بعد مرور ثلاث سنوات على موت شقيقه إثر حادث مفاجئ، أحس سعيد. م بأن كل شيء قد تغير في حياته ولم يعد يحتمل وطأة الحادث الأليم، وأصبح منطوياً على نفسه منعزلاً بغرفته لا يشارك في المناسبات ولا يستمتع بوقته كما كان في السابق.

أصبح يرفض الخروج، وقطع علاقاته مع الجميع حتى أقرب الناس إليه، وإذا صدف وإن زاره أحد أصدقائه في المنزل لا يلبث أن يجلس قليلاً ثم يغادره بسرعة لأن سعيد أصبح مملاً و قليل الحديث. وكان لا يبتسم أبداً ويجلس مقطب الحاجبين ويسير محني الرأس وشهيته للطعام أصبحت شبه معدومة، والأهم من هذا كله، أصبح الأرق يلازمه دائماً.

وعند الحديث مع سعيد عن سبب هذا التدهور الصحي الذي هو فيه أجاب: بعد موت شقيقي أصبحت الحياة لا تعني لي شيئاً، لأنه لم يكن شقيقي فحسب، بل أكثر من ذلك، وكانت جلسته هي المفضلة عندي، لأنه كان بئر أسراري، وبعد موته شعرت بفراغ كبير، وأصبحت أنظر للمستقبل بمرآة سوداء، لا شيء فيها من التفاؤل.

كما أنني لم أعد أستمتع بشيء حتى أحب الأشياء عندي والتي كانت تبعث السعادة في نفسي، وكنت قبل أن أبتعد عن أصدقائي وأهلي أجلس معهم حاضراً وغائباً واستمع لكل ما يقولونه حتى النكت، ولا أشعر أنها ذات معنى واستسخفها واستغرب من شدة ضحكهم عليها، وحتى أن شقيقتي الصغيرة التي كنت أقضي معها وقتاً طويلاً في اللعب ابتعدت عني، لأنني أصبحت مملاً وعصبياً ولا أشاركها الضحك واللعب أو حتى الكلام، كما أن مظهري الخارجي أصبح هزيلاً بسبب عدم تناولي الطعام، وأصبحت أشعر بألم في المفاصل والمعدة وعانيت من صداع مستمر ودوخة.

والدي من ناحيته لم يقصر، فقد قام بإجراء جميع الفحوصات لي عند طبيب الباطنية ولم تشر النتائج إلى أي شيء، وحاولت أن أتخلص من حياتي أكثر من مرة كأن التهم عدداً كبيراً من الأدوية أو أن أحرق نفسي أو ألقي نفسي من النافذة، ولكن الحمد لله اقترح علي والدي مراجعة الطبيب النفسي، فلم أعارض الفكرة حيث إن كل شيء بالنسبة لي عادي وأنا أعيش دون أمل أو هدف، وبعد جلسه مطولة مع الطبيب ومحاولته استدراجي للبوح بما في داخلي،

قال لي إنني أعاني من اكتئاب حاد، ووصف لي أدوية عدة، وأضاف أن نتائج العلاج تحتاج من أسبوعين إلى ثلاثة لتظهر. وقال لي أني سأستطيع النوم والاسترخاء، لكني خرجت من عنده غير مرتاح ولا مسرور، لكن لحظة وصولي إلى المنزل تناولت العلاج، وبعد فترة قصيرة ذهبت بسبات عميق جداً، كون جسدي محتاجاً للنوم،

وبعد مرور أسبوع بدأت تظهر أعراض جانبية مزعجة للدواء، منها جفاف الحلق وزغللة العيون ومشكلات في البول وطنين في الأذن، لكن مع كل هذه الأعراض تابعت تناول الدواء أسبوعاً ثانياً، لكن لم أستطع بعدها التحمل وذهبت للطبيب، وعددت له الآثار الجانبية المترتبة عن تناول الدواء، فقام بتغييره بآخر،

وقال سعيد أتناول العلاج الآن منذ 8 شهور والحمد لله تحسنت جداً عليه واختفت المضاعفات الجانبية، وأيضاً أصبحت الغمامة السوداء التي على صدري تختفي شيئاً فشيئاً، وعدت الآن قليلاً لما كنت عليه في السابق وأحاول استرجاع جميع علاقاتي مع أصدقائي والعائلة بعد ما كانت منقطعة تماماً، وأتمنى الآن التخلص من الاكتئاب بشكل نهائي.

سمانا النصيرات