«إذا أمعنت في الغياب عن الأصحاب، بادروك بالنسيان». قالت له ذات مساء، بعد فترة من الصمت المطبق، ومسافة طويلة من الغياب: «المدينة البعيدة غيرتك، والغربة سلبت منك الكثير، فلم تعد رائحة التراب بعد زخة المطر تثير فيك العواطف والشجون، الممزوجة بالفرح الطفولي، وتوقظ فيك الحنين.

فرد عليها بصوت مرتعش مغلف بالأسى: «لقد تغيرت الحياة، التي لم تعد تترك للإنسان العادي حتى الحلم، والدروب المتشعبة باتت ضيقة، والجميع يرغب بالعبور نحو الجانب الآخر، دون توقف». حينما غادرت بلدتي النائية، على أطراف الصحراء القاحلة، ذات صباح كان البرد قاسياً، كما هي الأيام، ولم يشعر بي أحد، لكن الحلم كان دافئاً.

«لقد تغيرت منذ ذلك الصباح».

بينما كان يتكلم حيناً ويصمت أحياناً، شعر بتلك الرائحة التي أنعشت قلبه، الذي كان يخفق برتابة طيلة سنوات. وتذكر تلك الأزهار التي مازالت تفوح منها رائحة الذكريات الجميلة، رغم مرور السنين. وبينما كانت تحدق في عينيه، قال: «مازلنا نشعر بالوحدة رغم الجموع، محاصرين بالضيق، رغم المسافات الشاسعة، زمن قاسٍ يسرقنا من بوابة الوجع إلى مستنقع الوظيفة، وصخب الحياة اليومية، التي توحي بالحياة رغم رتابتها».

بصوت خفيض، وتنهيدة عميقة، أراد أن يقول لها إنه لم يتغير. ثم تلفت بعيداً وعبر بنظراته من خلال النافذة المفتوحة قليلاً، ورغب بالبكاء. نوبة من صمت الدهشة انتابته، ثم أطلق زفرة قوية، أراد أن يخرج مكنونات صدره، ورواسب أيامه القاسية. أن يفجر الحزن الكامن في الأعماق. ثم أغمض عينيه، وتذّكر كيف واجها الرياح العاتية التي اعترضت مسيرة حياتهما، وكيف فشلا، ولكنهما لم يستسلما، بل تابعا المسير يداً بيد، ورددا الأغاني الجميلة، رغم وعورة الدرب.

قالت له وهي تمسك بيده: «إن المدن الكبيرة قد تستر الإنسان من الخارج، ولكنها تظل تنهشه من الداخل حتى يتمزق رويداً رويداً».

فأجابها، وهو يشد على يديها، مدركاً مدى عشقها الذي كان يكبر مع مرور الأيام: «الحياة هذه الأيام لا ترحم، ويبدو أنه لا يوجد وقت كافٍ للفرح».

إن الخيول الأصيلة تحزن وتنقطع عن الطعام والشراب، إن فارقت أصحابها، إلا أن الأمر مختلف لدينا. فمشاعرنا قد تحجرت، والبعض يبكي من شدة الفرح، والبعض الآخر من شدة القهر. علاقاتنا هذه الأيام تثير نسيجاً متشابكاً من التساؤلات، دون إجابات مقنعة.

إنها لمفارقة حقاً، فبرغم تصدع جدران النفس إلا أن البيت الذي شيداه سوياً منذ سنوات، ما زال متماسكاً رغم كل الظروف القاسية. أشلاء متناثرة ومبعثرة من الروح هنا وهناك. حنين عابر سرعان ما يزول، ورغبة بتصفح الدفاتر القديمة.

أقسى ما في الغربة الوحدة، وعندما يجتمع الليل معها، ينام الجميع، بينما يبقى الغريب وحيداً بين همومه وأحزانه، وذكرياته لا تطفو على السطح إلا ليلاً حينما يخيم الظلام بعتمته ويعكس القمر نوره على النافذة.

إنها قسوة الغربة.