إن نعم الله سبحانه وتعالى على عباده أكثر من أن تحصى وأحد هذه النعم (نعمة النوم). وأكثر من يشعر بأهمية هذه النعمة من يعاني من مشاكل واضطرابات في النوم. فالنوم يعطي الجسم الراحة التي يحتاجها بعد جهد يوم كامل لكي يستعيد نشاطه وهدوءه لليوم التالي، وخلال هذا الوقت تحدث العديد من التغيرات والوظائف العضوية الهامة للجسم من إعادة بناء لأنسجة الجسم، وإفراز هرمونات، وغيرها ويحصل الكثير من أعضاء الجسم على راحته.

تحدث بعض الاضطرابات العضوية أو النفسية أو السلوكية التي تؤثر على آلية النوم فينتج عنها اضطرابات في النوم. وتعتبر اضطرابات النوم أحد أكثر المشاكل الطبية شيوعا. فالكثير من الأمراض العضوية المعروفة تؤثر على النوم. والنوم غير الصحي يؤثر بدوره على صحة الإنسان.

وهناك اعتقاد سائد بأن النوم عبارة عن خمول في وظائف الجسم الجسدية والعقلية يحتاجه الإنسان لتجديد نشاطه. والواقع المثبت علمياً خلاف ذلك تماماً، حيث إنه يحدث خلال النوم العديد من الأنشطة المعقدة على مستوى المخ والجسم بصفة عامة وليس كما يعتقد البعض فبعض الوظائف تكون أنشط خلال النوم كما أن بعض الأمراض (أمراض النوم، كالشخير مثلاً) تحدث خلال النوم فقط وتختفي مع استيقاظ المريض.

النوم ليس فقداناً للوعي أو غيبوبة وإنما حالة خاصة يمر بها الإنسان، وتتم خلالها أنشطة معينة. عندما يكون الإنسان مستيقظاً فإن المخ يكون لديه نشاط كهربائي معين، ومع حلول النوم يبدأ هذا النشاط بالتغير ودراسة النوم تساعدنا على تحديد ذلك تحديداً دقيقاً. فالنائم يمر خلال نومه بعدة مراحل من النوم لكل منها دورها.

يتفاوت عدد ساعات النوم التي يحتاجها الإنسان الطبيعي تفاوتاً كبيراً من شخص إلى آخر. ولكن المؤكد أن عدد الساعات التي يحتاجها نفس الشخص تكون ثابتة دائماً. فبالرغم من أن الإنسان قد ينام في ليلة أكثر من ليلة أخرى إلا إن عدد الساعات التي ينامها الشخص خلال أسبوع أو شهر تكون عادة ثابتة.

ولا شك أن عدد ساعات النوم التي يحتاجها الإنسان تختلف من شخص إلى آخر، فالكثير من الناس يعتقدون بأنهم يحتاجون إلى ثمان ساعات نوم يومياً. وأنه كلما زادوا من ساعات النوم كلما كان ذلك صحياً أكثر، وهذا اعتقاد غير صحيح، فعلى سبيل المثال إذا كنت تنام لمدة خمس ساعات فقط بالليل- دون أرق-

وتشعر بالنشاط في اليوم التالي فإنك لا تعاني من مشاكل ونقص النوم ذلك لأن الأرق هو عدم القدرة على الدخول في النوم.. أو عدم القدرة على النوم للمدة الكافية. أو حدوث تقطع متكرر في النوم أثناء الليل فالأرق في حد ذاته ليس مرضا وإنما يمكن النظر إليه على أنه في المجمل عرض لمشكلة طبية أخرى كما أن الصداع عرض لمشاكل طبية.

ويعرف الأرق على أنه الشكوى من عدم الحصول على نوم مريح وهو ما يؤثر على نشاط المصاب خلال النهار وهو مشكلة شائعة جدا فقد أظهر أكثر من استبيان أن حوالي %30 من الناس قد يعانون من صعوبات في النوم. وهذه المشكلة تصيب السيدات أكثر من الرجال وكبار السن أكثر من الشباب.

وللقلق أسباب : فقد تكون أخباراً سيئة سمعها الإنسان في نهاره. أو قد يكون الفقر حيث يفكر المرء في لقمة عيشه. أو غنى.. يفكر المرء في مشاريعه وأشغاله. أو سببه هموم الحياة بما فيها من أفراح وأتراح.

