أي خلل قد ينطلق من القلب «المضخة الصامتة»، شعر به الشخص المصاب كإحساس ذاتي غريب،يستجيب له بطريقة شخصية خاصة ملؤها الخوف والارتباك العنيف، وسواء أكان هذا الخلل على شكل تسارع أو تباطؤ شديد في معدلات دقات القلب،أو حتى في أدنى صوره، وهو الشعور أحياناً ببعض ضربات القلب البريئة الانقباضية ،

مثل هذا الإحساس يكون مؤلماً في بادئ الأمر، ثم يتطور مع الزمن ليصبح بالضرورة مقلقاً ومزعجاً، ولتوضيح هذا الموقف، قد يتخيل المرء أن هذا المحرك الإنساني قد بدأ يفقد الدقة في برمجة تكوينه المبدع، وهو في بدايته لخلل كامل أو شبه كامل ربما يكون أكثر حدة، وبالتالي قد يتوقف عن العمل ويكون الموت نهاية حتمية لذلك وهكذا يبدأ الصراع الذاتي.

ومن المهم أن أشير أيضاً إلى أن الاضطرابات القلبية المحسوسة التي قد لا يكون سببها الأساسي القلب، ولكن هناك أسباباً مرضية أخرى تساعد على ذلك، كخلل في وظيفة الغدة الدرقية، أو نقص بعض الأملاح المعدنية في الجسم،أو التدخين والإسراف في استهلاك المنبهات أو ارتفاع درجة الحرارة في الجسم والمخ ويجب على المريض معرفتها ومناقشتها من خلال مساعدة طبية، لأن توضيح حقيقة هذا الأمر يهدئ من روعه.

إن القلب عضو وحيد عظيم الشأن ولا يمكن استبداله، حتى إننا لا يمكننا أن نعتبر أن زراعة القلب على الرغم من النتائج المبهرة التي تحققت في ذلك المجال في السنوات الأخيرة يمكن أن يكون الترياق المنتظر.

كثيراً ما يرمز للقلب بأنه مصدر للحب الدائم من الناحية العاطفية، كذلك يتصف القلب بالشجاعة أيضاً،والقلب الشجاع هو الذي يواجه مصاعب الحياة بكل شجاعة ورباطة جأش وحكمة.

إن الخوف من الموت المفاجئ تحت تأثير وطأة الضغط النفسي المليء بالقلق من تأثير الاضطرابات القلبية، وهذا المحيط المشحون بالخوف على القلب من التوقف قد يضعف الرغبة الجنسية بصورة مباشرة أو غير مباشرة،

كما صرح لي بعض المرضى الشبان، بالإضافة إلى أن حياتهم أضحت من خلال استمرار وجود أعراض أمراض القلب لديهم أحياناً، مثل الألم الصدري أو ضيق التنفس،أثناء أداء بعض واجباتهم اليومية المعتادة، ويطرح المريض المصاب سؤاله الحائر والمتصالب على نفسه،هل هو حقاً مريض بالقلب أم لا؟.. وإن كان فعلاً مريضاً به فما هي سبل النجاة للاطمئنان على قلبه وسلامة حياته.

الموقف العام للمرضى

على الرغم من أمراض القلب المختلفة، فمريض القلب من الناحية النفسية لا يستطيع أن يقف بعيداً غير مبال نحو مرضه، أو حتى أنه لا يستطيع أن يهمل على الأقل مجرد التفكير به، فهو يعلم أهمية العلاج المعطى له، وإن أي إهمال لذلك قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة عاجلاً أم آجلاً،بل عليه أن يعرف أن أي إهمال للعلاج قد يؤدي به إلى الموت،

ومن ناحية أخرى يعرف المريض أنه يجب عليه الاستمرار بالحياة بصورة طبيعية، وفق ما يقرره له طبيبه من خلال النقاش الودي والتفهم التام للمرضى، والعمل على الأخذ بما يقدمه له من نصائح وتوصيات، وبهذا يستطيع الطبيب المعالج أن يهدئ حال مريضه ويرسم له مستقبل حياته وأفضل طريق مناسب لعلاجه ونشاطه اليومي.

مواجهة مشاكل صمامات القلب

غالباً ما تكون هذه الأمراض مقبولة التحمل بصورة جيدة من جانب المرضى، خلال سنوات طويلة من حياتهم، وهذا يعني أنها تسمح لهم بحياة طبيعية من الناحية الاجتماعية والعملية، وفي كثير من الحالات لا ننصح المريض بممارسة الرياضة العنيفة مع الفرق الرياضية الأخرى، لأن ذلك قد يسبب له بعض الاضطرابات الوظيفية ولاسيما ضيق التنفس،وقد يبتعد المريض عنها بصورة تلقائية.

