العمى بات من المشكلات الكبيرة والخطيرة التي تؤرق منظمة الصحة العالمية التي أشارت إلى توقع بلوغ عدد الأشخاص الذين سيفقدون بصرهم في العام 2020 إلى 75 مليون شخص على المستوى العالمي.

وقد تم تشكيل لجنة وطنية في الدولة لمكافحة العمى كما ستعقد وزارة الصحة بالدولة مؤتمرا عالميا يستضيف أطباء بارزين وخبراء في مجال الصحة لمناقشة عدد من المبادرات التي ستطرح لمواجهة هذه المشكلة على المستوى العالمي.

بحثت «الصحة أولاً» الاستعدادات لعقد هذا المؤتمر مع الدكتور علي بن شكر وكيل وزارة الصحة في الدولة والدكتور أنور حمدان سجواني استشاري ورئيس قسم العيون في مستشفى دبي والدكتور رياض الجرد المدير الإداري للمستشفى الدولي الحديث في دبي فضلا عن المستوى التقني الذي وصلت إليه الدولة في مجال علاج الأمراض المسببة للعمى.

* هل لديكم استراتيجية للقضاء على ظاهرة كف البصر أو تفاديه، وما هي الحدود الزمنية لهذه الخطة؟

- لأن دولة الإمارات عضو في منظمة الصحة العالمية فقد قامت بتشكيل لجنة وطنية لمكافحة العمى بعد أن أقرت المنظمة الدولية استراتيجية المبادرة العالمية «الرؤية 2020: الحق في الإبصار».

وتتكون اللجنة من اختصاصيين في طب وجراحة العيون وفنيين في الإبصار. من مهام اللجنة، التي بدأت اجتماعات دورية، وضع استراتيجية متكاملة شاملة على مستوى الدولة لمكافحة العمى وتشتمل الاستراتيجية أكثر من محور في مجال مكافحة العمى حسب نوعية الأمراض المؤدية إلى العمى.

واستنادا إلى تلك الاستراتيجية سيتم ترتيب انعقاد ورشة عمل في ديسمبر المقبل تستضيف مجموعة من الخبراء العالميين وسيجري تنظيم تلك الورشة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والمنظمة العالمية لطب وجراحة العيون وكذلك منظمة 2020 حق الإبصار بحيث تشارك هذه الورشة في وضع الاستراتيجية العامة لمكافحة العمى. وستكون المناسبة ورشة عمل ومؤتمراً عاماً.

وإذا تحدثنا عن الإنجازات الطبية التي قامت بها دولة الإمارات فإن أول شيء يمكن الحديث عنه هو التطور العلمي في مجال طب وجراحة العيون الذي حقق قفزة قوية جدا على المستوى المحلي. وأصبحنا الآن قادرين على معالجة كل أمراض العيون داخل الدولة خاصة تلك الأمراض التي تؤدي إلى العمى.

وعلى رأس تلك الأمراض هي التي تصيب الأطفال والبالغين مثل الحصبة والتراخوما. ونعتبر أن الحالة المرضية الأولى محدودة جدا في الدولة بينما الثانية معدومة في الدولة وليس لها أي وجود، لكن تأتينا من حين لآخر حالات من دول مجاورة ونقوم بعلاجها.

كما نفخر جدا بمستوى الكفاءة العالية التي تتمتع بها أطقمنا الطبية من خلال علاجها للأمراض المسببة للعمى. وهنا ينبغي القول إن المسببات الرئيسية للعمى هي السكري وأطقمنا قادرة على التعامل معه وعلاجه.

والحقيقة لدينا نقطة ضعف نأمل أن نتخطاها في السنوات المقبلة وهي ضرورة العمل من أجل رفع مستوى الوعي الصحي بين أفراد المجتمع للحيلولة دون استفحال مثل تلك الأمراض، وحتى يأتي المريض في فترة مبكرة وحتى تكون النتائج مضمونة بالكامل. ولا شك أننا سنسعى جاهدين لتلافي تلك الثغرات ضمن نشاط فعالياتنا الطبية.

