رغم ان السرقة عرض شائع في الطفولة، إلا انه غير ظاهر بوضوح بسبب تردد الآباء في الإفصاح عن سرقات أطفالهم ومناقشتها كظاهرة. إن السرقة والأمانة من السلوكيات التي يكتسبها الطفل من بيئته، أي ان الأمر عبارة عن سلوك اجتماعي يمكن اكتسابه عن طريق التعلم.
رغم ان السرقة عرض شائع في الطفولة، إلا انه غير ظاهر بوضوح بسبب تردد الآباء في الإفصاح عن سرقات أطفالهم ومناقشتها كظاهرة. إن السرقة والأمانة من السلوكيات التي يكتسبها الطفل من بيئته، أي ان الأمر عبارة عن سلوك اجتماعي يمكن اكتسابه عن طريق التعلم.
يجب أن يتعلم الطفل التفرقة بين حقوقه وحقوق غيره.
ان كثيرا من الأشياء التي يسرقها الأطفال ليست بذات قيمة أو نفع لهم، وتبدأ السرقة كاضطراب سلوكي واضح في الفترة العمرية 4 ـ 8 سنوات وقد يتطور الأمر ليصبح جنوحاً في عمر 10 ـ 15 سنة وقد يستمر الحال حتى المراهقة المتأخرة. وتستمر السرقة خلال فترات النمو النفسي والبدني للطفل، أما عملا أو فعلاً مدبرا يقوم به بين حين وآخر...
أو سلوكا مستمرا من النشاط تتم ممارسته تقريبا كل يوم بهدف التمتع بالشيء المسروق وتفادي الانكشاف والعقوبة. الطفل السارق غالباً ما يكون مجهول الهوية بسبب ما يقوم به من محاولات تستر على النفس وما يفعله، وتختلف عن النهب أو السلب التي يمارسها الأطفال الأقوى أو الأكبر على الأطفال الآخرين كاشفين عن أنفسهم مع الفخر والزهو بما يفعلون.
ان رغبة الصغير في الامتلاك الناجمة من غريزة حب التملك ليست إلا امتدادا لمصلحته الذاتية. الطفل يكتسب معنى الملكية تبعاً لما يشاهده ويسمعه ويختبره بنفسه. فهناك أسر لا تقيم حدودا لملكية الأشياء بين أفرادها، فأدوات الطعام والشراب واللعب مشاعة للجميع ودون تفرقة، وبعض الأسر تسمح لأولادها باستخدام أدوات بعضهم البعض دون توفير شيء واحد يخص طفلا وشيء آخر يخص أخيه، ودون تفرقة بينهما في المعاملة بالطبع.
وفي بعض الأسر يسمح للأولاد أن يلبس بعضهم ثياب بعض، وفي مثل هذه الظروف لا نستبعد أن نجد أطفالا يميزون بصعوبة شديدة بين ما يملكونه والذي لا يدخل في ملكيتهم.
ان ذلك لا يمنع تعويد الأسرة معنى التعاون بين الأخوة والأصدقاء من سن مبكرة بتبادل الألعاب أو الأدوات عن رضا من الطرفين مع دعم الشعور بالملكية الخاصة في الوقت نفسه. أن شراء أسرة لعبة واحدة لأطفالها الأربعة يتناوبون عليها باللعب مع عدم تمييز الطفل بين ما يملكه وما لا يملكه خطأ يرتكبه عدد غير قليل من الآباء ظناَ منهم انها أحسن وسيلة لتعليم الطفل التعاون والإيثار عوضا عن الأنانية وإيثار الذات.
والأطفال المضطربون سلوكيا يبدأون بسرقة أشياء بسيطة بالمنزل كالطعام والنقود والأقلام والصور، وغالباً ما تكون المسروقات ترويحية مثل الصور والمجلات، أو نفسية مثل الحلي والذهب، وقد تكون الأشياء التي يقبل الطفل على سرقتها ذات فائدة استهلاكية مثل الساعات والنظارات.
ومن الأمور الظاهرة لجوء الطفل السارق إلى إخفاء ما سرق بحيث يصعب توجيه الاتهام أو إثباته عليه، أمام نكرانه وعناده، وغالبا ما يبدأ الطفل السارق في حالة المواجهة بنكران تام، والحلف باسم الله وهنا يقترن مع سرقته كذبة، ويستنكر الطفل فكرة اتهامه، ويبدأ بالبكاء ويعلن عن ظلم من قال عنه ذلك، وقد ينسب السرقة إلى شخص برئ ويجئ من خياله بأدلة وشواهد.
أشكال السرقة
1ـ السرقة الكيدية:
يلجأ بعض الأطفال إلى سرقة الأشياء عقابا أما للكبار أو لأطفال مثلهم حتى يصيب هذا الشخص المسروق الهلع والفزع، وذلك نتيجة وجود كراهية أو دوافع عدوانية تجاه الآخرين.
