عندما تجلس إلى مكتبك لبدء العمل، لا بد أن ترنو إلى حقيقة مهمة للغاية وهي أن جهاز الكمبيوتر والجرائد وسطح المكتب في عمومه يشهد حشداً من الحشرات غير المرئية أو مخلفات الحشرات التي عبثت بكل ما في المكتب في الليل وتوارت مع أول خيوط الفجر، لتتيح لك الفرصة للجلوس إلى مكتبك بأمان، أو هكذا يمكن أن تعتقد.
لذلك عندما تجلس إلى مكتبك في المرة المقبلة، يفضل أن تدقق البصر ملياً بكل تفاصيله ودقائقه، بدءاً بالهاتف أو ما قد يسكن بين حواشي لوحة المفاتيح الخاصة بالكمبيوتر، وعليك ألا تغفل الشاشة التي قد تجذب الكثير من الجراثيم، كما عليك تفحص تلال الأوراق أو المجلات والصحف أمامك التي قد تكون محشوة بالعثة أو أنواع أخرى من الحشرات أو الجراثيم. كما ينبغي عليك التدقيق بكوب الشاي أو القهوة الذي تركته نحو ثلاثة أيام أو منذ بدأت العطلة الأسبوعية.
وقد تسخر من تلك الملاحظات، لأنك قد تظن أن مكتبك خال من الكائنات الأخرى سوى زملائك في العمل، أو أجرد بالكامل إذا كنت لوحدك في المكتب. والحقيقة أنت لست وحيداً بل في صحبة آلاف الحشرات والجراثيم التي يصعب عليك رؤيتها بالعين المجردة.
ولكن، إذا كان بصرك قوياً، وتفحصت كل شيء حولك من سطح المكتب إلى الكمبيوتر فسترى الكثير من الكائنات التي ستذهلك لفرط وجودها ونشاطها في كل مكان حتى وإن رفعت حذاءك الذي قد يلتقط الكثير من الجراثيم من الشارع قبل دخولك إلى المكتب.
وسواء كنت في المكتب أو خارجه ومفتاحه في جيبك بعد مغادرتك فإن هناك حياة ونشاطاً آخر لا شك أنه يخفى عليك. فهناك الحشرات التي تتغذى على أوراق الصحف والمجلات، والتي تسمى السمكة الفضية، وهناك العثة التي تجعل من الغبار صديقاً لها وتتغذى على ما يتساقط من جسمك من الجلد الميت مع كل حركة تتحركها على الكرسي.
أما الصراصير فحدث ولا حرج فهي تحضر في غياب كل حركة آدمية في المكاتب لتلتقط فتات المائدة مما خلفته من وجبات الصباح أو الغداء. وتذكر دائماً أنك لن تراها لأن دوامها أو ورديتها تختلف عن ورديتك تماماً، وهي تكره أي حركة آدمية وتفضل الهدوء.
وإزاء كل ذلك، يلفت إيان بورجيس مدير التطوير وأبحاث الحشرات، وهي دائرة استشارية مركزها رويستون في المملكة المتحدة، الانتباه إلى تواجد كل تلك الحشرات وإلى الفضلات التي تخلفها وراءها. ويقول بورجيس تخلف تلك الحشرات برازاً ونثرات من أجسامها تحتوي على خواص قد تعرض الإنسان للإصابة بالحساسية.
ويضيف قائلاً: نقابل الكثيرين ممن يشتكون من أمراض جلدية سببها تلك النثرات التي تلفظها أجسام تلك الحشرات. والحقيقة فإن الشحنات الستاتية التي يولدها الكمبيوتر يمكن أن تتسبب في الآلاف من محرضات الحساسية التي تتدفق عبر أجواء المكتب. فكلما أطال الإنسان المكوث أمام شاشة الكمبيوتر كلما كان الوضع الصحي أسوأ.
إذن، أين تعيش كل تلك الكائنات المتهمة بالمسؤولية عن الإصابات بأمراض الحساسية؟
لنبدأ بأسفل أقدامنا: تعيش تحت أقدامنا يرقات عثة السجاد أو الموكيت ويبلغ طولها 3,3 مم ومغطاة بالمئات من الشعيرات الدقيقة. وفي الوقت الذي تقوم تلك العثة بتدمير تدريجي وبطيء للسجادة، فإنها قادرة أيضاً على إلحاق أضرار كبيرة بصحتك.. وتقوم العثة بوضع بيوضها في السجاد. وعادة ما تفقس في الخريف وتنطلق فيما بعدها زاحفة إلى الجدران. ونظراً لأن الشعيرات التي يحتويها جسم تلك الكائنات هشة فإنها تتساقط وتتطاير في الهواء. ويحدث أن الأشخاص المصابين بالحساسية من تلك الفضلات يشعرون بحكة شديدة إزاء ذلك.
والأمر الآخر أنك فور تركك الكرسي أو المقعد الذي تجلس عليه يحدث فوراناً هائلاً على المقعد. والحقيقة أن الدفء الذي يتعرض له المقعد أثناء الجلوس يكفي لإفساح المجال لبيئة مثالية لنشاط عثة الغبار. وتنتمي تلك العثة إلى فئة العناكب والقرادة وتعيش قريبة جداً من الكائن البشري، وتكاد تكون لصيقة به في كل الأوقات.