أهم التحديات

* ما هي أكثر التحديات صعوبة التي تواجه الدولة في إطار مساعيها للحد من ظاهرة العمى؟

- لقد وصلنا لمصاف الدول المتقدمة في مجال الإنجازات العلمية والتقنية التي تشمل الجراحة الدقيقة والليزر وتصحيح الإبصار بالليزر وأخطاء الانكسار، كل تلك الإمكانات متوفرة ضمن إطار الخبرات المحلية الموجودة في الدولة.

وللمزيد من الإيضاح أؤكد أن لدينا خبرات من بين الأطباء المواطنين أبدعت في هذا المجال وبالذات في علاج الانفصال الشبكي الناجم بالدرجة الأولى عن الإصابة بالسكري وانكسار الرؤية والجراحة الدقيقة وسحب المياه الزرقاء والسوداء كما تفوق أطباؤنا في علاج ضغط العين أيضا.

والحقيقة فإننا أنجزنا في تلك المجالات إنجازات كبيرة جدا. ولقد أعددنا بحوثاً وأوراقاً قدمت باسم الدولة التي تستضيف منذ سنوات أكبر مؤتمرات العيون على المستوى العالمي بالتعاون مع المنظمة الدولية لأمراض العيون، ونحن كأطباء عيون وجمعية الإمارات الطبية - شعبة العيون أعضاء في هذه المنظمة.

وأعود وأكرر أن أكثر التحديات التي نواجهها الآن هي ضرورة الارتقاء بمستوى المريض والمجتمع على حد سواء وفي خط متواز على أساس أن يستوعب المجتمع طبيعة تلك الأمراض التي تؤدي للعمى حتى يتم تدراك الوضع فيلجأ المريض إلى مراجعة عيادات العيون قبل استفحال الحالة المرضية.

* هل لديكم خطط للمشاركة في وضع استراتيجيات «الرؤية 2020: الحق في الإبصار»؟

- د.بن شكر: نشارك في هذه الاستراتيجيات وسيتم اعتماد استراتيجيتنا أو مبادرتنا في ديسمبر المقبل وسيتم تعميم هذه الاستراتيجية وتنفيذها وتطبيقها على مستوى الدولة. وتعد ورشة العمل المقبلة الحاضنة الرئيسية لطرح تلك الخطة لمكافحة العمى في الدولة.

مستشفى دبي

خلال زيارتنا لقسم العيون في مستشفى دبي حاورنا الدكتور أنور حمدان سجواني رئيس القسم في المستشفى حيث أكد على الجاهزية العالية للقسم وحول دور القسم في الحد من ظاهرة العمى وخطط المشاركة في الورشة المقبلة قال: «إن مهمتنا بالدرجة الأولى هي تعميم الوعي بين الناس.

وعلى سبيل المثال نقوم ببث الوعي حول مخاطر الإصابة بمرض السكري وما لذلك من تداعيات خطيرة للغاية على المريض بالسكري المهدد أصلا بالإصابة بانفصال شبكي نتيجة لهذه الحالة المرضية، وهو ما يؤدي للعمى بالطبع.

* ما هي نوعية الخدمات التشخيصية المتوفرة لديكم في القسم؟

- نقوم بداية بفحوصات سريرية. ونستخدم أجهزة متطورة في عملية تشخيص الحالات المرضية مثل تشخيص المياه الزرقاء وللأجهزة المستخدمة لدينا وظائف متعددة، وأؤكد أن الأجهزة المتوفرة لدينا هي من أفضل الأجهزة في العالم.

*هل لديكم إمكانات لزراعة القرنية أو أي نوع آخر من العمليات ؟

- نقوم بعمليات زراعة القرنية وزراعة العدسات وسحب المياه البيضاء.

