أكثر المرضى تخوفا مما قد يرتكبونه من أخطاء خلال شهر رمضان الكريم هم المصابون بداء السكري من النوع الأول والثاني «تايب 1» و«تايب 2». أي ألا ينجحوا في تحديد ما يمكن عمله في هذا الشهر والمراوحة ما بين الصوم والإفطار ومن هنا تأتي أهمية استشارة الطبيب قبل البدء في شهر الصوم. فالطبيب يمكن أن يحدد متى تصوم ومتى تتوقف وما هو ضار وما هو نافع بالنسبة لك في رمضان. (الصحة أولا) حاورت د. بسام زهير المصري اختصاصي الأمراض الباطنية في المستشفى الدولي الحديث في دبي حول إمكانية صوم المريض بالسكري خلال رمضان والمحظورات التي تحول دون صومه.
أوضح الدكتور بسام قائلا: «إن نوع داء السكري الشائع هو النوع الثاني الناجم بشكل أساسي عن البدانة. فنقص الوزن هو العلاج الأساسي والجوهري للوقاية من هذا النوع من السكري. فالشخص الذي يعاني من السكري يترتب عليه بصفة أساسية إتباع نظام حماية وممارسة تدريبات رياضية. وبالنسبة لهذا الشخص ليست لديه أية عوائق للصيام بل على العكس فإن الصوم في هذا الشهر الفضيل يعود عليه بالفائدة.
ويحضرني هنا مسألة بالغة الحساسية وهي تناول أدوية السكري خلال الشهر الفضيل. ويلاحظ بالنسبة لمرضى السكري من الفئة الأولى أنه لا توجد أية مشكلة في متابعة الصوم في رمضان وتنظيم تناول الأدوية الخاصة بالسكري مثل الميدفورمين «الجلوكوفاج» الذي ليس منه خطورة في حال تناوله في فترة الإفطار مع افتراض أن المريض يمكنه الصوم خلال النهار ولا خوف من أية تداعيات على حياته الصحية من جراء ذلك، إذا كان المريض يخشى أن يصاب بهبوط في السكر.
أما الدواء الثاني فهو البليوكليتازون الذي يضاعف حساسية الجسم للأنسولين وهو الأنسولين الداخلي نفسه الذي يفرز في أجسامنا. ويشار إلى أن هذا الأنسولين يعمل بشكل مريح أكثر بعد تناول الدواء الذي يمكن تنظيم أخذه أيضا خلال الليل بعد الإفطار.
ولو أن المريض التزام بالحمية والتدريبات الرياضية خلال الشهر الفضيل لأمكنه أن يتعافى بصورة جيدة فلا يؤثر عليه الصيام اللهم إلا بصورة إيجابية مع الالتزام بتناول أحد الدواءين السابقين. وهناك أيضا دواء ثالث يساعد على امتصاص السكري في الجهاز الهضمي هو السلفونيليوريا الذي يعمل على خفض السكر في الدم.
وفي حال هبوط حاد للسكر، فالنصيحة هي تعديل الجرعة التي تؤخذ عند السحور.
والمعروف أن أدوية السلفونيليوريا مثل الدامنكرون والأمريل، يمكن أن تقوم يخفض مستويات السكر في الدم، ويمكن أن تؤخذ جرعة الأمريل كما الدامنكرون جرعة واحدة عند الإفطار وهي كافية لتغطية حالة المريض لمدة 24 ساعة. ولكن هناك أدوية تؤخذ صباحا ومساء مثل الداؤنيل ويمكن أن تخفف الجرعة الصباحية إلى النصف يعني إذا كان المريض يأخذ 10 ملليغرامات، يمكن أن يأخذ نصف هذه النسبة عند السحور في حال تراجعت نسبة السكر في الدم. والحقيقة فإن المخاوف في رمضان تتركز على هبوط السكر، خاصة عند الأشخاص الذين يأخذون الدواء ويصومون.
