لقد هناك أدلة متزايدة تؤكد أن ألعاب الفيديو تمثل خطراً غير مسبوق على شخصية الأطفال وحياتهم النفسية المستقبلية، ولا شك أن أطباء الأطفال يتحملون مسؤولية تنبيه الأهل إلى هذه المشكلة الخطيرة التي يقع الأطفال فريستها ويدفعون من ذكائهم ومستقبلهم ضريبة لها.

حان الوقت لنطرح على أنفسنا السؤال الذي لا مفر منه، وهو «هل لألعاب الفيديو تأثيرات سلبية على صحة الأطفال الجسدية والنفسية، واستنزاف قدرات الطفل الإبداعية بتكبيلها ولجمها في ذلك الاطار «ألعاب الفيديو»؟ والواضح أن كل البيانات العلمية النزيهة حول هذه المسألة باتت تؤكد الدور السلبي الذي تلعبه تلك الألعاب، حيث تشتت ذهن الطفل وتدفن قدراته الإبداعية الخلاقة.

وكان مؤتمر «الأطفال المستهلكين» في كاليفورنيا قد اتهم أصحاب شركات التسويق والإعلانات بأنهم يعملون عن قصد على استبدال قيمهم بالقيم التي تعلمها الأطفال من أمهاتهم. وقال بيان للمشاركين في المؤتمر «نحن رعاة الأطفال والمسؤولين عن تربيتهم التربية الصحيحة.

نحن نمثل كل شرائح المجتمع وأطيافه، ونمثل كل الاتجاهات السياسية، عقدنا العزم على توحيد صفوفنا في مواجهتكم، أنتم الذين تسعون إلى إلحاق الضرر بأطفالنا، ولذلك عليكم التوقف عن هذا الفعل». وأضاف المجتمعون أيضاً «إننا نرفع أصواتنا عالياً للمساعدة على بث حياة جديدة:

إن على جميع البالغين أن يراقبوا أطفالهم بدءاً من أولياء الأمور وحتى المسؤولين الكبار، عليكم أن تنتبهوا إلى ما يوضع بين أيدي أطفالكم. كما وجهت منظمة مدنية تحذيراً لأولياء الأمور حول خطورة ألعاب الفيديو في تشويه أصابع الأطفال وخلق عاهات فيها.

الدكتور نادر نسطة اختصاصي الأعصاب من المستشفى الدولي الحديث في دبي ألقى الضوء على خطورة ألعاب الفيديو خلال حوار أجرته معه مجلة «الصحة أولا»:

؟ هل تؤثر ألعاب الفيديو على نفسية الطفل ووضعه العصبي مستقبلاً؟

- بالتأكيد فإن مثل هذا الموقف من قبل الوالدين هو سلبي ويمثل خطأ في التربية. وللأسف فإن الألعاب المتوفرة في السوق موجودة بصورة اعتباطية وليست نتيجة دراسة معينة بل عامل تسويقي لجعل الطفل يتشبث باللعبة حتى تصبح هاجساً يومياً لديه.

ويبدو أن الجانب الاستهلاكي موجود لدى الشركات التي تنتعش عندما ترى منتجاتها تغرق الأسواق دون الأخذ بالاعتبار آراء علماء النفس أو علماء الأمراض العصبية أو حتى علماء التربية. وهذا، في الواقع، خطأ كبير، كما لا تتوفر هناك منظمات مدنية تدرس مثل تلك المسائل وتوفر لأولياء الأمور مثل تلك النصائح.

وبداية فإن التأثير الخاطئ لتلك الألعاب هي دفع الطفل تدريجياً نحو تبني مواقف عدوانية وخلق رغبة لديه لخوض حروب فيها القتل والتدمير، وهي لبنة على طريق نموه وتعبئة ضميره العدواني. فمثل تلك الألعاب تستسهل القتل والتدمير وتجعل الطفل شريكاً في جرائم الحروب، وتجعل تلك الألعاب مفهوم القتل طالما أن الحياة تتحول في ألعاب الفيديو إلى عامل عنف الهدف منه القتل. صور القتل تترسخ في الذهن وكذلك العنف المفرط، وهي صور تستمر في ذهن الطفل وأحلامه كلما كبر سنه.