الأسباب النفسية

وقد أظهرت الدراسات أن %40 من المصابين بالأرق لديهم اضطرابات نفسية. والأسباب النفسية التي تسبب الأرق متعددة فمنها الاكتئاب والقلق والضغوط العائلية والوظيفية وغيرها. وعندما نتحدث عن الاضطرابات النفسية فنحن لا نعني أن المصاب مجنون أو مريض نفسي ولكن تغير أسلوب الحياة المدنية الحديثة نتج عنه الكثير من الضغوط النفسية التي قد تؤثر على. والمصاب بالأرق الناتج عن اضطرابات نفسية لا يدرك في معظم الحالات أن السبب في إصابته بالأرق يتعلق باضطرابات نفسية.

ويخشى الكثير من الناس بأن يوصفوا بأنهم مرضى نفسيين. ولكن نظرا لشيوع الاضطرابات النفسية كأحد أهم الأسباب للأرق يجب استكشاف احتمال وجود الأسباب النفسية عند المصابين بالأرق. ويشكو المصابون بالاكتئاب من الاستيقاظ المبكر بينما يعاني المصابون بالقلق من صعوبة الدخول في النوم.

الأسباب العضوية

ومن هذه الأسباب:

- الاضطرابات التنفسية: ومنها الشخير وتوقف التنفس أثناء النوم، توقف التنفس المركزي وخاصة عند المصابين بهبوط القلب، والحساسية التنفسية لمجرى الهواء العلوي أو السفلي.

- الارتجاع المريئي: ويعني استرجاع الحمض من المعدة إلى المرئ وأحيانا يصل الحمض إلى البلعوم. وهذا أحد الأسباب المعروفة لتقطع النوم والأرق.

- متلازمة حركة الساقين غير المستقرة.

- الألم: الألم مهما كانت أسبابه قد يؤدي إلى الأرق.

- أنواع معينة من عقاقير الغدة الدرقية، وحبوب منع الحمل، ومضادات الاكتئاب، وأدوية القلب.

- أسباب طبية أخرى: كالشلل الرعاش وأمراض الكلى واضطراب الغدة الدرقية السكر وغيرها.

الأسباب السلوكية والبيئية:

- عدم الانتظام في مواعيد النوم والاستيقاظ

- الأرق المكتسب (الأرق السيكوفيزيولوجي): وهنا يعاني المصاب من الأرق نتيجة لبعض العوارض الاجتماعية أو الضغوط النفسية ولكن بعد زوال السبب الذي أدى للأرق تستمر مشكلة الأرق مع المريض وذلك بسبب اكتساب المريض عادات خاطئة في النوم خلال الفترة السابقة ويصبح المريض مشغول الذهن وكثير القلق من احتمال عدم نومه ويدخله ذلك في حلقة مفرغة تزيد من مشكلة الأرق عنده. وهؤلاء المرضى قد ينامون بشكل أفضل خارج منازلهم.

- الخمول والكسل: فقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يعيشون حياة خاملة ينامون بصورة أسوأ من الذين يعيشون حياة نشطة مليئة بالحيوية. والرياضيون بصورة عامة ينامون أفضل من الخاملين.

- الإفراط في استخدام المنبهات أو استخدام الكحول: والمنبهات تشتمل على المشروبات المنبهة كالقهوة والشاي والكولا والشوكولا. كما أن دخان السجائر يعتبر من المنبهات. أما بالنسبة للكحول فإنه من الثابت علميا أنه يؤدي إلى الأرق وتقطع النوم كما أنه يزيد من اضطرابات التنفس أثناء النوم.

ما علاج الأرق؟

إن الباحثين يضعون تمييزاً جلياً بين الأرق العابر وأشكال الأرق الأخرى الأشد خطورة. فالحقيقة أنه ما من إنسان أبداً قد سلم من الأرق العابر. وهذا على ما قد يسببه من إزعاج، إلا أنه ليس بالمرض، فهو عادة لا يدوم أكثر من ليال قليلة. وكثيراً ما يكون مرده في هذه الحالة إلى اضطراب التوقيت في الحياة بسبب سرعة الانتقال بالطائرات النفاثة من منطقة إلى أخرى لسبب طارئ.

