ثنائية المكان والإنسان، وما تحمله من طاقات قادرة على التأثر والتأثير، عن حميمية وتعلق، من سطوة وحصار، كانت هم الإنسان منذ القدم. فالحاجة للأمن والقوة فتحت عقل الإنسان نحو الابتكار، والاهتمام بالمكان (المنزل، العمل) ليحقق المزيد من الحظ والسعادة والصحة في الحياة.
وما علم (الفينغ شوي) أي طاقة المكان إلا تمثيل ثنائية الإنسان والمكان، وهاتان الكلمتان تمثلان الهواء والماء، وثنائية السماء والأرض، والطريقة التي يكيف من خلالها الإنسان محيطه بما ينعكس عليه إيجاباً في صيرورته.
التناغم بين داخل الإنسان وخارجه
الـ (فينغ شوي) فن هندسة المكان والحياة، فن قديم عمره أكثر من ثلاثة آلاف سنة، ولد في شرق آسيا والصين على وجه الخصوص. يستند في مفهومه إلى عناصر ومكونات الكون الخمسة (التراب، الماء، الهواء، النار، المعدن)، والهدف منها تحقيق التجانس والتناغم في مكان العيش والعمل والتأقلم مع المحيط، وصحة العلاقات، وبلوغ النجاح.
وعند إجراء تعديل أو تصميم للمكان المحيط حولنا تتأثر الحياة بشكل إيجابي بما يتوافق مع مبادئ طاقة المكان التي تتغلغل في المكان وتؤثر في المحيط. والغرض من الـ (فينغ شوي) هو تحقيق التوازن بين طاقة الحياة في دواخلنا ككيان إنساني وطاقة المكان،
وقد نلمس هذه الطاقة بشكل عفوي إذا ما حركنا - مثلاً - السرير في غرفة نوم أو مقاعد الجلوس في صالة ما، حيث نلحظ - أحياناً - حصول اضطراب فيزيولوجي أو صحي وحالات من الخمول والكسل، وفقدان الطاقة مما يؤدي إلى إعادة الأشياء إلى وضعها الأول الذي يمنحنا راحة وشعوراً بالاسترخاء يؤكد ضرورة التناغم بين دواخل الإنسان ومحيطه الخارجي صغر أو كبر.
طاقة المكان
إن لجوء الإنسان لإبداع المكان المريح له ككيان فيزيائي وشعوري يتحقق من خلال وعيه لطاقة المكان التي تساعده على الصعيد الصحي الشخصي والعائلي والمهني. كما أن هذا العلم يقدم الوسائل الكفيلة بإيجاد المكان الملائم وفق الاستعدادات الشخصية للأفراد ونفسياتهم ومشاعرهم سواء تعلق الأمر بشقة أو بنهاء أو أي موقع يكون حاضناً طبيعياً لمستخدمه،
ولهذا فإن اختيار التصميم الداخلي والديكور والمفروشات والألوان وأسلوب توزيعها والإضاءة ونسبة الضوء والظلال، إنما يرتبط كل ذلك بما يمكن أن يحققه الـ (فينغ شوي) للإنسان.
يتساءل البعض عن جدوى هذا العلم الذي نشأ وتطور في بيئة غير بئيتنا وثقافة غير ثقافتنا، وفي هذا التساؤل بعض الصواب، إذ يستلزم استخدام أفكار طاقة المكان بعض التعديلات التي تتناسب وأفكارنا ومعتقداتنا وثقافتنا وخصوصية الإنسان حسب موقعه،
والجدير الإشارة إليه أن التطبيقات يمكن أن تتعدد إلا أن المنهج الأساس يبقى هو الأّم في وعي المكان وصلتنا به، فالمكان سواء في المنزل أو موقع العمل كما اللباس، فكل ثقافة تعرف تماماً ما يليق بها وما يلائمها وما يناسب ظروفاً كالطقس والعمر والمتغيرات الأخرى.
مدارس الـفينغ شوي
تتعدد مدارس طاقة المكان وتتنوع بحسب نظرتها للمكان، ومنها:
؟ المدرسة الرسمية:
التي تعتمد الشكلانية والتي تركز في أولوياتها على البصر حيث تولي الشكل الأهمية الأولى.
؟ المدرسة البوصلية:
ومن تسميتها يمكن أن نستدل على معناها، فهي تعتمد على إشارات الإبرة المغناطيسية التي ترسم إشارات إخبارية وهذه المدرسة بعيدة عن معطيات الحضارة المعاصرة والثقافة الحالية.
؟ المدرسة الحديثة (الهرمية):
وتأخذ هذه المدرسة بعين الاعتبار كل مكونات الشخصية الإنسانية بما تحتويه من قدرات بيولوجية وخصائص جينية ترتبط بالعائلة والموروث الثقافي والعقائدي. كما تهتم بالوجود الإنساني واختلاف ظروف معيشته.