وما يزيد الطين بلة أن كل المجتمعات تعيش في عصر الحضارة الحديثة حالة مملوكة بالضجيج والأصوات المسموعة والأصوات غير المسموعة التي نسميها الذبذبات الصوتية التي لا تلتقطها آذاننا على الرغم من وجودها في الجو. وبمعنى آخر فإن البشرية تعيش أسوأ تلوث بيئي عرفته منذ وجودها على الأرض.

إن ما نعرفه من خلال دراستنا واطلاعنا أن هناك عدداً غير قليل من الأقمار الصناعية والفضائيات والرادارات تصدر عنها إشارات وذبذبات لا تسمعها أذننا، وهي كلها تسهم في تلوث البيئة فتؤثر على الإنسان بصورة عامة. ويبدو أن كل ذلك لا يكفي حتى نقوم بإضافة جرعات أخرى عن طريق ألعاب الفيديو التي يقع الأطفال ضحيتها.

مزاج عصبي

لا أعتقد في كل الأحوال أن تلك الألعاب ذكية بل هي في الواقع غبية لأنها لا توفر للطفل مدخلاً جديداً للذكاء وتنشيط الدماغ. وكان من الأفضل للوالدين أن يقوما بتوجيه الطفل نحو تنمية قدراته الإبداعية عن طريق تلك الألعاب.

وتكشف الصورة الحقيقية لاستخدام أجهزة الفيديو مشهداً مؤسفاً لطفل أعيته الانفعالات حتى يكاد يبدو أنه قد فقد عقله حتى أنك إذا أردت سحب الجهاز من بين يديه يبدأ بالبكاء وكأن حالة صرع قد اعترته وفي الأحوال العادية يصرخ كرد فعل على انتصاره في اللعبة،

وكأنما يحاور عالماً آخر غير مرئي، ومثل هذه الألعاب في كل الأحوال لا تنمي ذكاءه بل تجعله طفلاً أجوف وفي الغالب عصبي المزاج، وأن تلك الألعاب لن تعلمه ولن ولا تنمي فيه سوى العزلة وتخلق شرخاً بينه وبين أهله.

ذلك هو ما ورثناه عن المجتمع الحضاري الجديد والتقنية التي خصصت للترفيه عن الطفل، وهنا ينقطع التواصل بين الطرفين. ومن كل ذلك أميل إلى الاعتقاد بأن الطفل بعد مرور فترة على استخدام تلك الألعاب يفضل الانزواء وهو ما سيؤدي مستقبلاً إلى تنامي أمراض نفسية تسهم في تشويه نفسية الطفل البريئة وقدراته الإبداعية،

وبهذه الصورة يكون الأهل والمجتمع مسؤولين مسؤولية كاملة عن ذاك التشوه. فالأهل الذين يعتقدون أن تلك الأجهزة إنما ترفه عن الطفل إنما يسهمون ببناء شخصية طفل مضطرب ومتوتر. وقد لاحظت من واقع عملي كطبيب أمراض عصبية أن هناك زيادة ملحوظة في عدد الأطفال الذين يعانون من الاضطرابات الشخصية.

وهكذا يسهم الأهل في بناء جيل مضطرب نفسياً لأن أي ضجيج مبالغ فيه وأي صخب يؤثر على دماغ الطفل الذي خلقه الله تعالى وركبه كي ينشد الهدوء حتى يستطيع أن يعمل بكفاءة عالية. فالضجيج والصخب يخلق عند الطفل توتراً وقلقاً فضلاً عن أن تفكيره يصبح مشتتاً سواء في البيت أو المدرسة. والحقيقة أننا عندما نملأ دماغ الطفل بالضجيج فإنه يفقد القدرة على التركيز.

فالدماغ كما قلنا بحاجة إلى ذاك المناخ من السكون والهدوء حتى يستطيع أن يفكر بصورة مثمرة. إن زيادة الضجيج في العالم أيضاً أدت إلى حدوث توتر دماغي ناجم في العادة عن النواقل العصبية التي تصاب باضطراب هي نفسها.