وأخطر من الأرق العابر الأرق »القصير المدى«. وقد يدوم هذا رغم اسمه أياماً عدة أو أسابيع. وقد تذكيه عوامل كثيرة كالشدة النفسية الناشئة عن حزن، أو طلاق، أو تغيير المسكن، أو العمل، أو مرض معين، أو ألم جسماني، إلا أن أشد أنواع الأرق هو الأرق »المزمن« الذي قد يلازم الشخص المصاب أشهراً بل سنوات أحياناً.

إن هذين النوعين الأخيرين من الأرق هما أكثر أنواع الأرق دفعاً للناس إلى نشدان العون الطبي. ولكن ليست هناك »تركيبة« مقررة تحدد خطورة المشكلة، كأن يفقد الإنسان من نومه ساعات في الليلة الواحدة أو بضع ليال في الشهر. فالحدود بين النوم الكافي والنوم غير الكافي يصعب وصفها، لأن حاجات الناس إلى النوم تختلف اختلافاً كبيراً بين دورة حياتية وأخرى، وكما ذكر سابقا، فإن الأرق عرض أكثر منه مرض. لذلك يجب أن يوجه العلاج إلى سبب الأرق و ليس إلى الأرق نفسه.

ما دور الحبوب المنومة في علاج الأرق؟

عند الحديث عن الحبوب المنومة يجب تقسيم الأرق إلى الأرق المزمن والأرق الحاد.

الأرق الحاد: وعادة ما يزول بعد زوال السبب كبعض الضغوط العارضة أو السفر إلى مناطق بعيدة مما ينتج عنه اختلاف كبير في التوقيت. وإذا كانت الأعراض شديدة يمكن وصف بعض الحبوب المنومة خلال هذه الفترة بحيث لا يزيد استخدام الحبوب عن أسبوعين.

الأرق المزمن: يجب في البداية تقييم المصاب بالأرق المزمن من قبل المختصين لاستبعاد الأسباب العضوية والنفسية. إذا تم استبعاد الأسباب العضوية والنفسية فإن العلاج في أساسه كما ذكر آنفا يتكون من الأساليب السلوكية التي يمكن أن تدعم في بدايتها وفي بعض الحالات بالحبوب المنومة. ولكن يجب أن يبقى استخدام الحبوب المنومة لفترة محدودة وتحت إشراف طبي مباشر. ويجب على القارئ أن يدرك أن الحبوب المنومة ليست حلاً للأرق المزمن وأن استخدام الحبوب لفترة طويلة قد ينتج عنه التعود على الحبوب، حيث تفقد الجرعة التي يتناولها المريض فعاليتها مع الوقت ويحتاج المريض إلى جرعات أكبر.

ارشادات

ومن النصائح التي يمكن تقديمها لمريض الأرق :

- استرخ قبل النوم. فالإنسان الذي يستمر في العمل حتى وقت نومه عادة ما يجد صعوبة في

- النوم لأن جسمه لم يأخذ حاجته من الاسترخاء الذي عادة ما يسبق النوم.

- تجنب إجبار نفسك على النوم، فالنوم لا يأتي بالقوة. بدلاً عن ذلك ركز على عمل شئ هادئ

يريح بالك كالقراءة أو مشاهدة التلفزيون أو آيات من القرآن للمساعدة على الاسترخاء.

- اذهب للفراش عندما تشعر بالنعاس فقط.

- لا تكثر البقاء في الفراش وأنت مستيقظ واحصر بقاءك في الفراش على الفترة التي تحتاجها للنوم.

- اخف ساعة المنبه ولا تجعلها أمامك إذا كان النظر إليها يزعجك. ولكن اضبط المنبه للاستيقاظ صباحا.

- الانتظام في مواعيد النوم والاستيقاظ.

- حاول ممارسة الرياضة بانتظام فالرياضة تساعد على النوم بشكل أفضل.

- حاول التخفيف من المنبهات.

- تجنب التدخين.

- وجبة خفيفة قبل النوم قد تساعد على الرقاد

د. علاء الدين الهسي

اختصاصي في الطب الداخلي

مستشفى الإمارات