وحينما يتطور المرض، وتظهر الاضطرابات الوظيفية للقلب بصورة عنيفة مثل ظهور الوذمة الرئوية الحادة، كذلك في ظهور بعض اضطرابات النَظْم القلبية، وفي هذا الوضع سيحاط المريض بجو مليء بالقلق ويبعده عن الراحة النفسية، وخاصة إذا أصيب المريض لاحقاً بخلل بصمامه المعدني، الزائر الجديد في قلبه بعد التدخل الجراحي والذي أصبح الآن عاجزاً عن أداء مهمته.

إن إخضاع المريض للأدوية ووضعه تحت وطأة الطعام الخالي من الأملاح، قد يصعب الاستمرار بهذا الوضع لفترات طويلة، وخاصة عند المرضى صغار السن والشباب، ولاسيما عند إعطائهم مميعات الدم (الضرورية لصمامهم المعدني)، وإجبارهم على المراقبة الدورية لفحص الدم بصورة منتظمة، كل هذا يدفعهم مع الزمن إلى التوتر العصبي والقلق في حياتهم بصورة متزايدة يوماً بعد يوم،

وفي كثير من الأحيان يعاني مريض القلب من صراعات نفسية بعد شهور من علاج ضعف عضلة قلبه وعودته للحياة الطبيعية، ورغبته في استمرار الحياة بدون دواء أو أية ملاحظة طبية أو حتى أي نظام علاجي طبي خاص.

جراحة صمامات القلب

لقد أعطت الجراحة الحديثة الأمل من جديد لمرضى صمامات القلب، سواء من خلال تغيير الصمام المصاب نفسه، بآخر معدني أو بيولوجي أو من خلال توسيع الصمام المتضيق عن طريق القثطرة والبالون، أو حتى بصورة أكثر حداثة عن طريق ترميم الصمام نفسه أو عن طريق زراعة صمام بشري آخر.

وفي فترة إعداد المريض للعملية، وخلال الفحوصات الطبية الضرورية من قثطرة وتصوير صدى القلب وفحوصات دم متكررة أو مناقشة المريض عن كيفية سبل تغيير الصمام أو توسيعه وإعطائه أحياناً حق الاختيار والمفاضلة،

كل هذا يُدخل المريض في دوامة نفسية مغلقة ملؤها الخوف والقلق، ويعيش المريض ساعات طويلة، حرجة وقاسية،وخاصة بعد أن يصحو من التخدير ويشعر ويعاني من الألم من آثار التدخل الجراحي، ومع ذلك ينسى المريض ألمه ويزداد أمله في الحياة من جديد، بعد ان اختار لقلبه صماماً معدنياً ليحل محل صمامه المريض، والذي بدأ يعمل كبندول ساعة لا يعرف الكلل أو الملل وبدون أي توقف.

وقد يكون صمامه هذا مسموع الحركة وخاصة وقت النوم، وهنا يدخل المريض في صراع نفسي من جديد ويسأل نفسه، ربما كان الوضع أفضل لو أن الصمام كان بيولوجياً (بدون صوت) ولكن عمله لا يزيد على عشر سنوات من الصمام المعدني الذي قد يستمر عمله إلى ثلاثين سنة... وهكذا تستمر المحاكاة النفسية أحياناً،

إلى أن يؤمن المريض بواقع الأمر ويتعود عليه وتبقى عملية ترميم صمامات القلب في الوقت الحاضر الأمل المنتظر لحياة أفضل لهذا النوع من الأمراض، ومهما خفف العلاج الطبي بفضل التدخل الجراحي، لا يعني هذا عودة القلب لحالته الطبيعية السليمة، ولكن يعني أننا استطعنا أن نوقف من عملية تطور المرض،

وستظل علاقة المريض مع طبيبه أبدية.. وطبيب القلب سيكون بكل تأكيد الصديق الوفي والأقرب للمريض، ويجب أن يمده دوماً بالنصائح والإرشادات عن طرق ووقاية وحماية هذا الصمام من خلال بعض الفحوصات الطبية أو المخبرية بصورة دورية ومنتظمة حرصاً على سلامته.