في نظرة للهرم المعتمد في الـ (فينغ شوي) نرى أن الماء يشكل قاعدة هذا الهرم، وهو يمثل الرحم الذي نشأ به الجنين، ثم التراب، وهو البيت وما يمثله من أمن وحماية واستقرار، وما يحتويه من عناصر ومعادن ساهمت في ازدهار الإنسان، والنبات الذي يتغذى من الأرض والماء يليه الحيوان ثم في قمة هذا الهرم يأتي الإنسان حيث الكمال والتميز بالقدرات التي حباه بها الله دون سواه.
ورغم هذا الكمال، إلا أن الإنسان يبقى على صلة التفاعل مع الطبيعة بمكوناتها وتعددها، وإذا كان الإنسان يحتل الجزء العلوي الأصغر من هذا الهرم إلا أنه يمثل جزءاً من هذا الكل الكوني الذي يفرض عليه احترام هذا المكان باعتباره صلة بين الهرم وما يليه من نور مكون الأكوان.
؟ مبادئ الفينغ شوي
للـ (فينغ شوي) مبادئ فلسفية تعتبر ركيزة في توجيه طاقة المكان، كالداو، والين واليانغ، والتشي.
أما الـ (داو) فهو باختصار طريق الوحدة، فالكل متحد بالكل، وأي خلل في أي جزء يعرض غيره من الأجزاء للخلل. ومن هذا المفهوم نرى أن ثمة علاقة ووحدة بين الخارج والداخل (نباتات، لوحات، تحف، أثاث، معدات أخرى) وترتيب هذه الموجودات إنما يكون بما يحقق الانسجام والتناغم فيما بينها من جهة وفيما بينها وبين المكان من جهة أخرى، لأن وحدة العلاقة مع المحيط تحقق الهدوء والانسجام.
مفهوم (الين واليانغ) يعتمد على التوازن وانسجام الكون، وهما يمثلان نفس الحياة عبر ثنائيتهما المتجلية في أشكال العيش واختيارات المسكن والمأكل التي تأخذ باعتبارها الكثير من مفاهيم الأضداد كثنائية الأعلى والأسفل واليمين واليسار والأبيض والأسود..
إنها الثنائية التي تهدف إلى الوجود والارتباط وغلبة أي عنصر من هذين المفهومين يعرض حياة الإنسان للخلل، فإن تغلب عنصر الـ (ين) في شخصية الإنسان في المسكن والمأكل والملبس يغدو انعزالياً منغلقاً ميالاً للوحدة والتأمل. وإن غلب عنصر الـ (يانغ) أضحى المرء حيوياً نشيطاً اجتماعياً محباً للترفيه ورغد العيش. ولا بد من توازن هذين المفهومين في حياة الإنسان، فبقدر حاجته للآخر والتواصل تكون حاجته للهدوء والتأمل والوقفة مع الذات.
فالألوان المعتمة، والإضاءة الخافتة، والرطوبة، والهدوء، والتأمل، والزخرفة، والخطوط المنحنية، تمثل كلها طاقة الـ (ين). فيما تمثل الألوان الزاهية، والأضواء الساطعة والصوت المرتفع والروائح العطرية والخطوط المستقيمة طاقة الـ (يانغ)، وحين نكون على دراية بمثل هذه التفاصيل نستطيع الاستفادة منها وتوزيعها بما يخدم طاقة مستخدمها.
وغرف النوم تحتاج إلى الهدوء ما يعني تزويدها بطاقة الـ (ين) أما غرف الدراسة وغرف الأطفال فتحتاج لطاقة الـ (يانغ) نظراً للاحتياج إلى الحيوية والنشاط والتحفيز، وهو ما ينطبق على موقع العمل الذي يحتاج هو الآخر للحيوية والابتكار الذي يعني تزويدها بطاقة الـ (يانغ الفعالة) أكثر من الـ (ين)
ولهذا نحتاج لتزويدها بالمزيد من الإضاءة ووضوح توزيع الأشياء واعتماد المقاعد العالية والألوان
الزاهية وتقليل رطوبة الهواء واستخدام الأقمشة السميكة واختيار اللوحات والكتب والمعدات التي تصدر أصواتاً وسوى ذلك من الأمور.
أما مفهوم الـ (تشي) أو ما يدعى الطاقة الحيوية فهو ما يميز الكائن الحي عن سواه، والمكان الذي نعيش فيه يحتاج إلى هذه الطاقة، ونقصان هذا العنصر يدفع إلى الجمود، وبزيادته تعم الفوضى، ويسري الخلل.
إذ لا بد من تحرير الطاقة في المنزل أو موقع العمل وهو ما يعني بالضرورة رحابة المكان إذ نلحظ أن الطاقة تتلاشى حين امتلاء الطاولة بالكثير من الأشياء، وكذلك إذا كان الأثاث مرصوصاً على سبيل المثال.
أما الوسائل التي تحرر الطاقة وتنظم سريانها في المحيط فيمكن أن نذكر النوافذ والضوء والدوائر والخطوط المرنة والممرات الفسيحة والاعتدال في المناخ داخل المكان. أما ما يعيق جريان الطاقة في الموقع فهو كثير ويمكن أن نذكر منها الظلام والحرارة المرتفعة والأبواب المغلقة وتقطيع الجدران والازدحام والزوايا والمثلثات والعوارض.