؟ هل يؤدي هذا الوضع إلى نشوء أمراض دماغية؟

- لا ينجم عن تلك المناخات أمراض دماغية عضوية. ولكن هناك من يقول إن الضجيج يسهم في التسبب في أنواع معينة من السرطانات الدماغية. ولكن المؤكد أن الضجيج يؤدي سواء عند الكبار أو الصغار إلى إرهاق الدماغ ويصبح الطفل، بصورة خاصة، غير قادر على الاستيعاب أو الإنتاج أو قادر على العطاء.

ضجيج التلفاز والأجهزة الموسيقية

أكبر خطأ يقترفه الوالدان هو رفع صوت جهاز التلفاز أو الأجهزة الموسيقية الأخرى في الفترة التي يحاول فيها الطفل الخلود إلى النوم. ومثل هذا التصرف خاطئ، لأن مثل هذا الضجيج سيحرم الطفل من لذة النوم والاستعداد ليوم دراسي جديد قد لا يقدر خلاله التركيز على دروسه.

؟ هل للمؤثرات التقنية العصرية الجديدة مثل ( الكمبيوتر، الهاتف المحمول، وأجهزة الموسيقى) أثر خطير على صحة الطفل؟

- كل الفوضى والضجة تسبب إرهاق الدماغ الذي يجعل الطفل غير قادر على استخدامه بالصورة السليمة والطبيعية. والمعروف أن الإنسان عندما يكون في حالة هدوء يقول إنه قادر على التفكير وعندما يكون مرهقاً من أثر الضجيج يتوقف عن التفكير بصورة سليمة فيقول إن الضجيج يسبب له صراعاً وعدم القدرة على التركيز.

ولدى الكثير من الباحثين قناعة كاملة بأن الحضارة الحديثة بكل ما جلبته من انكباب على الحياة المادية والتأثر بضجيجها سلبت الإنسان الكثير من القدرات التي قيل إنها كانت خارقة مثل التخاطر وقدرات أخرى شارفت في كل الأحوال على الاختفاء.

لقد عمل الإنسان على استرجاع بعض تلك القدرات عن طريق فرض حالة من الهدوء والسكون حتى يستطيع التأمل والتفكير بالصورة الصحيحة مثل القيام برياضة التأمل واليوجا اللتين تحتاجان إلى الاسترخاء الكامل وترك الدماغ يعمل بأقصى طاقته دون وجود أية مؤثرات خارجية.

وهكذا فإن الاسترخاء والبعد عن الضوضاء والضجيج وممارسة رياضة اليوجا تساعد على الصفاء الذهني أو التفكير العقلي السليم. ونلاحظ أن كبار الكتاب والموسيقيين والشعراء والرسامين يبحثون دائماً عن السكون حتى يمكنهم التفكير بأعمالهم الإبداعية. وحتى رجال الأعمال الذين يرغبون في إبرام صفقات تجارية يلجأون إلى أماكن هادئة ومريحة حتى يمكن فيها النقاش والتوصل إلى اتفاقيات.

والواقع فإن هذا الهدوء يمثل منطقاً سليماً، فالإرهاق يجعل الدماغ في مستوى متدن سواء في استقبال الأفكار أو الإبداع وهو ما يتناقض مع الطبيعة الحقيقية التي أعد الله تعالى فيها دماغ الإنسان.

كما أن الغذاء المناسب والجو الهادئ والنظيف يجعلان الإنسان قادراً على التفكير السليم. لكن كل هذا الضجيج والتحرك في بيئة ملوثة بشتى أنواع الضجيج يرهق أدمغتنا ويؤثر على عطائنا فما بالك الأطفال! كما أن القصور في تناول الطفل الغذاء المناسب يعمل على خفض إنتاجه وعطائه.

وبرأيي لو نظمت دراسة بشكل دقيق عن الأطفال الذين تمت تربيتهم بصورة صحيحة وفي بيئة بعيدة عن الضوضاء والانفعالات المصاحبة لأجهزة ألعاب الفيديو، فإن النتيجة ستكون بلا شك نشوء الطفل القادر على التفكير الصحيح والبعيد عن التوتر فضلاً عن تمتعه بالصفاء الذهني.

ولذلك لو أدرك الوالدان حجم الضرر الذي تسببه تلك الألعاب «الغبية» لما فكر قط في ابتياع أي نوع من تلك الألعاب أو الأجهزة الموسيقية التي تبث الأصوات الصاخبة وتسلب الطفل إحساسه بالمكان.

