لقد أصبح الازدحام المروري ظاهرة يومية في حياتنا، تشغل بال الكثيرين، فتجد الجميع يسألون ويستفسرون عن الطرق التي تخلو من الازدحام ليرتادوها. ولا تتوانى الإذاعات عن اطلاع السائقين عن أحوال الطرق أولا بأول. كل ذلك ليس فقط لتيسير حركة السير، ولكن ماذا عن المشكلات النفسية والصحية التي ثبت أن للازدحام المروري والغرق في دوامته دورا كبيرا فيه.
لكي نلقي الضوء على هذه الظاهرة وآثارها الصحية السلبية على الإنسان كان لـ «الصحة أولا» هذا التحقيق:
كابوس
«إن الازدحام المروري، كابوس مزعج»، هكذا قال رائد أحمد وتابع: أصبح طريق ذهابي للعمل عبارة عن معركة أخوض غمارها صباحا ومساء، فإذا تجاهلنا الوقت المهدور والذي يعد ثمينا بالنسبة لي، يأتي موضوع التوتر الذي يصيبني على مدار ساعتين محاولا المرور واختراق ألوف السيارات سعيا للخلاص والوصول للعمل، وحالة التركيز التي تشدني وتوترني.
وتعرضي لهذا الوضع يوميا أفرز عندي ضيقا نفسيا عاليا، فبت شديد الغضب، فبمجرد وصولي للعمل يتحاشى الجميع التعاطي معي وذلك لمعرفتهم أني بعد مشوار الطريق القاتل أحتاج على الأقل لساعة من الاسترخاء حتى أعود إلى طبيعتي وهذا طبعا على حساب عملي.
اختناق
محمد جمعة وصف معاناته أثناء الازدحام المروري قائلا: إن بقائي في السيارة لساعات طوال والحركة البطيئة التي أقوم بها، بالإضافة إلى روائح عوادم السيارات التي استنشقها طوال تلك الفترة تسبب اختناقا لي.
وفي إحدى المرات خلال أزمة مرورية أصابتني نوبة اختناق اضطرتني للخروج من السيارة والبدء بالزفير والشهيق، وشعرت بعدها بدوخة مما دعاني للابتعاد عن الشارع وأخذ قسط من الراحة. ومنذ ذلك الوقت وأنا أحمل الماء معي والبخاخ فاتح القصبات الهوائية، فخلال الازدحام قد أتعرض لأي نوبة ولا أستطيع تفاديها.
ترفع الضغط
«يرتفع ضغطي بسببه وخصوصا إذا كنت في عجلة من أمري»، هكذا بدأ سالم مبارك حديثه عن الازدحام المروري وتابع: أشعر حقا بضيق كبير وكأني مقيد أو محبوس، ناهيك عن الهواتف التي تنهال علي إذا كان هنالك عمل يجب أن ينجز بسرعة.
فالانتباه للطريق المزدحم وضغوطات العمل والمدة الطويلة داخل السيارة كل تلك الأمور مجتمعة كفيلة بأن توصل ضغطي لأعلى مستوياته، وأحاول دائما أن آخذ نفسا عميقا وأصفي ذهني كي لا أتعرض لجلطة قلبية نتيجة هذه المعاناة شبه اليومية من الازدحام المرورية.
المضاعفات الصحية
وعن تأثير الازدحام المروري الذي يتعرض له الأفراد على صحتهم، حدثنا د.ناصر الصلاح اختصاصي الباطنية والصدرية والحساسية والربو قائلا:
إن تعرض الأشخاص للأزمات المرورية يؤثر بشكل كبير على من يعانون حساسية في الصدر والجيوب الأنفية ومن هم يعانون من الالتهابات المزمنة في القصبات الهوائية وهؤلاء يتأثرون خلال الازدحام، إذا ما كانت نوافذ السيارات مفتوحة نتيجة استنشاقهم هواء ملوثا بعوادم السيارات، أما من يغلقون النوافذ فهم معرضون لعوامل ضغط نفسي قد تؤدي إلى إصابتهم بأزمات ربوية وضيق في النفس .
وهو عامل مسبب لتشنج القصبات الهوائية لمن يعانون من حساسية في الأنف، إن الذين يعانون ضغوطات عصبية وحساسية وأمراض أخرى هم أكثر تضررا من الازدحام المروري، وكذلك من يعانون من مرض الارتيابية من ضيق النفس في حال تواجدهم في مكان ضيق ومغلق.
وعلى من يتعرضون للازدحام اليومي ممارسة الرياضة يوميا في الهواء الطلق، وعلى من يشعر منهم بإرهاق قياس نسبة الأوكسجين لديهم، وعلى من يعانون من أزمات ربوية أو انتفاخ رئوي أو انسداد مزمن للقصبات تأمين بخاخ للطوارئ في كل مكان يتواجدون فيه، وكذلك إذا أمكن تأمين جهاز موسع القصبات الهوائية وهو يعمل على بطارية السيارة ووجوده يساعد كثيرا.
أما حول تأثير الازدحام على صحة آلية عمل القلب فحدثنا
د. نجيب الخاجة مدير مركز أمراض وجراحات القلب والصدر في مستشفى دبي قائلا: إن أي نوع من الشد العصبي يؤثر على القلب، والسياقة في أوقات الازدحام تؤثر على قلوب من يعانون من مشكلات قلبية، وذلك لأن الازدحام يقود للتوتر العصبي ما يؤدي إلى زيادة نسبة الأدرينالين في الجسم .
وهو يزيد من دقات القلب، لذلك على من يسير في الزحام بشكل يومي محاولة تخفيف وطأة ما يتعرض له عن طريق سماع موسيقى مهدئة للأعصاب أو الاستماع للقرآن، فالازدحام المروري أصبح جزءا من الحياة، فمن يشعر أنه سيتأذى من القيادة في الزحام فعليه، إما عدم القيادة أو اختيار الأوقات التي يخف فيها الزحام.
أما من يعاني من مرض في القلب، فعليه في حال شعوره بأي ضيق أثناء الزحام إيقاف السيارة وطلب العون، وعليه أيضا أن يخفف من توتره قدر الإمكان ويحاول دائما أن يتواجد معه شخص قادر على القيادة لينوب عنه في حال حدوث طارئ.
وبخصوص التأثير النفسي للازدحام حدثنا د.محمد سبيته اختصاصي الطب النفسي في مستشفى راشد قائلا: إن الجلوس داخل السيارة لساعات طوال في حال الازدحام الشديد حيث قد يمتد المكوث داخل السيارة لساعتين أو ثلاثة، هذه الفترة التي يقضيها الشخص ثابتا غير قادر على الحركة تسبب له نوعا من الضغط النفسي.
فالإنسان بطبيعته بحاجة للحركة، فإلى جانب الضيق من أزمة الطريق نأتي على الشخص ضغوط العمل الذي قد يتأخر عنه أو الأولاد الذين تأخر عن إيصالهم لمدارسهم. كل ذلك يصيب الشخص بالنرفزة مما يجعله حاد الطباع هذا إلى جانب الآلام الجسدية من وجع الظهر والرأس وغيرها الناتجة عن الجلوس لفترات طويلة ثابتا.
ولعل أهم طريقة للتخفيف من وطأة ذلك، هي الاقتناع وتقبل الواقع والتعايش معه بصدر رحب فلا داعي للغضب والضغط على النفس. فالازدحام لن يزول بغضبنا، ولنستمع للقرآن أو الموسيقى ونحاول منع الأطفال من الصياح ليتم اجتياز الازدحام بكل أريحية وسلام.
كرم أحمد