المشاكل النفسية

إن الخوف من الإصابة بأمراض تصلب شرايين القلب التاجية المؤدية إلى نقص التروية القلبية، بالإضافة لسماع أخبار تلك الأمراض أو وفاة بعض الأقرباء أو الأصدقاء كنتيجة لها، كل هذا يخلق جواً غائماً بالخوف والقلق، خاصة عند الأشخاص الذين تجاوزوا سن الأربعين وإن لم تعد أمراض تصلب الشرايين تقتصر على عمر معين،

حيث نعيش في عصر ازدهار هذا المرض، عصر مليء بالبطالة البدنية والتوتر العصبي وتلوث البيئة. إن الوقاية من هذه الأمراض أفضل بكثير جداً من العلاج، وللابتعاد عن شبح الإصابة بها يجب علينا العمل دائماً على الفحص الطبي السنوي، حتى من غير الشعور بأعراضها، وخاصة عند الأشخاص قليلي الحركة والعصبيين من طبيعة عملهم،

كذلك عند الأشخاص أصحاب المهن الحرة والتي تتطلب جهوداً فكرية مميزة، كرؤساء الشركات أو المؤسسات الكبرى أو عند النوع الأول من الرجال،والذين يكونون أكثر من غيرهم عرضة لهذه الأمراض،لأن الرجل منهم يتصف بكونه:

استحواذياً، طموحاً، محباً للمنافسة والسيطرة، حريصاً، غيوراً، متكبراً على نفسه وعلى غيره، عصبي المزاج أثناء العمل وفي أوقات الراحة، يسابق الوقت (الخوف من الموت)، غير راض عن نفسه ومنفعل خائف وغير مسرور، وبصورة عامة هذا النوع من الرجال غالباً ما يوجد عندهم تاريخ حافل داخل العائلة بأمراض القلب وتصلب الشرايين.

إن اللحظة الحرجة للطبيب أمام مريض قدم إليه للكشف الدوري،أو للاطمئنان على ألم صدري عابر حدث لأول مرة في حياته، وإذ هو يفاجئه بإصابته بالذبحة الصدرية، فتكون النتيجة مع الأسف بالنسبة لبعض المرضى ككارثة مخيفة تهز الأبدان، وواجب الطبيب في تلك اللحظة أن يوضّح لمريضه بابتسامة ملؤها الثقة بالنفس،

بل وأن يهنئه للاكتشاف المبكر لمرضه، قبل أن تتأثر العضلة القلبية كنتيجة لانسداد أحد الشرايين التاجية المغذية لها،ولأن هذا المرض في مراحله الأولى يكون علاجه سهلاً جداً.

يجب على الطبيب أن يشرح لمريضه كيفية نشوء وعمل هذا المرض أولاً، دون أن يلفظ أية كلمة خطيرة تصدم المريض نفسه، وبصورة خاصة في حالة الإصابة بالجلطة القلبية الحادة لأن المريض في الواقع ذكي وغير غافل عن تفسيرات الطبيب، وسيعرف لاحقاً بخطورة مرضه وسيعرف أكثر بأن الحياة ستستمر وهو هنا ليس إلا لمساعدته مع مرضه!وهكذا سيتلاشى القلق بصورة تدريجية ويتحول إلى أمل لبناء حياة إيجابية أفضل للمريض.

ومع الأسف قد لا يكون هذا اللقاء والحوار بهذه الصورة دائماً، فبعض المرضى وخاصة هؤلاء الذين مات أباؤهم كنتيجة مضاعفات تلك الأمراض، لا يريدون أن يسمعوا شيئاً عن التقدم الهائل في علاج وتشخيص تلك الأمراض، فيتوقفون عن العمل المعتاد، ويمتنعون عن ممارسة الرياضة والحياة الجنسية، ويغلقون الباب على أنفسهم، ويعيشون مع الأسف أشباه موتى وهم أحياء في حزن وألم وقلق دائم في انتظار قدرهم المحتوم.

أما القسم الآخر فيتفهمون هذا الموقف بموضوعية وعقلانية، ويواجهون مرضهم بإرادة صلبة وشجاعة نحو علاج أفضل بمساعدة طبيبهم.