والواقع أن تأثر الإنسان بالتيارات الحضارية الراهنة يفرض عليه مجاراة الآخرين لإرضاء رغبة قوية عند الطفل باقتناء جهاز ألعاب الفيديو، ولكن إن حدث ذلك فينبغي ألا نسمح للطفل بأن ينصرف كلية لمثل تلك الألعاب فيصبح دماغه مشوشاً وغير قادر على الدراسة.

البدانة والإهمال الدراسي

من السلبيات الكبيرة لهذه الألعاب هي انصراف الطفل الكامل للعب وإضاعة الوقت والبدانة، لأن اللعب يصاحبه تناول كميات كبيرة من الطعام دون وعي ويسبب عدم الحركة تراكم الدهون على جسمه مما يشكل ضغوطاً على رئتيه، فضلاً عن قتل قدراته الإبداعية. وعلى ذلك يكون الوالدان قد عملا على إضعاف قدرات طفلهما الذكائية، وهي مشكلة باتت تنسحب على الكثير من الأطفال.

كما أن التحديق الطويل والمركز على الشاشة يسلب الطفل الكثير من قوة الإبصار ويدفعه للدخول في مشكلات أمراض العين. كما قد يصاب الطفل بارتفاع مبكر لضغط الدم بسبب التوتر الدائم أثناء اللعب. ولذلك ينبغي على الوالدين تحديد الفترة التي يلعب فيها الطفل وعدم إطلاق الحرية له في استخدام اللعبة.

الواقع أن هناك أنشطة كثيرة مفيدة جداً غير تلك الألعاب الالكترونية، فهي ألعاب تنشط المواهب والذكاء مثل الرسم والرياضة والموسيقى، كما يمكن أن يطلع الطفل على مختلف مناحي الحياة والبيئة ويتعلم منها الكثير أفضل من أن يصبح رهينة لعبة لا تبني مستقبلاً.

؟ ما هو تأثير ألعاب الفيديو الخطير في تهميش شخصية الطفل بعد بلوغه سن المراهقة؟

- ما يكاد الطفل يشب عن الطوق ويلج مرحلة المراهقة حتى تتلقفه صالات ألعاب الفيديو وتكمل ما أسهم في ترسيخه الوالدان، فهنا يلتقي الشبان وسط الصخب والضجيج ووسط سحب دخان لفافات التبغ التي يطلقها الشبان المدخنون، وتصبح هذه الصالات ومن فيها مدرسة جديدة يتلقى فيها المراهق ما لم يتعلمه من سلبيات في سن الطفولة.

ويصبح الشاب المراهق أسيراً مرة ثانية لألعاب الفيديو المتطورة أكثر. وهنا يحتاج إلى النقود لتشغيل الأجهزة كما قد يعتاد التدخين فضلاً عن مساوئ أخرى قد يجهلها الوالدان في معظم الأحيان. ويكون الوالدان بذلك قد ارتكبا خطأً كبيراً في توجيه وتربية الطفل. والحقيقة فإن المراهق لن يعود قادراً على الإصغاء لنصائح أحد باستثناء نصائح أولئك الذين يلعب معهم.

وعلى هذه الصورة نكون قد فصلنا شريحة من الشباب عن مجتمعها وبددنا قدرات مهمة من إبداعها وذكائها. والواقع ينبغي اخضاع تلك الأماكن للمراقبة وينبغي أن توضع دراسة لها. دراسة يشارك فيها أطباء الأعصاب وعلماء النفس وعلماء الاجتماع والصحة.

بالتأكيد، بعد هذه الدراسة، سنكتشف أموراً مثيرة للقلق. فهؤلاء الشباب انفصلوا تماماً عن محيطهم الاجتماعي ولم تعد الدراسة ولا الاهتمام بالمستقبل من الأمور التي تعنيهم في الحياة.

ولذلك ننصح الوالدين قبل شراء أية لعبة من تلك الألعاب أن يقدرا أبعادها النفسية والاجتماعية لناحية العزلة التي تنغرس في نفس الطفل

محمد نبيل سبرطلي