ويمكن تعديل جريان لاطاقة بإضافة النباتات حول الزوايا والعوارض وتثبيت المرايا على الأبواب المغلقة وتوزيع اللوحات الفنية للتخفيف من سلبية الطاقة.
طاقة الـ (فينغ شوي)
«الفينغ شوي» من طاقات الكون الكبير وعناصره لا تختلف عن عناصر الكون الأشمل المتجلية في الماء والتراب والنار والمعدن والخشب، ومن تفاعل هذه العناصر تولد الطاقة حيث التراب نتاج لبقايا النار محتوياً في مكوناته المعدن، والماء مصدر حياة الشجرة والخشب التي تضحى وقوداً للنار في دورتها الطبيعية فيما الماء يروي التراب والشجرة ويطفئ النار.
لكل عنصر من عناصر الطاقة شكل ولون، فطاقة النار لونها أحمر وشكلها مثلث ديناميكي متغير حسب لهبها، ويعد القرميد مثلاً من طاقة النار وكذلك المفارش الحمراء ونلحظ أن طي فوط الطعام على شكل مثلث يساعد على إفراز العصارة الهضمية، ولا بد أن نذكر أن لكل عنصر جهة من الجهات الأربع، وطاقة النار جهتها الجنوب.
التراب
أما التراب المتدرج بألوانه من الأصفر إلى البني المحمر والبني الغامق فينسجم عبر تدرج ألوانه وذبذباته مع لون النار الأحمر ولون الماء الأزرق، وشكله مربع، فهو رحم الكون وأساس ووجود المكان والأنا الإنساني.
لذا فهو يحقق الشعور بالأمان والاستقرار، فالأرض هي المركز وبها تعمر الأمكنة، ومكان ولادة العالم النباتي، وطاقة التراب مرتبطة بالليل والقمر والمبدأ الأمومي ولها من الجهات المركز والجانب الأيسر من المنزل أو مكان العمل. وبتوفر الشروط يحقق الإنسان النجاح المادي.
المعدن
أما المعدن بلونه الأبيض والفضي والذهبي كالمرايا وقطع الفضة والفولاذ والنحاس فشكله دائري وهو متوفر في مختلف المنازل بكثرة كأدوات المطبخ والتلفاز والكمبيوتر والتحف المختلفة والنوافذ والأبواب وسواها، إنه يحقق الفطنة والفراسة والازدهار المادي، والوفرة، ويكون الإفراط فيه مؤدياً إلى الطمع والجشع فهو مرتبط بجهة الغرب.
الماء
الماء المتدرج من الأزرق حتى الأسود فشكله متغير وأمثل أشكاله الموجة وهو طاقة (ين) وإيقاعاته تتبع دورات القمر ويرمز للشتاء وجهته الشمال ويتمثل في المنازل بالزجاج لشفافيته والطاولات الزجاجية والأدوات الصحية في الحمامات والنوافير
وكذلك في الخطوط المتموجة في الأقمشة، يمنح السكينة والاطمئنان ويحقق التناغم وشعور الوحدة مع المحيط، وهو الذي يربط جميع الكائنات الحية، وقد ردد المصريون القدماء هذه العبارة «الماء هو التركيز الكلي» وذلك لارتباط حياتهم بالنيل وهو ما يفسر تقديمهم الأضاحي له.
الشجرة
فيما يكون لون طاقة الخشب (الشجرة) أخضر وهو ما يرمز للحياة والنماء، شكلها مستطيل، وأغصانها اليافعة تعلن بدء حياة جديدة، جهتها الشرق نظراً لما يرمزه الشرق بإعلان يوم جديد باستمرار. والشجرة تمثل الدأب والسعي نحو النمو الروحي بتوجهها نحو النور، وبهذا فإنها تزيح من أمامها كل العقبات.
إن الـ (فينغ شوي) يستوجب إدراك علاقة الإنسان الحقيقية بيولوجياً مع بيئته ومحيطه كونها مصدر أحاسيسه ومشاعره التي تؤثر تأثيراً كبيراً في شخصيته، لما للمكان من سطوة وحنين وانتماء بما يحتويه من الطاقات المتداخلة مع طاقات الإنسان المتفاعل بوعيه وأحاسيسه ومشاعره مع المحيط.
ومن حميمية المكان وروحيته يتكون العالم الرحب العابق بطاقة الحياة الإيجابية، إذ نتبادل وإياه السكينة والأمن والاستقرار ونملأ الكون بالسلام الذي نستشعره بفضل ردود أفعالنا الفيزيولوجية والنفسية، نتوافق فيها مع ظروف المحيط الثقافية والاجتماعية، نؤثر بها وتؤثر بنا
سعاد غانم
مدربة معتمدة في الريكي - البرمجة اللغوية العصبية