لا أستطيع أن أتذكر أنها على طرف لساني. كثيراً ما تردد المرأة مثل هذا الكلام في منتصف العمر. وتسأل نفسها سؤال: ماذا حل بذاكرتي وهل أنا في طريق فقدها؟ ولكن ما الذي يجري حقيقة؟ وماذا تفعل المرأة حيال ذلك؟
انخفاض مستوى الذاكرة مشكلة تدعو لقلق المرأة وخوفها من الخرف، وكذلك المشاكل الناجمة عن ضعف التركيز الذهني والتغيرات في المزاج، ولكن هل هذه الأمور مدعاة للخوف؟ وحتى يجب على المرأة أن تقلق حقاً؟تعتبر فترة منتصف العمر من التحديات بالنسبة للمرأة، وليس من السهل الجزم فيما إذا كانت التغيرات الجسدية والعقلية ناجمة عن التقدم في العمر، أم أنها ناجمة عن التغيرات الهرمونية المرافقة لسن اليأس، وكذلك من الصعوبة بمكان تحديد أي الأعراض طبيعي الحدوث وأيها يحتاج إلى مزيد من الاستقصاء؟وقد تسأل المرأة نفسها: ما الذي يسبب ضعف الذاكرة لديها؟ أهو مرض الزهايمر؟ أم أنه الاكتئاب الذي أدى إلى مشاكل الذاكرة، وهل الاكتئاب ناجم عن اليأس وتتشابك الأسئلة المتعلقة بالمزاج والذاكرة في مرحلة منتصف العمر.
ومن المعروف أن عمليات الإدراك والمعرفة التي يقوم بها الدماغ تبقى سليمة لدى معظم النساء، حتى إذا وصلن السبعين من العمر وأكثر خاصة إذا كن يتمتعن بصحة جيدة. ولكن يبقى السؤال لماذا تشعر العديد من النسوة أن قدراتهن العقلية تغدو أقل حدة بتقدم العمر؟
ما الذي يجري على وجه الدقة؟
المزاج:
إن التذبذب في مستوى الهرمونات لاسيما الاستروجين يمكن أن يكون سبباً لتقلبات المزاج، كما أن مشاكل الحياة وتغيراتها كمغادرة الأبناء للمنزل أو اضطرار المرأة للعناية بالأقرباء المسنين، كل ذلك يشكل عبئاً على مزاج المرأة. إضافة إلى ذلك فقد تعاني بعض النساء من مظاهر القلق واضطراب النوم والشهية للطعام والإحساس بالتعب ونقص الطاقة.
ولا يعتبر الاكتئاب عملية مرافقة بالضرورة للتقدم في العمر، كما أن سن اليأس بحد ذاته لا يعتبر سبباً للاكتئاب رغم أن أعراضاً كالذفزة والتململ والاحساس بالتعب يمكن أن يرافق الاكتئاب أو سن اليأس.كما أن سنوات ما حول سن اليأس (السنوات التي تسبقه) تجعل المرأة مفرطة الحساسية خاصة إذا كانت لديها سوابق إصابة بالاكتئاب.
الإدراك والذاكرة
تحدث عادة تغيرات طفيفة في الذاكرة والقدرة على التفكير لدى النساء صحيحات الجسم إذا كن في سن ما دون الخامسة والسبعين، أما تلك التغيرات الخفيفة الناجمة عن التقدم في العمر فليست إلا زيادة مسؤوليات المرأة، وتغير حاجاتها واهتماماتها، وزيادة قلقها وتساؤلها عن الشكل الطبيعي لبعض فقدان الذاكرة، فقد تتألم المرأة نفسياً لأنها أصبحت تنسى الأمور الصغيرة التي ما كانت لتنساها عندما كانت شابة.
وأصبحت تحتاج الآن لوقت أطول من السابق كي تتذكر لبعض المعلومات كما أن القيام بأعمال عديدة في الوقت نفسه أصبح أكثر صعوبة من السابق، فمثلا لم يكن من الصعب عليها فيما مضى أن تتكلم على الهاتف وتعد طعام العشاء وتساعد أطفالها على حل واجباتهم المدرسية في آن واحد، أما الآن فهي لا تستطيع التركيز إلا على عمل واحد فقط.
ولكن تفسير ما يجري ليس صعباً كما تتخيل المرأة فمن المعروف أننا حينما نتقدم في العمر نغير استراتيجيتنا لمواجهة متطلبات حياتنا الجديدة، ولذا نفقد الاهتمام بالأمور الصغيرة وننسى التفاصيل الدقيقة، ويكون جل تركيزنا منصباً على المسائل المهمة. وبعد انتهاء سنوات الدراسة نادراً ما نحتاج إلى عملية التذكر ولذا تقل مهاراتنا في هذا المجال الذي نتوقف عن ممارسته.
