بصوتها المجروح، أرادت كسر حاجز الصمت. صوت يغلفه الحزن المبطن بالألم. كانت دموعها تسبق نبرات صوتها الذي لم يسمعه أحد. واقع مرير، ومشهد مأساوي. لم تعش طفولتها كغيرها من الإناث، لم تعرف طعماً للحنان. لم يطبع والدها قبلة على خدها ذات صباح أو مساء. لم يترك في داخلها إلا تلك الصورة المهشمة بأدق تفاصيلها. لقد كان أشد قسوة من القساوة.

في النهار قهر وفي الليل بكاء، واستسلام لليأس، وكبت للعواطف. وانتظار لرحلة عذاب في اليوم التالي. وحزن يرشح من الجدران المتصدعة.

كان الأب يجسد قسوة الحياة على جسدها كل يوم، ويحرمها من أبسط حقوقها، ووالدتها كانت تشهد هذه الأحداث التي تتكرر كل حين بعيون صامتة. أسئلة عديدة دون إجابات مقنعة. انه الاضطهاد العائلي الذي يجسده الأب في سلطته الذكورية، فيولد شعوراً بالنقص، وكبتا مديدا للمشاعر.

فاصل قصير

بين صوتها المبحوح ورنين هاتف آخر، فاصل قصير. قصة أخرى لزوجة يبتدئ نهارها كل صباح بكلمات قاسية، وصراخ، وتفريغ للانفعالات المكبوتة، والتوتر الناجم عن العمل وازدحام الشوارع. حكاية هذا البيت كحال البيوت الأخرى التي تفتقد الأمن النفسي. الزوج تضغطه الحياة من كل جانب، فلا يجد إلا البيت وسيلة للتعويض عن قسوة المدير الذي ربما يعاني من تسلط زوجته.

فالمدير يجد في موظفيه مخرجاً لمآزقه مع زوجته، والموظف يكاد ينفجر لأتفه الأسباب في وجه زوجته التي طالما انتظرت تلك اللحظة الحالمة المغلفة بالفرح الحقيقي. وفي كثير من الأحيان يقع الأطفال ضحية انفعالاته وتوتره، فيدفعون الضريبة، التي تسرق الابتسامة من شفاههم، والأمل من عيونهم.

انه العنف المنزلي

قصص وحكايا عديدة، قد تبدو مختلفة، ولكنها تحمل عنوانا واحداً اسمه العنف المنزلي، مثل هذه القصص الكثير منها يبقى حبيساً بين الأضلاع، والبعض منها يصدع الجدران، فتتسرب منها بعض اللقطات. حينما يخيم العنف داخل المنزل، تفتقد العائلة للأمن النفسي، للشعور بالاطمئنان، فتكبر الآلام وتزداد الآهات. كثيرة هي البيوت التي تفتقد للمشاعر الايجابية، ولأن الاحترام بين افرادها يبدو معدوماً لهذا تذوي المحبة وتموت.

البيت كالحديقة، بحاجة للرعاية اليومية. العلاقات بين افراد العائلة بحاجة إلى من يرويها كيلا تظمأ وتجف أرضها فتصبح يابسة.

الزوج بحاجة لزوجته، وكلاهما بحاجة للآخر، وكذلك حال الأبناء، الأسرة تبدو قوية ومتماسكة إذا ما تسلحت بالمشاعر الايجابية، بالحب، والاحترام، والتسامح.

أما الإحباطات المتكررة، والضغوط المادية، والنفسية، والاجتماعية وفقدان الأمن النفسي فهي تزرع بذور النزاعات المتزايدة، التي إن اشتعلت نيرانها قد لا تهدأ، حتى وإن تم استدعاء فرق الطوارئ والإنقاذ.

النزعة الأنانية

حينما يصبح الملل ظاهرة في هذا البيت أو ذاك، تتعاظم المشكلات لأتفه الأسباب. والقسوة والنزعة الأنانية تزيد حدة الفجوة بين أفراد العائلة، فتتفكك الأسرة، وتتفاقم المشكلات والاضطرابات النفسية التي تنتشر كانتشار النار في الهشيم.

ووفقاً لما تشير إليه التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية فإن العنف الممارس ضد الأنثى هو أكثر أنواع العنف انتشاراً في حياة النساء. وتؤكد التقارير أن النساء يتعرضن للعنف في البيت أكثر من الشارع. وبالطبع تختلف حدة وطبيعة هذا العنف من مجتمع إلى آخر، وهناك حالات معلنة، والكثير منها لا يعرف عنها حتى المقربين من الضحايا.

فالكثير منهن لا يفصحن عنه، وتبقى آثاره النفسية مدفونة بين ثنايا القلب. مثل هذه الحالات سواء أكانت فردية أم جماعية، تحتاج للعلاج، ولترميم ما يمكن ترميمه من العلاقات بين أفراد الأسرة، العنف لا تقتصر تأثيراته الجسدية والنفسية على النساء فحسب، وإنما تظهر آثاره على وجوه الأطفال البائسة. فهل نعمل معاً من أجل ضحايا العنف داخل المنزل ونبدد الخوف والقلق والجهل.

bassam@albayan.ae