هناك علاقة وثيقة بين النوم والحالة النفسية للفرد، فاضطرابات النوم قد تؤدي إلى الاكتئاب كما أن الاضطرابات النفسية قد تؤدي إلى اضطرابات النوم، وفي هذه الحالة يصاحب اضطراب النوم أعراض نفسية أخرى يشكو منها المريض أو يلاحظها الأهل عليه، ومن أهم الأمراض النفسية المرتبطة بالنوم ارتباطاً وثيقاً:
الاكتئاب
وهو يصيب النساء بنسبة أكبر من الرجال (2:1) وله أسباب عدة منها ما هو وراثي ومنها ما هو ناشئ عن ضغوط الحياة وفي هذا المرض ينتاب المريض شعور بالحزن والرغبة في البكاء أو فقد الرغبة لمزاولة أي نشاط والميل للعزلة الاجتماعية، ويشكو المريض غالباً من ضيق في الصدر ويصحب ذلك وهن وخمول الجسم.
وغالبية المرضى (%80 منهم) يواجهون صعوبة في النوم تتمثل في الأرق وصعوبة الخلود للنوم والاستيقاظ كثيراً خلال الليل والأحلام المزعجة أو الاستيقاظ خلال ساعات الصباح الباكر مع العجز عن العودة مجدداً للنوم وينتج عن ذلك قلة ساعات النوم بالليل بما يزيد من توتر المزاج وحدته. وهناك فئة أخرى من المرضى على العكس من ذلك تكثر ساعات النوم بالليل عن الحدود الطبيعية ويزيد عندهم النعاس والخمول خلال النهار وفي كلتا الحالتين اضطراب النوم يؤثر تأثيراً سلبياً على المرض ويساهم في زيادته.
ومن الأعراض الأخرى للاكتئاب اضطراب في الشهية للأكل يصاحبه تغير في الوزن إما زيادة أو نقصان، شعور بالدونية وبالذنب ولوم النفس على الأخطاء القديمة، فقدان الرغبة الجنسية وفي الحالات الشديدة قد يتمنى المريض الموت أو يفكر في الانتحار، وقد يبلغ المرض حدته لدرجة يتوقف فيها المريض عن الكلام والأكل والحركة حتى القيام بشؤونه الخاصة وهذه الحالة يطلق عليها الذهول الاكتئابي.
وفي كل حالات الاكتئاب الخفيفة منها والشديدة يحتاج المريض لمراجعة الطبيب النفسي وتلقي العلاج اللازم، وطبيعة العلاج تعتمد على حدة المرض فعندما يكون شديدا قد يحتاج المريض إلى التنويم في الجناح النفسي لمراقبة تطورات الحالة عن قرب. وعموماً علاج الاكتئاب عبارة عن علاج دوائي وعلاج نفسي أما العلاج الدوائي فيتمثل في الأدوية المضادة للاكتئاب وهي لا تسبب إدمان المريض عليها وأعراضها الجانبية قليلة جداً تُعطى بوصفة عادية وهي تباع في الصيدليات.
والعلاج النفسي عبارة عن جلسات نفسية مع الاختصاصي النفسي الذي يحيلك إليه طبيبك وهي تهدف إلى مساعدة المريض في التعرف على أسباب اكتئابه وطريقة تفكيره وأنماط سلوكه السلبية المؤدية للاكتئاب واستبدالها بنظرة وطريقة تفكير إيجابية وبالتالي سلوك صحي متأقلم مع الواقع.
وبالنسبة لاضطراب النوم المصاحب للاكتئاب فإنه يتحسن تدريجياً بتحسن مزاج المريض.
الاضطراب الوجداني ثنائي القطب
وهو عبارة عن دورات متكررة من الاكتئاب والهوس يعود بعدها المريض إلى حالة الشفاء التام وممارسة حياته الطبيعية وفي المرحلة الهوسوية يشعر المريض بالحيوية والنشاط والزهو وتنتابه أفكار العظمة وتتزاحم مخيلته بالأفكار ويكثر في هذه المرحلة الكلام ويكون غير مترابط وغير منظم وتصرفاته تكون غير لائقة اجتماعياً أو قد تكون عدوانية أو استفزازية.
أما اضطراب النوم فيكون اولى علامات بداية النوبة حيث تتضاءل حاجة المريض للنوم وقد يمضي أياما بساعات قليلة جداً من النوم(3-1 ساعة يومياً) مما يزيد من اضطراب الحالة وسوئها.
وهذا المريض يحتاج لعلاجات دوائية مكثفة خلال النوبة للتحكم في حدتها وتتمثل في مضادات الذهان ومثبتات المزاج وقد يحتاج المريض للتنويم في المستشفى خلال نوبة الهوس، وبعد علاج النوبة وعودة المريض إلى حالته الطبيعية يحتاج الاستمرار على العلاج الذي يقرره له الطبيب لمنع تكرارها مستقبلاً، ومتابعة حالته بانتظام مع الطبيب النفسي.