الالتزام بالإرشادات
أما النقطة الثانية التي ينبغي لفت النظر إليها فهي عدم تقدير أهل أو أصدقاء الصائم المريض بالسكر لحالة المريض فيقدمون له العصائر المشبعة بالسكر عند الإفطار أو الحلويات بعد الإفطار وهو ما يفاقم حالته الصحية. وقد يقوم الصائم دون وعي منه بتناول كمية كبيرة من العصائر دون أن يدري أنه يعرض نفسه للخطر من ارتفاع نسبة السكر بصورة كبيرة. كل ما ينبغي على المريض أن يقوم به هو الالتزام بوجبة صحية تنسجم مع الإجراءات الخاصة ببرنامج غذاء مريض السكري.
والحقيقة التي أؤكد عليها أن الماء هو سيد المشروبات إذا كان الصائم عطشان، وهو يحمي المريض من كل احتمالات تفاقم الحالة المرضية عند مريض السكري. حتى نحن الأصحاء ينبغي تجنب شرب عصائر البرتقال والبيبسي كولا والمشروبات المماثلة المشبعة بالسكر، حتى وان ذكر أنها خالية من السكر مثل المشروبات التي كتب عليها «دايت». وينصح أي مريض يزور أصدقاءه بضرورة تجنب تناول الشوكولاته والحلويات التي يقدمها له مضيفوه عند الزيارة. ويمكن الاعتذار بلباقة عن قبول الضيافة معللا الأسباب المرضية.
والحقيقة الأخرى التي ينبغي على المريض أن يعيها وهي أن بإمكانه أخذ السكر من الخبز والرز، وهما مادتان تحتويان على ألياف نباتية مع المادة السكرية. وفائدة هذا النوع من السكر أن الجسم يمتصه تدريجيا دون التسبب في أية صدمة مفاجئة بتسرب كميات ضارة من السكر إلى الجسم كما يحصل عندما يتناول المريض الحلويات مثل البقلاوة أو الكنافة أو أية حلويات أخرى ينبغي تجنبها بالكامل.
أما بالنسبة للأشخاص الذين يحصلون على حقن الأنسولين، خاصة الصغار، فينبغي عليهم تنظيم وضع الصوم مع الطبيب. و بالنسبة للأشخاص الذين يتضررون في حال الصوم فلا حرج عليهم والله سبحانه وتعالى لم يفرض الصوم لإلحاق الضرر بالناس بل لفائدتهم، وعلى ذلك فإن الرخصة الشرعية تعطى للمريض الذي يشعر بتدهور في حالته الصحية في حال الصوم.
ونلفت إلى أن مرضى السكري من النوع الأول إذا صاموا هناك خطورة من دخولهم في مرحلة «الكيتزيزوس» والقاعدة العامة هي أن يقوم المريض بتقسيم جرعة الأنسولين الصباحية إلى النصف أو الثلث، ولكن في بعض الأحيان تؤخذ الجرعة كلها.
لكن إذا شعر المريض بهبوط السكر أثناء الصوم يفضل أن يفطر فورا، ودون تردد. أما الأعراض التي ينبغي على المريض ملاحظتها فهي التالية: التعرّق الشديد، الخفقان، الرجفان، الدوخة، كما سيشعر المريض في هذه الحالة بجوع شديد.
وفي حال شعر المريض بهذه الأعراض عليه أن يفطر فوراً. ولكنه إذا أهمل ذلك، ولم يفطر، سيشعر تدريجيا بفقدان الوعي ومن ثم يصاب بالغيبوبة. وكلما شعر المريض بالهبوط كلما بدأ يفقد وعيه. وقد يغيب المريض عن الوعي بالكامل وهنا مكمن الخطورة. وفي حال شعر المريض بالإعياء وبدء فقدان الوعي وظهور الأعراض السابقة لا بد من أن يتوقف عن الصوم فوراً.