احتشاء عضلة القلب

يجب على الطبيب أن يكون حازماً واثقاً من تشخيصه، دون أن يخلق جواً من القلق أمام المريض،الذي يجب أن يكون في تلك اللحظة الحرجة مرتاحاً في سرير العناية القلبية المركزة، وعلاج ملائكة الرحمة يجري في أوعيته كذلك يجب على الطبيب المعالج أن يبتعد عن ذكر كلمة الموت، حتى وإن كان بعض المرضى يحاولون معرفة نسبتها بعد الإصابة بهذا النوع من الأمراض،

فأمل الحياة واقع والأعمار بيد الله، ولا أحد في هذه الدنيا يخشى الموت أو يخافه، مادام كل واحد منا يؤدي واجبه على خير ما يرام بضمير وإخلاص لعمله، في مهنة إنسانية قبل أي شيء آخر ويجب على أهل وأصدقاء المريض أن يبتعدوا عن خلق أي جو مشحون بالهزع والهلع وخاصة أمام سرير مريضهم أو المرضى الآخرين.

وتلعب وحدة العناية القلبية المركزة دورين أساسيين في الحياة النفسية للمريض:

-1 تضمن له الراحة النفسية والخلود للطمأنينة، لأن المريض يشعر باهتمام كافة أفراد الطاقم الطبي المعالج له، ولأنه يعرف مسبقاً بأن أية مضاعفات أو مشاكل قد تحدث له يمكن علاجها فوراً.

لأن المريض في بداية إصابته باحتشاء عضلة القلب وقبل الدخول لوحدة العناية القلبية يشعر بالقلق يهز أوصاله ويخشى من الموت متخيلاً إياه بأنه يحوم حوله في أية لحظة.

-2 كلمة «العناية المركزة» أو كلمة «الإنعاش» تعني بالنسبة لكثير من العامة وخاصة بالنسبة للمريض نفسه، بأنه أصبح على حافة الموت، وبصورة خاصة عندما يوضع وللوهلة الأولى أمام أجهزة المراقبة الإلكترونية الدائمة، بالإضافة للحركة الدؤوبة المنسقة لطاقم الأطباء والممرضات خلال الـ 24 ساعة وخاصة الأولى منها.

إن علاج الجلطة القلبية (احتشاء عضلة القلب) أصبح علاجاً ميسوراً وسهلاً، وخاصة إن كان التشخيص مبكراً، فبالإضافة لتطور أدوية إذابة الجلطة نفسها المتشكلة في أحد جدران الشرايين التاجية، تطورت أيضاً بصورة مذهلة عمليات القثطرة وإعادة فتح الشريان المتضيق أو المغلق بالبالون والتي أصبحت تجري بسهولة ويسر، كذلك أصبحت عمليات القلب المفتوح وإعادة زرع شرايين جديدة بالشيء السهل بالإضافة إلى أن نسبة نجاح مثل هذه العمليات أصبحت عالية جداً.

وسواء كان العلاج طبياً أم جراحياً، لن يكون هذا العمل فيه المتعة بالنسبة للمريض، لأنه يستمر بالشعور في درجات القلق المختلفة خلال التحضير لإجرائه ولن يهدأ بال المريض إلا بعد الانتهاء من هذا العلاج، وكثيراً ما يحتاج المريض إلى فترة قصيرة تحت الإشراف الطبي لإعادة تأهيله جسمياً ونفسياً بعد خروجه من المستشفى وهي بالنسبة له لحظة الأمل الحقيقية وإشراق شمس الحياة من جديد.

كافة أمراض القلب بمختلف طرق علاجها وتشخيصها لها تأثير نفسي على المريض سلباً كان أم إيجاباً، ويلعب الطبيب دوراً أساسياً في علاج ذلك، وأحياناً يصعب على طبيب القلب في علاج بعض المرضى فيلجأ إلى وصف بعض المهدئات النفسية الخفيفة،

وفي أحوال نادرة جداً قد يستعين بأخذ رأي زميل له مختصاً بالأمراض النفسية، وذلك لعلاج بعض المرضى مرهفي الحس أصحاب العقد النفسية، والتي تتفاقم حالتهم أحياناً بعد الإصابة القلبية، فليس عيباً أن يعترف أي إنسان لطبيبه بأن لديه عقدة معينة لم يكن له يد في وجودها ليساعده في إيجاد أفضل الحلول لها. وعقدة مريض القلب النفسية هي الخوف من الموت،وهذا في واقع الأمر السبب الذي دفع به إلى اللجوء للطبيب.

وأخيراً يجب أن تكون علاقة المريض بطبيبه علاقة ملؤها الصدق والصراحة والوعي المتزن، ونظراً للتطور الهائل في أدوية وتشخيص وعلاج أمراض القلب، فإن أطباء القلب وجراحي اليوم يستطيعون أن يؤمّنوا لمرضاهم العودة السريعة لحياتهم الطبيعية بصورة ملائمة وهادئ