الفصام (الشيزوفرينيا)
وهو من أشهر الأمراض النفسية وأول من أطلق عليه هذا الاسم هو العالم بلولير من كلمة إغريقية Schizein بمعنى يقسم، Phren بمعنى عقل أي أن معنى الكلمة انقسام العقل.
والفصام مرض مزمن يتميز باضطراب التفكير (كأن يعتقد المريض أن الناس ضده ويتآمرون عليه) ونشوء الضلالات والهلاوس وينتج عن ذلك اضطرابات سلوكية وانفعالية ويبدو المريض وكأنه يعيش في عالم خاص به ويتأثر النوم بشكل كبير في هذا المرض فنسبة كبيرة من المرضى يصابون بالأرق وصعوبة الخلود للنوم ونقص في ساعات النوم خلال الليل.
ولعلاج المرض يحتاج المريض لمراجعة الطبيب النفسي لتشخيص الحالة وبدء العلاج الدوائي ويتمثل في مضادات الذهان والأدوية تساعد كثيراً في تحسن الحالة ومنع تدهورها ويستطيع معها المريض أن يعتمد على نفسه في كثير من جوانب الحياة ودور الأهل في متابعة المريض وعلاجه ومؤازرته مهم جداً في استجابة المريض للعلاج.
اضطراب التكيف
وهو شعور بالحزن أو التوتر والقلق استجابة لحدث مؤلم كالطلاق أو موت أحد الأقرباء أو الفصل من العمل وهذه الاستجابة تتعدى الحدود الطبيعية الممكن توقعها عادة، وقد يصاحب اضطراب التكيف قلة في النوم وأرق واستيقاظ متكرر خلال الليل مع شعور بالكسل والخمول خلال النهار.
يحتاج المريض المصاب باضطراب التكيف لعلاج نفسي يكون تدعيميا في الغالب يهدف إلى التعرف على المشكلة ومحاولة حلها من خلال تحسين مهارات التواصل لدى المريض وتعزيز احترامه لذاته.
هذه نبذة مختصرة عن أهم الأمراض النفسية المصحوبة باضطرابات في النوم وطرق علاجها. وعند علاج الاضطراب النفسي فإن اضطراب النوم الناتج عنه يتحسن كثيرا وقد يختفي.
وعلى القارئ أن يدرك أنه ليس كل من يعاني من اضطراب في النوم لديه مشكلة نفسية فهناك أسباب عضوية وسلوكية لاضطرابات النوم. لذلك وفي حالة ثبت أن المريض لا يعاني من أي مرض نفسي مسبب لاضطرابات النوم فإننا لا ننصح بأخذ أي دواء نفسي كعلاج للنوم ويُحال المريض إلى طبيب متخصص باضطرابات النوم لتقييم حالته فقد يكون يشكو من مرض عضوي متسبب في اضطراب النوم لديه.
د. إيمان أباحسين
طبيبة نفسية
نصائح لنوم مريح
فيما يلي بعض النصائح لمن يواجهون مشاكل نقص النوم وذلك لتحسين نومهم (بعد استبعاد الأسباب العضوية):
* أخلد إلى السرير فقط عندما تشعر بالنعاس.
* استخدم السرير للنوم فقط.
* اقرأ ورد (دعاء) النوم كل ليلة.
إذا شعرت بعدم القدرة على النوم، فانهض واذهب إلى غرفة أخرى ولا تعود لغرفة النوم إلى أن تشعر بالنعاس، عندها فقط عد إلى السرير.
إذا لم تستطع النوم غادر غرفة النوم مرة أخرى. الهدف من هذه العملية هو الربط ما بين السرير والنوم، ويجب الإدراك أن محاولة إجبار النفس على النوم عند عدم الشعور بالنعاس ينتج عنه الانزعاج والتذمر أكثر من كونه ينفع النوم. فاختصار الوقت في السرير يحسن نومك، في حين أن الإفراط في الوقت في السرير ينتج عنه نوم متقطع.
أعد الخطوة أعلاه كلما دعت الحاجة طوال الليل. قد تضطر خلال الليلة الأولى إلى النهوض من خمس إلى عشر مرات أي أنك لن تنال قسطاً كافياً من النوم. ولكن زيادة الحرمان من النوم في الليالي الأولى يسهل الاستغراق في النوم فيما بعد. وباستخدام الطريقة السابقة والالتزام بها، عادة ما يعود النوم إلى طبيعته خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، وقد أوضحت الدراسات العلمية فعالية هذا الأسلوب في العلاج.
استخدم ساعة المنبه واستيقظ في نفس الوقت صباح كل يوم، بغض النظر عن عدد الساعات التي قد نمتها في الليل. حاول المحافظة على مواعيد نوم واستيقاظ منتظمة خلال أيام الأسبوع، وكذلك في عطلة نهاية الأسبوع.