الحقيقة أن الاحتفاظ بجهاز مراقبة السكر مسألة مهمة جدا. فعندما يشعر المريض بالهبوط عليه قياس نسبة السكر في الدم، ولكن إذا رأى أن نسبة السكر طبيعية عليه مراجعة الطبيب لأن المشكلة ليست من السكر بل من علة مرضية أخرى. ولكن إذا لم يكن لديه جهاز لقياس السكر، ففي هذه الحالة عليه أن يتوقف عن الصوم ويقوم بمراجعة الطبيب فوراً.
وأقول إذا رأى المريض أن مستوى السكر طبيعي عند ذلك لا بد من مراجعة الطبيب للتحقق من السبب. من فوائد رمضان الكبيرة تخفيف العبء عن القلب وخفض الوزن مهم للغاية في هذه الحالة لإسهامه بصورة كبيرة في ارتفاع السكري وانعكاس ذلك على صحة القلب.
الأمر الآخر الذي يجب على مصابي السكر البدناء التنبه إليه هو احتمال إصابتهم بما بات يسمى الآن «فاتي ليفر»أو تشحم الكبد الذي يعد السبب الأول لتليف الكبد، وهذه معلومات حديثة جدا. والأكثر خطورة أن من مضاعفات تليف الكبد هي الإصابة بالسرطان. وبما أن السبب الأول لهذه الحالة هو زيادة الوزن فإن الأحرى بالمريض أن يشرع بتخفيض وزنه فورا خشية من هذه المضاعفات الخطيرة.
لقد بات من شبه المؤكد أن تشحم الكبد حالة مرضية بالغة الخطورة والحل هو تخفيف الوزن. الموضوع الآن خطير جداً، ولكن له علاج هو إعادة تنظيم الوضع الصحي، والشفاء ممكن جداً، ويبقى الأمر بيد المريض وقدرته على التحمل بإتباع حمية، والصوم هو الوسيلة الأكثر فعالية للتخلص من المرض أو الوقاية منه.
والمثير للقلق أن أعداد مرضى تشحم الكبد يتصاعد بصورة كبيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة ولعل السبب يعود، كما أسلفنا، إلى تفشي البدانة في الدولة. ولتشخيص الحالة، يتم فحص المريض بالموجات فوق الصوتية بدلا من أخذ خزعة من الكبد لفحص الحالة، ويرافق تشحم الكبد عادة حدوث اضطرابات في أنزيمات الكبد.
والمهم هنا هو نصح المرضى بالصيام والاعتدال جدا في تناول الطعام عند الإفطار، كما ممارسة التدريبات الرياضية التي تمكن المريض من إذابة الشحوم عن الكبد للتخلص من الحالة المرضية التي إن تفاقمت، كما ذكرنا، فلها عواقب وخيمة.
استشارة الطبيب
كما أن من المهم قبل بدء الشهر الكريم أن يتوجه المريض بالنوعين الأول والثاني لمرض السكري إلى الطبيب لاستشارته بخصوص الصوم لأخذ المشورة والنصيحة فيما يتعلق بإمكانية الصوم وتناول الدواء أو ما يخص الوجبات الصحية. وسيوصي الطبيب ما إذا كان باستطاعة المريض الصوم أم لا. وهناك مرضى داء السكري يصومون، لكن ما أن يشعر بالأعراض السابقة أي الدوخة والتعرق ورجفان الأيدي فعليه الإفطار فورا ومراجعة الطبيب.
هناك من المرضى من يعاني من السكر وأصيب بالتهاب الأعصاب على نحو متقدم، فمثل هؤلاء لا نوصيهم بالصوم. ومثل هؤلاء عندما يهبط عندهم السكري يفقدون الوعي فجأة أو يصابون بنوبة تشبه نوبة الصرع ويصاحب ذلك أيضا اختلاجات في الجسم قبل فقد الوعي.