ويبلغ عرضها نصف الملليميتر وتتغذى على قشور الجلد المتساقطة من جسم الإنسان وتزرع الفطر على البشرة، ورغم أنها لا تعض ولا تؤذي، أي لا تسبب لنا الألم مباشرة، إلى أن فضلاتها (البراز) تحتوي على عناصر مثيرة للحساسية تنطلق لتغز طريقها إلى الرئتين. ويؤكد العلم بأن عثة الغبار هي أكثر الكائنات إثارة لحساسية الربو.
وكانت دراسة أجريت على مؤسسة أبحاث في واتفورد في المملكة المتحدة في العام 1993 ترأسها جاري رو، وهو متخصص في جودة الهواء داخل المكاتب أو داخل المباني، واكتشف أن كراسي المكاتب موبوءة بعثة الغبار وافترضت الدراسة أنك عندما تجلس على الكرسي تخرج من أسفل منك زوبعة غبار مليئة ببراز العثة.
ولكن ماذا عن سطح مكتبك الذي تجلس إليه؟
رغم أنك تقوم بتنظيف المكتب ومسحه جيداً من كل الجهات على قاعدة منتظمة، فإن تلك الكائنات (الشريرة) سرعان ما تعود إلى مراتعها. وفي خلال ذلك أطلق ديف ماكليناشان، المدير التقني لشركة رينتوكيل آي تي هيجين، ومقرها في مانشستر، تحذيراً من خلال حكاية رواها حتى يسمعها كل إنسان يعتقد أن مكتبه حضن للنظافة.
يقول ديف: لقد قمنا بزيارة مكاتب نظيفة تماماً في اليوم التالي وقد اكتشفنا خروج المئات من اليرقات زاحفة من بين مفاتيح لوحة مفاتيح الكمبيوتر. ولم يمض عليها سوى أسبوع حتى فقست.
ولكن إذا كنت لا تزال غير مقتنع بهذا التحذير وترى أن كمبيوترك نظيف، ما عليك سوى قلب لوحة المفاتيح وهزها جيداً. وسترى أشياء مذهلة تخرج من اللوحة منها قشور بشرتك وقطع من الشعر وبعض فتات الطعام. ولكن تلك القطع أو النثرات لا تخرج وحدها بل مليئة بناقلات المرض الناجمة عن القاذورات وبراز العثة والحشرات الميتة.
لا شك أنك ستشعر بالقلق وأن ما سيأتي أعظم وأشد بلاءً. وفي ضوء ما يراه ديف فإن تلك هي المخاطر غير المرئية التي تسبب الأمراض مثل الفطريات والبكتيريا. ورأى أنها كلما كانت تلك الكائنات أصغر كلما كانت أشد بلاءً وخطورة.
ويؤكد تشارلز جيربا أستاذ علم الميكروبات في جامعة أريزونا في توكسون أن البكتيريا التي تسكن على المكتب تزيد ضعف على البكتيريا العالقة بكرسي دورة المياه. والحقيقة أن سطح المكتب أسوأ من دورات المياه.. ويشار إلى أن البروفيسور يقوم أواسط السبعينات بدراسة ناقلات المرض في الاستراحات العام.
وقد قام مؤخراً بإجراء تحقيق حول الميكروبات التي تعيش في أماكن العمل. وهو يقول لن تصدق ما اكتشفته على سطح بعض المكاتب التي رأيتها. لقد أمضينا المزيد من الوقت في المكاتب من قبل ورأينا الكثير من الجراثيم التي تجري هنا وهناك.
مناطق التلوث
في آخر بحث قام به جيربا لجأ إلى تحديد هوية أكثر الأماكن تلوثاً في المكاتب. وجمع أعضاء الفريق المساعد من مكتب مماثل المواد المترسبة على سطح المكتب في خمس مدن أميركية: من أطلنطا المشهورة بالحرارة والرطوبة في الصيف وشيكاغو الأكثر برودة في شمال أميركا ومن نيويورك على الساحر الشرقي ومن سان فرانسيسكو على الساحل الغربي ومن مدينة تكسون جنوب غرب أميركا، وهي منطقة معروفة بالجفاف في ولاية أريزونا.
وتم جمع تلك المواد من المكاتب ومن قاعات المؤتمرات، وعلى الرغم من هذا الامتداد الجغرافي الواسع فإن النتائج كانت على الأغلب متطابقة. وكشفت الدراسة أن أكثر المواقع التي تحتوي على البكتيريا كانت سماعات الهاتف. وساند ديف تلك النتائج في ضوء الأبحاث التي توصل إليها بنفسها. وتعليقاً على ما توصل إليه قال لقد ذهبنا مؤخراً إلى مانشستر وقمنا بفحص مكتب شخص لم يستخدمه منذ فترة طويلة بسبب إجراء عملية في الأذنين قبل ثلاثة أشهر. وكان الطبيب قد استنتج أن السبب الحقيقي وراء إصابة أذنيه هي سماعة الهاتف.
