساقط كأوراق الخريف التي تظهر الأشجار عارية.

يهتم العديد من الأشخاص بالمظهر الخارجي، ويمضي هؤلاء وقتاً طويلاً أمام المرآة، دون أن يمنح الواحد منهم نفسه وقتاً قصيراً للوقوف أمام مرآة النفس الصافية التي لا تشوه الحقائق. يهتم مثل هؤلاء بالنظافة الخارجية، ويغفلون النقاء الداخلي. قد يحظى هؤلاء الأشخاص باهتمام الآخرين لبعض الوقت، لكن هذا الأمر سرعان ما يتبدد، إذا لم يسانده جمال الروح ونقاء النفس.

الرغبة في أن نكون محبوبين هي حالة تبدو واضحة في سلوكنا منذ مراحل الطفولة الأولى، وحتى تتحقق هذه الرغبة ينبغي أن نمتلك الذكاء العاطفي، ونتحلى بالمشاعر الدافئة، والقيم الأصيلة، ونتدرب على احترام الآخرين، دون استعلاء، أو انتقاص من مكانتهم، وحين توجيه النقد لهم، ينبغي أن نتقن فن النقد دون تجريح، وأن نتعلم تثمين المواقف الإيجابية قبل أن نبدأ بتلقينهم الدروس أو توجيه النقد اللاذع الذي يهدد علاقاتنا الاجتماعية.

ينبغي علينا أن نعمل على مساعدة الآخرين وتقديم العون لهم، دون مصلحة وحتى نكسب محبة الآخرين من المهم جداً أن نظهر الود في أفعالنا قبل أقوالنا وأن يكون التواضع عنواناً بارزاً في علاقاتنا مع زملائنا في العمل، أو الأصدقاء، أو الجوار ممن نتواصل معهم يومياً بحكم العلاقات الاجتماعية والعملية. وحتى نكسب محبة الآخرين ينبغي أن نتقن فن الإصغاء، ونتقبل ملاحظات الآخرين البناءة بصدر واسع، حتى وإن صدرت عن أشخاص حاقدين.

ولنتعلم قراءة محبة الآخرين من خلال عيونهم، لأنها أفضل بكثير من سماعها أو البحث عنها من خلال بعض الكلمات الخالية من المعاني. ولنتذكر دوماً أن السعادة ثمرة نقطفها من محبة الآخرين. وحتى يتحقق ذلك لابد أن نتقن فن إدارة الغضب، والتحكم بالانفعالات، وتحمل الفشل في سبيل صعود سلم النجاح، والانتقال من ضفة اليأس إلى ضفة الأمل.

bassam@albayan.ae