2- سرقة حب التملك:
لا أبالغ إذا قلت أن اغلب الأطفال مارسوا نوعاً من السرقة، إن الأمر ينطوي على إشباع حاجة بدأت مع النزوع للاستحواذ على مستوى من العاطفة في مراحل النمو النفسي الأولى برغبة الطفل الرضيع الاستئثار بالأم، وقد ينجح، مما يدفعه بالتدريج إلى محاولات الاستحواذ على أشياء أخرى، إن هذا الأمر ظاهرة طبيعية مرغوبة في السلوك اليومي ظلت ضمن الحدود القيمية التي تتيح للطفل فرصة تحقيق كيان ووجود متميز مزود بمستلزمات بسيطة كاللعب، والممتلكات الخاصة التي تساعده في الاستقلالية.
3- السرقة كحب للمغامرة والاستطلاع:
قد نرى بعض الأطفال ينتظرون غياب حارس الحديقة للسطو على قليل من ثمارها التي قد لا تكفي طيراً، إلا أن دافع السرقة هنا ليس الجوع والحرمان ولكن حب الاستطلاع والمخاطرة وروح المغامرة، وقد يسرق الطفل طعاماً لم يره من قبل ولم يتذوقه.
4- السرقة كاضطراب نفسي:
ان العوامل النفسية وراء السرقة كثيرة ومتشعبة، ولا يمكن تفسير سلوك السرقة بدافع واحد مثل الحاجة إلى النقود أو الجوع أو الاستطلاع. وقد تتفاعل الدوافع النفسية مع عوامل بيئية وقد تكون السرقة جزءا من حالة نفسية أو ذهنية مرضية يعاني منها الطفل، وتظهر بشكل اضطراب سلوكي مثير، وله دوافعه النفسية العميقة، وناتج عن صراعات مرضية شاذة في نفس الطفل لا يمكن معرفتها إلا بالتحليل النفسي. وقد يسرق الطفل نتيجة استقرار بنائه النفسي على الأخذ فقط دون العطاء، ونتيجة لتصوره أن الحياة عبارة عن اخذ فقط دون عطاء.
5- السرقة لتحقيق الذات:
قد يلجأ الطفل إلى السرقة لإشباع ميل أو رغبة يرى فيها نفسه سعيداً أو ظهرت بصورة أفضل، كالذي يسرق نقودا للذهاب إلى السينما ليحكي عن الأفلام مثل غيره من الأطفال، أو ليركب دراجة مثل أصحابه وربما كان فشله الدراسي وراء محاولة تعويضه بالظهور مادياً على غيره من الأطفال.
6- السرقة نتيجة الحرمان:
قد يلجأ الطفل إلى السرقة تعويضاً للحرمان الذي يقاسيه، فقد يلجأ إلى سرقة ما هو محروم منه أو ما يساعده على الحصول على ما حرم منه.
الأسباب
1- عوامل أسرية:
أساليب القسوة في المعاملة من الوالدين والعقاب المتطرف والتدليل الزائد تسهم في لجوء الطفل إلى السرقة إذا رافق ذلك عدم تعويد الطفل على التفرقة بين ممتلكاته وخصوصيات الأطفال الآخرين، أو لم تحترم ملكيته والقدرة غير الحسنة لها دور فعال في ممارسة الطفل لهذا السلوك.
إن السرقات التي يقوم بها الطفل في البيت غالبا ما يغض الطرف عنها وعادة ما يعتبرها احد الوالدين أو كلاهما هنات لا مبرر لها لتضخيمها وقد تقوم الأم بإخفاء الأمر ولكن ذلك في الحقيقة نذير بتفاقم الأمر مستقبلاً.
2- الجماعة المراجعية وعشرة السوء:
وجود الطفل وسط جماعة تمارس السرقة أو أحد سلوكياتها تجعله ينقاد لأوامرها حتى يحصل أو يحافظ على مكانته فيها.
والطفل الذي يرافق احد أفراد أسرته أثناء الشراء ثم يراه يخفي بعض الأشياء ولا يدفع ثمنها فسوف يقلده، وبخاصة إذا لمس نجاح المهمة وربما اعتبره إنجازا عظيما عندما يسمع السارق الكبير تفاخر أمام الآخرين، أو يسمع أن ذلك الكبير سرق حاجات صديقه مكيدة فيه أو انتقاما منه، وعموما الطفل الذي ينشأ في بيئة إجرامية تعتدي على ملكية الغير لا ينتظر منه غالبا إلا أن يسرق ويسير في درب الإجرام.
