بدأت قصتي مع مصطلح غريب سمعته في مكان عملي ولم أدرك معناه ربما بسبب ندرة تداوله بين أوساط العامة. ذلك المصطلح الذي جعل لدي حافزاً وتطلعاً للتوغل في أعماق بحوره والتعرف على ضحاياه ومآسيه منهم وقصص تحدياتهم معه والتغلب عليه... هو باختصار اضطراب التوحد.
تقدمت طلب من المسؤول عن تأهيل هؤلاء الأطفال المصابين بالتوحد، وذلك للسماح لي بتقديم المساعدة العملية قدر استطاعتي وليتسنى لي تحقيق رغبتي في اكتشاف العالم الباطن في شخصية كل طفل من هؤلاء الأطفال الأبرياء المصابين بالتوحد والذين يمتلكون عالماً خاصاً بهم، وقد كان الرد والحمد الله بالموافقة ومن هنا انطلقت تجربتي المثيرة مع هؤلاء الأطفال المصابين بالتوحد.
في أول الأمر، كنت متردداً عندما كنت أشاهد الأطفال من بُعد، ولكنني مع الإصرار في اكتشاف هذا العالم كسرت حاجز التردد وبادرت في الانضمام إليهم، فدخلت أحد الصفوف للمرة الأولى ولقيت ترحيباً من معلمي التربية الخاصة، فكانت سعادتي في استقبالهم وترحيبهم. وبدأ الحديث عن كيفية التعامل مع الأطفال المصابين بالتوحد وكيفية تقديم المساعدة لهم، وتناول كذلك لمحة سريعة عن حالة كل طفل من الأطفال الموجودين في ذلك الصف وعن كيفية التعامل معه، وكيفية تطوير قدرات التواصل لديه وبقية المهارات الاجتماعية.
في اليوم الأول بدأت بالتعامل مع أحد الأطفال بإشراف أحد المدرسين ومرت الأيام وأصبحت أشعر بالسعادة حين أقدم لهم المساعدة. وأصبح لدي قدرة في تحليل سلوك كل طفل منهم. حيث أن الأطفال المصابين بالتوحد ليسوا سواء بالسلوكيات ولا بدرجات تطور حالاتهم.
وعلى عكس ما كان في مخيلتي وما كان ينتابني من خوف لمجرد التفكير في التعامل معهم، أصبح لكل طفل منهم صورة منطبعة في ذهني تقودني لأن استدل على الطريقة المثلى للتعامل معه من نظراته البريئة التي لا يستطيع التعبير عنها غالباً بلسانه، ولأتعلم أيضاً السبل التي تمنحه أفضل وقت كاف يستفيد منه يوميّاً. فكنت أعامل كل طفل حسب حالته وسلوكياته.
منهم من كان لديه سلوكيات عدائية أو يكون كثير الحركة فكنت في البداية أجد صعوبة في السيطرة عليه، لكنني بعد ذلك، سألت وقرأت كثيراً حتى تعرفت على ما يحب من الأشياء وما لا يحبه، مستخدماً هذه الأشياء كمحفزات للسيطرة على تصرفاته ونشاطه المفرط. وهناك منهم من يحب الانعزال وعدم التعامل مع الآخرين وكان هناك منهم من يشعر بالخوف ومنهم كذلك من يكتفي بالنظرة الجانبية عندما أتواصل معه ومنهم من لاحظت أنه يعيد كلامي عندما أسأله عن شيء معين. جميعهم يختلفون بالسلوكيات، لكنهم يتفقون عند قاسم مشترك واحد هو التوحد.
ومما لفت انتباهي صفات ذلك المعلم أو الاختصاصي الذي يتعامل مع تلك الحالات فتجد الصبر والروية وأساليب التدريس المختلفة والمتنوعة التي تنعكس ايجابيّاً على هؤلاء الأطفال فتساعدهم في تجاوز العزلة وتمكنهم من مواجهة الصعوبات والقيام بمهامهم المعيشية بشكل مستقل.
من وجهة نظري البسيطة والتي تكونت بعد تعاملي مع هؤلاء الأطفال، أنه لا يجب على المجتمع المحيط بهم البقاء بعيداً عنهم متفرجاً دون أن يقوم بخطوة واحدة نحو عالمهم ويفتح لهم نوافذ التواصل مع العالم الحقيقي لتمكينهم من الخروج من عالمهم المعزول والتواصل مع أقرانهم وتبادل المشاعر مع آبائهم وأهاليهم وتمييز كل من حولهم والاندماج معهم بفعالية واستقلالية أكثر
مدحت علوان حمود
متدرب متطوع
مركز دبي للتوحد