* ما هي أشد الحالات التي تواجهونها في الدولة، هل هناك ظاهرة معينة وراءها؟

- نقول إن أصعب الحالات بالنسبة للعيون هي انفصال الشبكية (اعتلال شبكي سكري)، فهذه ما لم تعالج فورا فإن المريض سيصاب بالانفصال الشبكي. وهذه من أصعب الحالات التي نقوم بعلاجها خاصة بعد ارتفاع عدد الإصابات بالسكري في الدولة التي بلغت فوق العشرين في المائة من الإصابات المرضية الأخرى. مشكلتنا في الدولة هي أن المواطنين للأسف ليسوا متعاونين إزاء تنظيم حالات الإصابة بالسكري.

والمشكلة الأخرى التي نواجهها هي أن المريض يأتي نعالجه فيأخذ الدواء ويختفي لفترات طويلة. وأعني بذلك أنه يختفي لسنة أو سنتين ثم يعود إلينا وقد تدهورت حالته الصحية بصورة أسوأ بكثير عن ذي قبل عندما قام بزيارة قسمنا لأول مرة. وفي المراجعة الأخيرة تكون حالته متقدمة ويصبح العلاج أصعب.

ولدى سؤالهم عن سر الغياب تلك الفترة الطويلة يقولون أنهم غادروا إلى الخارج للعلاج وهذه مشكلة كبيرة وهي عدم تعاون المرضى معنا خاصة الكبار في السن.

القطاع الخاص

توجهت «الصحة أولا» إلى المستشفى الدولي الحديث باعتباره واحدا من المراكز الطبية المتقدمة في علاج العيون والتقت الدكتور رياض الجرد مدير إدارة المستشفى وهو طبيب متخصص في طب وجراحة العيون. وردا على سؤال حول الإسهامات التي يقدمها المستشفى في ورشة العمل المقبلة قال:

«نقوم بمتابعة الاستعدادات لعقد ورشة العمل في ديسمبر المقبل. الحقيقة أن معظم الأمراض التي كانت تؤدي إلى العمى كانت ناجمة عن الثقافة المتدنية للناس ومنها عدم العناية بالنظافة. وبالإضافة إلى ذلك هناك إهمال من جانب مرضى السكري مما ينجم عنه الإصابة بالانفصال الشبكي والعمى.

وعلى صعيد التوعية نسهم بحملات وفقا لقدراتنا. ومن تلك الحملات حملات التوعية الخاصة بمرض السكري باعتبار أنها من الأمراض التي تؤدي إلى الإصابة بالعمى. وأقول هنا ان الليزر بات من الوسائل الفعالة في نجاح العمليات الخاصة بتدهور النظر الناجم عن السكري.

ونقوم دائما بنصح مرضى السكري ألا يهملوا في العلاج ويحرصوا دوما على متابعة العلاج بدقة. فمريض السكري الذي يهمل علاجه لفترات طويلة يعرض الشبكية للخطر مما يؤدي إلى ضعف شديد وتدهور. ولا شك أن وضع الإصابات قد تحسن بصورة كبيرة بعد تحسن التقنيات المستخدمة في العلاج فضلا عن تطور المهارات البشرية أيضا، وهي مهارات لم تكن متوفرة في السابق.

ولا شك أن الدور التثقيفي الذي تقوم به الهيئات الصحية مهم فضلا عن ضرورة قيام الأطباء بالإسهام في دعم الحملات التثقيفية للوزارة. والحقيقة فإن التوعية الجماهيرية هي حجر الأساس في تلافي الكثير من تدهور الحالات المرضية وعلى رأسها الانفصال الشبكي.

أبحاث جديدة

* هل لديكم مشاركة في ورشة العمل المقبلة لمكافحة العمى ؟

- لدينا مساهمة جيدة في ورشة العمل وقد تشكلت لجنة في المستشفى لمتابعة الموضوع وسنقوم بتقديم أبحاث حول علاج القرنية المخروطية وعلاج التخلص من النظارات الطبية بأحدث طرق العلاج مثل ( انتراليزك) الذي يعد عالميا من أفضل طرق العلاج لقصر النظر وهو متوفر لدينا. وأقول إن مشاركتنا أكيدة في المؤتمر.

