تشير احصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 1997 - إلى ان أمراض جهاز القلب والدوران قد سببت حوالي %30 من حالات الوفيات المرضية جميعا في العالم - بما يصل إلى خمسة عشر مليون وفاة - وكذلك أظهرت أن تلك الامراض هي سبب رئيسي للوفيات في العالم المتطور، مسؤولة عن %50 من حالات الوفيات المرضية في ذلك العالم، وعن %16 من حالات الوفيات في البلدان النامية.
أظهرت الاحصائيات كذلك ان معظم وفيات امراض جهاز القلب والدوران - تلك - هي: أمراض القلب التاجية (7. 2 ملايين) والامراض الدماغية الوعائية (4. 6 ملايين) وامراض القلب الأخرى (3 ملايين) وحيث ان منظمة الصحة العالمية تجد ان الامراض الجرثومية - لا تزال تشكل سببا رئيسيا للوفيات في البلدان النامية -
فإن هذه الحال ستتغير بمرور الوقت - مع تبني هذه البلدان نموذج الحياة الغربية، ومع ما يصاحب ذلك من عوامل خطورة مثل التدخين، والغذاء عالي الدهون، السمنة وقلة النشاط الجسدي. ان السبب الرئيسي لأمراض جهاز القلب والدوران هو تصلب الشرايين، وعامل الخطورة الرئيسي في نشوء تصلب الشرايين هو الكولسترول الرديء (أو الكوليسترول ذو الدهون البروتينية قليلة الكثافة).
ان تخفيض نسبة الكوليسترول في الدم بنسبة %1 فقط - يؤدي الى انخفاض مقابل في احتمال الإصابة بأمراض العضلة القلبية الوعائية مقداره %1,7 وبذلك نستطيع ان نتصور كم هي نافعة ومفيدة صحيا على المدى البعيد: مبادرة أي فرد لتخفيض نسبة الكولسترول المرتفع في دمه بمقدار 20 أو %30 وهي نسبة أصبحت ممكنة الآن مع الغذاء ومع الأدوية الحديثة المخفضة للكولسترول.
وهذا يعني ان لها تأثيرا عقاقيرياً آخر على جدران الأوعية الدموية للقلب - وربما غير القلب أيضا - يتجاوز تأثيرها على مستوى الكولسترول في الدم وهذا بحد ذاته يرتدي أهمية قصوى في منع الاصابة بأمراض القلب الوعائية. ان هذه الأدوية تمتلك فعلا مضادا للتجلط ولتصلب الشرايين وهذه الأدوية تعرف بمجموعة (الستاتين)
ولذلك فإن النصيحة المباشرة التي نقدمها للمرضى هي الالتزام باستعمال هذه الأدوية - حسب الجرعة التي يصفها لهم أطباؤهم. فلقد لاحظت إحدى الدراسات المعروفة في هذا الشأن S.Study ان هذه الأدوية - بعد ثماني سنوات من استعمالها في تلك الدراسة قد خفضت نسبة الكولسترول الرديء في الدم بمقدار %35 - وصاحب ذلك هبوط في معدل وفيات امراض القلب والدوران بمقدار %30 وهبوط في معدل حدوث امراض القلب ذاتها بمقدار %34.
ولقد وضعت الجمعية الأوروبية لأمراض القلب والجمعية الأوروبية لتصلب الشرايين مع الجمعية الأوروبية لضغط الدم المرتفع - مجتمعة - جملة في التوصيات المفيدة - للمرضى.. والتي تهدف إلى المنع الأولي والثانوي لأمراض جهاز القلب والدوران الناشئة عن تصلب الشرايين أساساً - ويمكن اجمال هذه التوصيات فيما يلي:
أولا: الامتناع عن التدخين
فلقد لوحظ ان حوالي من مرضى احتشاء العضلة القلبية الحاد يستمرون على التدخين - بعد الاصابة بالاحتشاء وهؤلاء معرضون لخطر الموت الناشئ عن امراض جهاز الدوران بمعدل خمس مرات أكثر من أولئك الذين ينقطعون عن التدخين. اما مرضى الذبحة الصدرية فإن %34 منهم يستمرون على التدخين - بعد اصابتهم بالذبحة. ويكون معدل الوفيات من امراض جهاز القلب والدوران اعلى من غير المدخنين بعدة مرات كذلك. عليه يرتدي الامتناع عن التدخين كلية أهمية عظمى في منع حدوث المضاعفات والوفيات بعد الإصابة بأمراض القلب الوعائية.
ثانيا: السمنة
السمنة بحد ذاتها عامل خطورة هذا ليجب على المرضى ان يحاولوا السيطرة على أوزانهم والتخلص من الشحوم الزائدة في اجسامهم.