والواقع فإن الصيام بالنسبة لهذا المريض آثاره خطيرة للغاية لأنه عندما يفقد وعيه يمكن أن يفقد حياته أيضا. والأخطر من ذلك أن المريض قد يفقد وعيه دون أن تظهر عليه الأعراض السابقة مثل الرجفان والتعرق. وهؤلاء هم مرضى سكري من النوع الأول.
وهناك مرضى من النوع الثاني يعانون من تقدم في الإصابة بالسكري ويأخذون أنسولين. وعادة نتجنب إعطاء هؤلاء أدوية تخفيض نسبة السكري لأن إعطاء مثل هؤلاء هذه الأدوية يمكن تسفر عن مضاعفات قد تعرض حياة المريض للخطر.والحقيقة فإن غاية المريض هو شفاؤه مما هو فيه وليس إلحاق الضرر به، حيث يقول المثل «إذا لم يتحسن مريضك لا تؤذيه!»
إذن غايتنا هنا أن نسيطر على السكر، ولذلك فإن مراقبة المريض مهمة للغاية لمعرفة ما إذا كان السكر لديه يهبط بسرعة، ومثل هؤلاء لا نقدم لهم الأدوية التي تخفض السكر بسرعة بل نقدم لهم الأدوية المعدلة مثل الميفورفين ( الجلوكوفاج) والمركبات التي لا تعمل على هبوط السكر سريعا بل ببطء وبالتدريج.
وهناك نقطة مهمة يجب الإشارة إليها وهي أنه في حالة أخذ المريض إبرة الأنسولين ينبغي أن يتناول الطعام خلال النهار لأنه ينبغي أن يخاف من هبوط السكر إلى مستوى خطر. فهو أيضا إن لم يأخذ الأنسولين يخاف أن يرتفع السكر إلى مستويات خطرة تهدد حياته. ولكن غالبا لا يحدث الأمر في هذه الأيام لأن معظم المرضى بالسكري لديهم الوعي الكافي حول الأعراض التي يصاب بها المريض لو انخفض السكر، وفي حال حدوث ذلك لا يمضي قدما في الصوم بل يتوقف عنه ويتناول بعض السكر لتجنب الإصابة بالدوخة وبفقد الوعي لاحقا.
وعلاج مثل تلك الحالات في رمضان هو أن يقسم المريض جرعاته إلى أقسام منها قبل السحور بنصف ساعة. وينبغي على المريض أن يتناول طعام السحور بنصف ساعة للحصول على الغلوكوز عن طريق الطعام قبل البدء بالصوم، ولذلك على مريض السكر أن يتسحر ويأخذ نصف الجرعة ويراقب حالته الصحية أثناء النهار لأن المريض سيلاحظ بعد أيام من الصوم كمية الجرعة التي يمكن تناولها.ويصبح كل مريض طبيب نفسه في هذه الحالة.
فالناس الذين لا يطلب منهم الصوم في رمضان إذن قلائل. ومن الناحية العملية فإن الشخص الذي يصاب بهبوط شديد في السكر دون ظهور علامات عليه مثل فقدان الوعي، اختلاجات ظاهرة، ننبه إلى ضرورة التوقف عن الصوم، لا يوصى بأن يصوم. وأنصح دائما بمراجعة الطبيب قبل حلول الشهر الكريم للوقوف على الإجراءات التي ينبغي على المريض القيام بها قبل رمضان. كما ينبغي على المريض مراجعة الطبيب فوراً في حال شعوره بأي مشكلات.
وأعتقد أن مشكلة المشكلات في رمضان هو الإفراط في الطعام. ولكن من خلال تجربتي في السعودية رأيت هناك عادة ممتازة خلال الشهر الكريم وهي أن الصائمين يكتفون بشرب الماء وبضع حبات من التمر عند الإفطار قبل التوجه إلى المسجد لصلاة المغرب، وبهذه الطريقة يمكن للمريض أن يفقد الكثير من رغبته في الإفطار، ويصبح بذلك طعامه معتدلاً