3- الشعور بالنقص وتعويض مشاعر الدونية والتميز بالفضائل:
قد تكون رغبة الطفل في الحصول على المركز وسط الأقران الذين يقللون منه تدفعه إلى السرقة لشراء ما يستطيع أن يتفاخر به أمامهم، وليعطي أصحابه حتى يصبح محبوبا ومقبولا بينهم. وقد يسرق الطفل من اجل أن يقدم معونة إلى رجل عجوز أو من اجل التبرع في المدرسة لمعونة الشتاء أو من اجل أطعام جائع.
4- وسائل الإعلام المتطرفة:
إن تركيز بعض وسائل الإعلام على أحداث تنطوي على السرقات والأساليب التي تمارس كخدع وإظهار السارق بالبطل والمقدام يعطي نماذج للأطفال تؤثر على البناء القيمي لهم وعلى دور الأسرة، وهنا فان الوسيلة الإعلامية تكون فرصة لتعزيز السلوك ودعمه لدى الطفل بدلا من فرصتها في انطفاء أو كف هذا السلوك لديه.
5- هوس السرقة:
تظهر نوبات لدى الأطفال الأكبر سناً (الطفولة المتأخرة) وكذا المراحل التالية، حيث يشعر الشخص بالتوتر الشديد قبل ارتكاب فعل السرقة ويشعر بالهدوء عند اقترافها.
6- رد فعل عدواني تجاه الزملاء أو الآباء:
تنعكس بعض أنماط عدوانية الأطفال في صورة سرقة واستحواذ على ممتلكات الغير من الأطفال عقابا لهم، أو انتقاما من الوالدين ضد سلطتهم وتسلطهم.
7- دفاع ضد الخوف من الهلاك أو وسيلة للبحث عن العقاب:
فالإناث من الأطفال تخشى فقدانه ومن ثم تبدو لديهم مشاعر الخوف من الخصام وبعض الأطفال يتخذون السرقة وسيلة للحصول على العقاب.
الغيرة
الغيرة من امتلاك بعض الأطفال الآخرين لأشياء لا يستطيع الطفل الحصول عليها قد تدفع هذا الأخير إلى التفكير في اختلاسها أو سرقتها، وقد لا ينتفع بشيء مما سرقه فنجده يحطمه أو يتلفه أو يدمره.
أساليب التغلب على المشكلة
عند دراسة حالة طفل يتميز بالسرقة يجب تحديد نوع أو شكل السرقة التي يقبل عليها، وكذا العوامل الكامنة خلف ذلك السلوك، ويجب أن تذكر بأنه ليس هناك ما يدعو إلى انزعاج الوالدين من سرقة الطفل التافهة إذا هم واجهوا المشكلة بصراحة وعدم إسراف في إنكار أو نفي تهمة السرقة عن الطفل أو إذلاله بسببها مع الاهتمام بما يلي:
1- التربية الدينية وتعميق الوازع الديني.
2- عدم الإهمال للطفل حينما يكون في الأسرة عدد كاف من الأطفال وبخاصة عندما لا يخفي الأهل شعورهم هذا عن الطفل بل يظهرون عدم تقبلهم له ويعلنونه مما يحدث ردة فعل على سلوكه وتصرفاته.
3- عدم التطرف في الحماية الزائدة والإفراط في الحب والحنان وخاصة إذا كان للطفل أخوة آخرون.
4- العلاقة المثالية القائمة على أسس ديمقراطية وعلى مبدأ إعطاء المعلومات وليس التعليمات، فهذه العلاقة تعلم الأطفال الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية مما يبعدهم عن القيام بأعمال شنيعة لان كل طفل سوف يتحمل مسؤولية ما يفعل.
5- ردع الطفل عن فعل السرقة وعدم التهاون حتى ولو كان الأمر صغيرا لان الأمور الصغيرة تتطور إلى أمور خطيرة مع تقدم قدرة الطفل العقلية ووجود إشعار الطفل بلا إذلال بأنه قام بعمل شائن واقترف خطأ كبيرا وان من حوله غاضبون لفعلته هذه.
6- مساعدة الطفل على اختيار رفاقه بطريقة تبتعد تماما عن الضغط بل تعتمد على الإقناع.
7- تعويد الطفل على احترام ملكية الآخرين وتوفير بعض الأشياء التي تخصه هو شخصياً، وذلك لتنمية الإحساس بالملكية الخاصة واحترامها ومن ثم المحافظة على ممتلكات الآخرين وذلك باحترام الكبار لممتلكات الصغير وعدم الاعتداء عليها.
8- توجيه الأبناء إلى الأفلام التي يشاهدونها أو إلى المجلات التي يقرأونها.
9- التلويح الهادئ المتزن في موقف آخر وليس في موقف ارتكاب الطفل للسرقة بقبح هذا السلوك والظلم الذي وقع على الشخص المسروق وعلى ممتلكاته، وربما كان أحوج ما يكون إلى هذا الممتلكات، مع بيان ظلم السارق لنفسه أمام الله الذي حرم السرقة ويعاقب عليها
د. محمد قصادي الشهري