ثالثا: ارتفاع ضغط الدم
لقد أظهرت الدراسات المتواترة ان حوالي %30 فقط من المرضى المصابين بارتفاع ضغط الدم قد تمكنوا من السيطرة عليه ورغم ان معايير السيطرة مختلفة بين البلدان - فلقد أصبح من المتفق عليه عند كل المختصين - ان ضغط الدم يجب ان يبقى باستمرار اقل من 90 - 140 ملم زئبق - ولقد أصبح هذا حدا مقبولا عالميا.
رابعا: داء السكر
يعاني حوالي من مرضى القلب والأوعية الدموية من داء السكر ولذلك فإن السيطرة على داء السكر تتمثل بالسيطرة على مستوى الكلوكوز في الدم - يرتدي أهمية ملحّة في منع حدوث امراض القلب الوعائية.
خامسا: المسح العائلي
ان السيطرة على عوامل الخطورة تتجه في الأحوال الاعتيادية نحو العمل الوقائي الأولي المتمثلة في منع حدوث امراض القلب الوعائية - ثم العمل الوقائي الثانوي، المتمثلة في منع حدوث المضاعفات بعد حصول امراض القلب المذكورة ومن شأن كل مريض ان يقدم معلومات تفصيلية لطبيبه عن وضع عائلته الصحي - لأن الطبيب سينتقل في هذا المعنى من العمل الوقائي الثانوي تجاه المريض إلى العمل الوقائي الاولي تجاه عائلة ذلك المريض.
سادسا: مستوى الكولسترول في الدم
لقد أصبح واضحا ان الهدف هو تخفيض مستوى الكولسترول الرديء - وليس الكولسترول عامة فقط. وسيكون المستوى الملائم لمرضى القلب الوعائية التاجية هو اقل من 100 ملغم في 100 سم من الدم. وسيصبح ذلك ميسورا بالنسبة للمرضى والاصحاء - بتناول الأطعمة الغنية بالألياف كالخضار والفواكه والحبوب والبقول وتقليل الشحوم والمنتجات الحيوانية عموما وتقليل كمية المعجنات والسكريات في الطعام. وفي حال لم ينفع الغذاء لوحده يجب الركون إلى الأدوية التي تخفض مستوى الكولسترول في الدم.
سابعا: تغيير نمط الحياة
على الإنسان السليم والمريض ان يغير أساليب الحياة التقليدية لديه باتجاه يعدل او يقلل من آثار عوامل الخطورة التي تؤدي إلى حدوث امراض القلب والدوران الوعائية ومن قبيل ذلك الانتقال إلى الحياة النشطة والحركة الدؤوبة والرياضة، الانقطاع عن التدخين، تناول شحوم ومنتجات حيوانية أقل، السيطرة على داء السكر وتقليل كمية الملح في الطعام والالتزام التام باستعمال الأدوية الخاصة بارتفاع ضغط الدم وداء السكر والكولسترول وغيرها .
ثامنا: حساب درجة الخطورة
لقد أصبح من الميسور الآن حساب درجة خطورة اصابة كل مريض (وكل شخص سليم) حساب درجة خطورة اصابته بأمراض القلب الوعائية وذلك بمعرفة جنس المريض وعمره ومستوى الكولسترول في دمه وكذلك اصابته بالسكر من عدمها، فإذا قيل لمريض ما ان احتمال اصابته بأمراض القلب الوعائية هو %40 مثلا - فهذا يعني انه مرشح مع تسعة وثلاثين مريضا آخرين للإصابة - بأمراض القلب - من اصل كل مئة مريض يعانون من نفس عوامل الخطورة المذكورة وبنفس الدرجة وذلك خلال كل سنة،
ولقد سهل الحاسب الالكتروني اعداد الجداول الخاصة بحساب هذه النسبة وهذه النسب تتصاعد بتزايد العمر ومستوى السكر ومستوى الكولسترول وسيكون حساب هذه النسبة حافزا مهما للمرضى والأصحاء معا - فالتعرف على النسبة قبل العلاج وملاحظة تدنيها باستمرار مع استمرار العلاج والالتزام بتغيير نمط الحياة سيكون عامل بهجة وأمل للمريض الذي سيجد بنفسه ثمرة عمله ودأبه ماثلة امام عينيه. وهكذا نجد ان الأمل كبير جداً في تخفيض عدد حالات أمراض القلب الوعائية (وغير القلب) أيضا وذلك اعتماداً على التقيد بنصائح بسيطة وإجراء تغيرات بسيطة في نمط الحياة - وكذلك الأمر بالنسبة لمنع حدوث مضاعفات تلك الامراض - بعد حدوثها
د. جنان قاسم الخياط