ما الذي قد تغير؟
إن مقدار التغيرات التي ستلاحظها المرأة يعتمد على عدة عوامل: كالاكتئاب والشدة النفسية، والأدوية التي تأخذها، وصمتها بشكل عام ونمط حياتها، والحالة الصحية لعائلتها. كما يعتمد على مدى قدراتها العقلية السابقة. فمثلاً إذا كانت فيما سبق تتذكر أسماء الأشخاص بسهولة أن الأغلب أن تستمر بامتلاك هذه المقدرة حتى ولو تقدمت بها العمر.
ولحسن الحظ فإن معظم اضطرابات الذاكرة غير ناجمة عن الخرف، فالخرف يعني تناقصاً مترقياً في مهارات التفكير تؤثر على الحياة اليومية للمصاب.
وأهم أسباب الخرف مرض الزهايمر وأولى مظاهره فقد تدريجي للذاكرة القريبة وتدهور القدرة على تعلم مهارات أو معلومات جديدة. كما يهمل الخرف نفسه ولا يستطيع التعرف على الأشخاص والأماكن ويبدو مشوش التفكير وقد لا يعرف حتى طريق العودة إلى منزله. فالخرف يؤدي إلى انهيار الشخصية والقدرات العقلية واضطراب السلوك الاجتماعي.
ما هو دور الاستروجين؟
هنالك نظريات عديدة عن الدور الذي يلعبه الاستروجين في مجال الذاكرة والمزاج في مرحلة منتصف العمر لدى النساء، لأن نقص الاستروجين في تلك المرحلة يمكن أن يودي إلِى حدوث تغيرات في الإدراك والعواطف وكذلك تغيرات جسمية لدى المرأة.
*الاستروجين والمزاج؟
هنالك بعض الشواهد الدالة على قدرة الاستروجين على تحسين المزاج المتذبذب في منتصف العمر لأنه يزيد من إفراز مادة السيروتونين وهي ناقل عصبي دماغي مهم ينقل الإحساسات الجميلة المفرحة. وكقاعدة عامة كلما زاد مستوى السيروتونين في الجسم كلما كان المزاج أحسن.
* الاستروجين وعميلة الإدراك والذاكرة:
يقدم الباحثون حالياً بدراسة حول دور الاستروجين المحتمل للوقاية من تدهور عمليات الإدراك والذاكرة الناجمة عن تقدم العمر لدى المرأة. وتدل بعض الدراسات أنه يمكن للاستروجين أن يحسن تلك العمليات لأنه يقوم بتنبيه الناقل العصبي أو الاستيل كولين الذي يلعب دوراً مهماً في عمليات التذكر وحل المسائل (التفكير).
وعلى كل حال فإن دور الاستروجين في التغلب على مشاكل التفكير والذاكرة الناجمة عن تقدم العمر مازال غير واضح بالشكل الكامل، ولذا ليس هنالك ما يدعو لاستخدام الاستروجين لمعالجة الخرف.
* كيف يمكن المحافظة على وظائف التفكير والذاكرة؟
ينصح الخبراء المرأة بإجراء بعض التغيرات في أنماط سلوكها الجانبية للمحافظة على قدرات عقلية جيدة. وهذه تشمل ما يلي:
1- أن تبقى على تواصل اجتماعي مع الأهل والأصدقاء والمجتمع.
2- أن لا تركن لحياة الراحة بل تبقى نشيطة وتقوم بالمشي اليومي مثلاً فهذا يقلل من الاكتئاب ويحافظ على قدرات التفكير والذاكرة.
3- أن تستمر في تحدي قدراتها العقلية كأن تنتمي إلى صفوف دراسية جديدة، وتتعلم مهارات جديدة أيضاً. وأن تلعب الشطرنج وتحل الكلمات المتقاطعة وتستمر في قراءة الكتب.
4- أن تتبع عادات غذائية سليمة. فالحمية الغنية بالخضار والفواكه والحبوب مفيدة والفيتامين E، ومضادات الأكسدة كالفيتامين A و C.
5- التوقف عن تناول الكحول أو إقلاله إلى الحد الأدنى.
6- التوقف عن التدخين.
7- تجنب حالات الشدة النفسية إذا أمكن، أو على الأقل التعلم كيف تخفف من ارتكاسها لها.
8- إجراء الفحوصات الدورية الضرورية التي يقررها الطبيب.
الدماغ صديق الإنسان
إن حقيقة كون المرأة في منتصف العمر لا يعني بالضرورة أنها ستواجه مشاكل في الذاكرة والإدراك، فالعديد من النساء حتى أولئك اللاتي تجاوزن المئة من العمر يمكن أن تبقى قدراتهن العقلية دون تدهور.
ولكن من الضرورة بمكان أن تعرف المرأة ماهية التغيرات العاطفية والعقلية التي يمكن أن تحدث في منتصف العمر وبشكل طبيعي غير مرضي، لأنها بذلك تجنب نفسها الخوف الذي لا مبرر له لظنها أن الخرف قد غزا منها الدماغ.