تتكرر كل صباح المشاهد ذاتها، بكاء الأطفال تعبيراً عن رفضهم الاستيقاظ في ساعة مبكرة قبل شروق الشمس، يثير التوتر. وشيئاً فشيئاً تتفاقم المشكلة، فقد يخرج الموظف من بيته، ليجد أن أحداً ما قد استباح لنفسه إغلاق منافذ خروج سيارته من موقفها النظامي، وقد يثير تأخر المصعد لبعض الوقت التوتر أيضاً، لأن الجار استباح لنفسه الاحتفاظ بباب المصعد مفتوحاً ريثما يكمل أفراد العائلة استعدادهم للخروج من المنزل.

وإذا ما تجاوزنا مثل هذه الأمور البسيطة لدى البعض، والمثيرة للتوتر والانفعال لدى البعض الآخر، فإن ازدحام الطرق الخارجية منها والداخلية، وتصرفات الكثير من السائقين، واستهتارهم بقواعد السير والأمان، يفاقم التوتر، الذي لا يعرف حدوداً لدى الكثير من الأشخاص.

حياتنا مليئة بمواقف مثيرة للتوتر والانفعال والغضب. تنافس في السوق وازدحام في الشوارع وتوتر ومتاعب وهموم متزايدة في البيت.

وبسبب مثل هذه المواقف، ربما يفقد الواحد منا علاقاته الجيدة، مع الجيران، أو مع الزملاء وحتى مع الأصدقاء، بسبب ردود الأفعال تجاه تصرفاتهم، أو مواقفهم، أو بسبب سوء الفهم، واتخاذ المواقف السريعة والانفعالية. وغالباً ما يكون الغضب هو رد الفعل حتى وإن كان الفعل صغيراً أو تافهاً، لكنها مشاهد الحياة وازدياد حدة التوتر والانفعال، التي تبدأ في البيت أو الشارع أو العمل وربما تنتهي في إحدى تلك المحطات من حياتنا اليومية.

انه الغضب الذي غالباً ما يكون عنواناً لمثل هذه المواقف التي يمكن التعامل معها بشكل إيجابي، دون تفريط بمن نحترم أو نحب من الأشخاص الذين تربطنا معهم علاقات جيدة. والغضب كما تشير إليه الدراسات النفسية هو شعور طبيعي، والمشكلة لا تكمن في الغضب بحد ذاته، وإنما في طريقة تعاملنا معه.

من الطبيعي أن يغضب الشخص بسبب عدم احترام الآخرين لقواعد السير، أو الازدحام الخانق، ولكن هناك من يثور لأتفه الأسباب، حينها يفقد هذا الشخص سلامه الداخلي، ويفكر باتجاه واحد وضيّق. وهناك من يعتقد ويسعى لأن يكبت غضبه، فيصاب بأمراض جسدية ونفسية، قد لا تظهر آثارها مباشرة، ولكنها تصيبه مع مرور الوقت بأمراض القلب والأوعية الدموية، والاكتئاب.

لهذا ينصح خبراء الصحة النفسية بالتعبير عن الغضب بشكل سليم، وذلك عن طريق التدرب على اكتساب مهارة إدارته والتحكم به، من خلال الاقتناع بأن هناك الكثير من الأشياء غير الخاضعة للسيطرة الذاتية مثل ازدحام الطرق مثلاً، ويساعد الاسترخاء وتمارين التأمل، والتحلي بروح التسامح، والاعتذار، والعفو على ضبط آلية الغضب دون الإضرر بالآخرين، أو دون إلحاق الأذى بالشخص ذاته.

فالغضب يجعل الشخص مكروهاً مهما كانت مراتبه عالية. الغضب نار تحرق الأخضر قبل اليابس، لهذا يبقى الحلم سيد الأخلاق، فهل نتحلى بالحلم ونتخلى عن الغضب من أجل تحقيق التوازن الجسدي والنفسي المطلوب، والمحافظة علي العلاقات الجميلة، من خلال إتقان فن الإدارة الذي يمكنه أن يحول الشجار إلى حوار.

همسة: «الغضب يعني الفشل»

د. بسام درويش