يطالب العديد من المعالجين المرضى المصابين بالأرق بعدم أخذ أي غفوة خلال النهار، وهذا الموضوع يحتاج إلى شئ من التفصيل. ففي حين أن بعض الناس لا ينامون بشكل جيد أثناء الليل عندما يغفون خلال النهار، نجد أن آخرين ينامون بشكل أفضل خلال الليل. لذلك كن طبيب نفسك، وأفعل ما هو أفضل لك دون الأخذ بالاعتبار ما يقوله الآخرون،
فمثلاً جرّب أن تغفو لمدة أسبوع، وتجنب أي غفوة خلال الأسبوع الذي يليه وحدد بنفسك في أي وقت كان نومك أفضل. والغفوة خلال النهار يفضل أن تكون بين صلاة الظهر والعصر، ولا تتجاوز فترة النوم (30-45) دقيقة.
إذا كنت من الناس اللذين تراودهم الأفكار والهواجس عندما يخلدون إلى النوم ولا تستطيع إيقاف تلك الأفكار، أو أنك تبدأ بالتفكير بجدول عمل اليوم التالي، فقد يكون الحل لك هو (وقت إزالة القلق)، وذلك بتحديد وقت ثابت كل يوم (حوالي 30 دقيقة) وتصفية جميع الأمور المقلقة باستخدام ورقة وقلم. اتباع ذلك سوف يسمح لك بالذهاب إلى الفراش بفكر صافٍ ومستريح.
تجنب إجبار نفسك على النوم، فالنوم لا يأتي بالقوة. بدلاً عن ذلك ركز على عمل شئ هادئ يريح بالك كالقراءة أو مشاهدة التلفزيون أو آيات من القرآن وذلك لتشجيع الاسترخاء ومن ثم النوم.فالإنسان الذي يستمر في العمل حتى وقت نومه عادة ما يجد صعوبة في النوم لأن جسمه لم يأخذ حاجته من الاسترخاء الذي عادة ما يسبق النوم.
الدراسات العلمية أثبتت أن الرياضيين ينامون بشكل أفضل من الذين لا يمارسون الرياضة، فالتمارين العادية قد تشجع على النوم . ووقت ممارسة الرياضة ذو أهمية قصوى بالنسبة للنوم، فبداية الدخول في النوم يصاحبها انخفاض في درجة حرارة الجسم، بينما الرياضة تزيد من درجة الحرارة الجسم؛ لذلك يفضل أن يكون التمرين الرياضي قبل وقت النوم على الأقل بثلاث إلى أربع ساعات. ومما يشجع النوم أيضاً قضاء 20 دقيقة في حمام ساخن قبل النوم بساعات قليلة (ساعتان إلى ثلاث ساعات).
الطعام والشراب
يجب تجنب تناول الوجبات الغذائية الثقيلة قبل موعد النوم بحوالي 4-3 ساعات، حيث أنه من الثابت أن تناول الوجبات الثقيلة في أي وقت من النهار يؤثر سلباً على جودة النوم.
* يمكن لوجبة خفيفة قبل موعد النوم أن تشجع النوم.
* من نعم الإسلام أن حرم تناول المشروبات الكحولية. فتناول الكحول قد يؤدي إلى النوم مبدئياً؛ ولكنه من المثبت علمياً أنه ما إن يبدأ الجسم في التفاعل مع المادة الكحولية فإن ذلك يؤدي إلى التقطع في النوم والأرق الشديد، كما أن المواد الكحولية تزيد من فرص الاختناق (الانقطاع في التنفس) أثناء النوم.
* جميع أنواع المشروبات التي تحتوي على كافيين تؤثر سلباً على النوم، خاصة إذا تم تناولها في فترة المساء أو قبل موعد النوم.
* لنيكوتين هو أحد أنواع المنبهات، فتدخين السيجارة يؤدي إلى نوم متقطع.
ارشادات
يؤثر جو غرفة النوم على النوم بدرجة كبيرة، فدرجة الحرارة المرتفعة أو المنخفضة جداً تؤثر سلباً على نوعية النوم، لذلك يجب تعديل درجة حرارة الغرفة لتكون مناسبة.
ينتج عن الضوضاء العالية المتقطعة نومٌ خفيف متقطع لا يساعد الجسم على استعادة نشاطه ولا يمنحه الفرصة للحصول على مراحل النوم العميق. يمكن التخلص من هذه الضوضاء بما يسمى زالضوضاء البيضاءس وهي أن يكون في الخلفية صوت ثابت الشدة ومتواصل كصوت مروحة أو جهاز التكييف.
كما أن الضوء القوي في غرفة النوم من العوامل التي تؤثر على النوم. لذلك يفضل أن يكون ضوء غرفة النوم خافتاً.
تجنب النظر المتكرر إلى ساعة المنبه، لأن ذلك قد يزيد التوتر ومن ثم الأرق، وتجنب استخدام الساعات التي تضئ بالليل.
د. أحمد سالم باهمام
استشاري أمراض الصدر
اضطرابات النوم