والأدهى من ذلك أن سماعات الهاتف متصلة اتصالاً مباشراً بمفاتيح الكهرباء وبفأرة الكمبيوتر الماوس. كما أن أذرع المقاعد في غرف المؤتمرات تحتل قائمة أكثر المعدات تلوثاً في تلك المناطق. ويحتل الريموت كونترول المستخدم في عرض الصور في قاعات الاجتماعات قائمة الأجهزة الأكثر تلوثاً. فهي تحتوي على نسبة عالية من البكتيريا.
ولكن لا ينحصر القلق في تلك المعدات فقط. فبعد كل ذلك فإن أجسامنا جميعاً مغطاة بالبكتيريا من ذؤابة الرأس إلى أخمص القدمين ولكن بعض تلك الكائنات الجرثومية هي أكثر سوءاً من الأخرى. وما لم تنظف مكتبك فيمكن أن تنقل البكتيريا والأنفلونزا وفيروسات البرد التي تحشد جيوشها داخل المكاتب المغلقة. وحذر جيربا من أن تلك الجراثيم يمكن أن تصيب عدداً كبيراً من الموظفين دفعة واحدة. وعلى ذلك ينبغي تنظيف المكتب بمواد مطهرة خاصة الكحول لضمان القضاء على تلك الكائنات المؤذية التي تتربص بنا 24 ساعة في مكاتبنا التي نخال أنها نظيفة.
ولكن لا أكثر من بيئة يمكن أن تتوالد فيها البكتيريا والفطريات من فنجان القهوة الذي نشربه ونتركه على سطح المكتب. كما أن القهوة هي الوسط البيلوجي المثالي للبكتيريا. وكان جيربا قد ركز أبحاثه على الأكواب التي يتم العصور عليها في كفتيريا المكاتب التي لا تنظف فيها الكؤوس بصورة جيدة، وقال ان تحقيقاته كشفت عن وجود ما بين 5 و 300 ألف خلية بكتيرية في الأكواب المستخدمة لشرب القهوة. وكانت على شكل لطخ وبقع عالقة على الأكواب التي لم تنظف جيداً.
واكتشف من خلال بحثه أن %41 من تلك الأكواب كانت تحتوي على أدلة وشاهد لوجود تلوث ببراز الكائنات الدقيقة ومنها العثة، وتعد كل واحد من تلك الملوثات مسببة للتسمم الغذائي. ويعتقد جيربا أن تلك الملوثات تنتقل أثناء تنظيف المكاتب عندما تستخدم خرق تنظيف غير ملوثة وغير نظيفة.
ويقول جيربا: الأمر لا يقتصر فقط على البكتيريا بل أن أكواب القهوة تحتوي على كائنات دقيقة تشكل مشكلة كبيرة بالنسبة للأشخاص المصابين بالربو.
كما أن الرائحة المتولدة عن نمو البكتيريا تخلق أجواء غير مريحة في المكتب ويمكن أن تسبب مشكلات كبيرة بالنسبة للأشخاص المصابين بالبكتيريا. وحذر البروفيسور بيتر ثورن أستاذ علم السميات في جامعة إيوا ( كلية الصحة العامة) أي شخص يعتقد من أن الاحتفاظ بنبات على طرف المكتب يحسن من بيئة العمل، مشيراً إلى أن النباتات وعلى نحو خاص التي توضع في سلال تتبلل وتصبح بيئة صالحة لنمو الفطريات والجراثيم. هذا إذا لم نتحدث عن غبار الطلع الذي يصدر عنها.
ويرى ثورن أن تلك البيئة السيئة التي تلف مكتبك ليست أكثر سوءاً من الزملاء في العمل الذين يشاركونك سماعة الهاتف ولوحة المفاتيح وكوب القهوة. ويعتقد ثورن أن هناك احتمالاً أسوأ وهو عندما يقترب منك زميلك أو زميلتك وهي تحمل كلباً صغيراً أو قطة مدللة. لأن تلك الحيوانات المدللة غالباً ما تلعب في الحديقة وتلتقط الكثير من البكتيريا والجراثيم المختلفة غير المرئية.
ومثل هؤلاء الزملاء الذين يحملون تلك الحيوانات ينقلون دوماً على ثيابهم تلك الجراثيم التي تنقل إليك في الغالب عندما تلتقون في المكتب. ويقوم جيربا حالياً بدراسة شكل المكتب النظيف الخالي من الملوثات. وتوحي اكتشافاته الأولية بأن أسوأ تلك المكاتب هي التي تتوفر في أبنية الوسائل الإعلامية.
ويشير إلى أن تلك الأنباء سيئة، بالطبع، بالنسبة للموظفين المصابين بالربو.
1- يرقة ذبابة في المنزل ويعرف عن هذه اليرقة بأنها تسكن لوحات المفاتيح.
2- بعض الأشخاص يعانون من حساسية عالية بالنسبة لشعيرات يرقات الخنافس ( كما تبدو في الصورة) ولا يختلف الأمر بالنسبة ليرقة العثة المحشوة في السجاد تحت قدميك
محمد نبيل سبرطلي