*هل لديكم امكانات للتدخل السريع لإنقاذ حالات توشك على فقد البصر؟

- هناك أمراض عيون بحاجة إلى تدخل فوري، وهذه الأمراض إذا وصل المريض إلى الطبيب في الوقت المناسب، فسنقوم بالتأكيد بتوفير أفضل طرق العلاج له المدعمة بإمكانات عالية خاصة بالأجهزة الطبية الحديثة والمتخصصة.

وينبغي عدم وجود فاصل زمني طويل ما بين الإصابة والحضور إلى العيادة للكشف والعلاج كي يمكن تلافي تدهور الحالة خاصة إذا كانت ستؤدي إلى الانفصال الشبكي أي إلى العمى إذا ما طال أمد الانتظار دون علاج.

تأتينا حالات إسعافية تكون فيها الشرايين مصابة مثل انسداد شرياني معين أو تضيق شرياني. كما تصلنا مشاكل صعبة مثل ضعف ضخ الدم إلى العصب وهو ما يؤدي عادة إلى ضعف تروية العين مما يؤدي إلى توقف وصول الدم إلى عصب العين ويقود هذا بالتالي إلى العمى المفاجئ.

هناك أيضا أمراض أخرى مهملة تؤدي إلى الضعف ولا تقل خطورة عن الحالات السابقة واسميها الموت الصامت للعصب الذي لا يعالج بشكل سليم على مدى فترة طويلة. المرض لا يشعر بالتدهور حيث يبدأ المرض من أطراف العين حتى يصل إلى المركز وهنا يبدأ تدهور البصر.

وفي هذه الإصابة، أي الطرفية، يشعر المريض بأن حالته جيدة لكن يبدأ موت العين من هنا زاحفا إلى المركز أي ليصل إلى وسط العين السليم. والحقيقة فإننا نأمل دائما أن يكون المصاب على وعي تام بالإصابة ويلجأ إلى مراجعة الطبيب المختص.

ولكن هذا المرض في مراحله النهائية يصعب علاجه ويقف الطب عاجزا عن شفائه من أجل ذلك نرى أن التوعية مهمة، ونحن من جانبنا نسهم في هذه الحملة عن طريق الكتيبات والنشرات التي تبين أعراضه وأنواعه. وندعو في الواقع إلى عمل جماعي للقيام بحملات إعلامية عبر الشاشة التلفزيونية والإذاعة ووسائل الإعلام الأخرى وبالطبع تتحمل الأجهزة الرسمية الباع الأكبر في قيادة حملة التوعية..

وأكرر هنا أن المعضلة الأولى في العلاج هي المريض الذي يتقاعس عن مراجعة العيادات الطبية المتخصصة حيث تنتابه هواجس منذ البداية كأن يخشى أن يؤدي العلاج إلى التسبب في تخريب نظره. وبالطبع هذا غير صحيح لأن تخريب النظر يأتي بسبب قلة الوعي وقلة الإدراك لخطورة المرض. هذا هو الفارق بين الوعي والجهل بحقيقة المرض وضرورة التقدم للعلاج المبكر. والجهل في الواقع هو السبب الحقيقي في وقوع الكثير من الضحايا.

وأرى ضرورة أن يتوفر لكل مؤسسة طبية جهاز متخصص في التوعية يخطط للمشاركة في حملات توعية منظمة على مستوى الدولة وتقودها وزارة الصحة باعتبارها المسؤول الأول عن الوضع الصحي في الدولة. وينبغي أن تكون تلك الحملات مدروسة وأن تكون مستمرة وغير متقطعة.

وأعتقد أن التوعية وفتح آفاق المعرفة الطبية والتنبيه إلى مخاطر الإهمال لا تقل عن أهمية العلاج الطبي. وتفيد تلك التوعية عندما يتم حث المريض على مراجعة العيادات الطبية المتخصصة عندما يكون المرض في بداياته.

وننصح المرضى الذين يترددون على محال بيت النظارات ألا يكتفوا بهذه الحلول البسيطة بل عليهم مراجعة طبيب العيون المختص لفحص الشبكية، ولفحص قاع العين والأمراض الأخرى.

محمد نبيل سبرطلي