التفكير اللامعقول والذي راودني هذا الأسبوع كان يراودني من قبل ولكن حقيقة الكلمات كان أكثر وضوحاً وحدة «لي ستة عشر عاماً انتظر اللحظة التي أتحاور فيها كأم وابنها».
ولدي عمران الذي يفضل اسم «ايمي» مصاب بالتوحد وقد كان قبولنا لهذه الحقيقة يسير بمنتهى البطء، لقد تعايشنا مع هذا الاضطراب وتعايش معنا.
ولد عمران في شهر أكتوبر 1988 وقد حبس جماله أنفاسي فقد بدا لي كالهندي الأحمر ببشرة بيضاء وشعر اسود لقد انجذبت إليه وأحببته من أول لحظة رأيته فيها، خلال تلك اللحظات كنت أسأل الممرضة باستمرار عن جماله وهل تراه جميلاً أم أنها عين الأم التي ترى وليدها الأجمل.
لقد وجدت من الصعوبة بمكان أن يشاركني فيه أحد، كنت أريد أن أقضي جل وقتي معه، ومع مرور الوقت أيقنا أن هناك شيئاً ما غير طبيعي بالرغم من أن تطوره النطقي كان مقبولاً في البداية حيث البأباة موجود كبقية الأطفال في مثل سنه،
ولكن عندما تأخر في نطق كلماته الأولى عرفنا أنه أقل في منحى تطوره اللغوي عن أقرانه، عندها بدأت رحلتنا الطويلة مع المهنيين والأطباء وأخصائيي النطق والأخصائيين النفسيين وأطباء الأطفال.
وبعدها أصبحت كل كلمة ينتجها ايمي تعني احتفالاً وتقابل بالحماس والتصفيق كما لو أننا في لعبة تنافسية وبعدها الجمل التي كانت تزيد سعادتنا وتجعلنا نقول متى يستطيع ايمي أن يطلب شيئاً ما؟ لا أقوى على انتظار أن تطول جملة ايمي،
وبعد بعض الوقت استطاع ايمي أن ينجز ما كنا نتمنى حيث أنجز الكثير فيما يتعلق بالقراءة والكتابة، كانت قراءته تفوق فهمه للكلمات، كان طالباً مميزاً يجيب على السؤال تلو السؤال، هو الآن قادر على الإجابة على الأسئلة ولكنه يجد صعوبة في فهم الإجابات البسيطة والمجردة، كان كل هذا رائعاً لكننا نريد المزيد.
مع القليل من التفكير تجد مدى الصعوبة التي يواجهها هؤلاء الأطفال كي يتلاءموا مع المجتمع من حولهم، وكيف ان مجرد الجلوس في السيارة او المشي في مركز تسوق أو الذهاب إلى حفلة يكون بغاية الصعوبة والتعقيد.
ان حياتنا مع عمران هي محاولات مستمرة لفهم ما يجب وما لا يجب وماهو الجواب الحقيقي وماهو الجواب المتعلم، أرجو ألا تسيئوا فهمي فإيمي ولد رائع وذكي يملك روح الدعابة، لكننا نسأل أنفسنا احيانا هل نعرف ايمي فعلا؟
طفل مختلف
نحن نرى طفلاً يتطور إلى شاب يافع جميل والذي لابد لنا من حمايته كطفل صغير، حيث يحب ان يلعب بألعابه على الارض وان يتحدث بأعلى صوته في أوقات غير ملائمة، وان يضحك على أشياء لا يجب ان يضحك عليها،
كما انه يحاول تقبيل الصغار ولاحديث مع الغرباء، «وجل مشكلاته انه لا يفهم قوانين العالم الذي يعيش فيه»، ولكنه يعرف فقط ان يفعل ما يحلو له ويشعر بالراحة «تخيل كم ستكون سعيداً إذا أحسست بهذه الحرية».
إن وجود طفل مختلف في حياتنا علمنا الكثير من الأشياء الرائعة، كما اعطانا القوة والحافز لكي ننظر دائما إلى العمق وان نرى اكثر من مجرد القشور، هناك الكثير من الأسئلة التي نود ان نسألها لعمران ونرجو منه الاجابة، منها اذا كان يمانع في صديق ما اخترناه له،
ام انه يفضل ان يلعب الكرة مع شخص آخر، كم فتاة جميلة تلتفت لتنظر اليه وهو يسير في الشارع، ولكن في الحقيقة نحن نريد ما يفكر فيه إيمي من الداخل، وان يعرف أننا نحبه، وسنحبه دائماً، وان يعرف مدى السعادة التي ادخلها على قلوبنا وجعلنا نحس ان كوننا مختلفين كان شيئاً رائعاً، وان يكون لنا ولد له قلب كالملاك وأننا لن نقابل انساناً يمثل العطاء والمحبة مثلك يا عمران.
ان السبب وراء كتابة هذه الكلمات هو بث الأمل لغيري من الأهالي وان اقول لهم بأنه رغم ان لك طفلا مختلفاً وغير قادر، الا ان هذا يجعلك اقدر على تغيير التوقعات والعقبات التي تواجهنا،
كما ان خيبة الأمل هي ما ينبع داخل نفوسنا والتي يمكن ان تغيرها إلى رغبتنا القوية بالتغيير والتحدي وان نتذكر ان الاطفال سواء كانوا طبيعيين او معوقين الا ان لهم الحق في الحياة والسعادة التي لابد أن تملأ حياتهم، أحب ان اضيف ان لنا ولدين رائعين اضافة لعمران هما أيمن وعمر ونحن نحبهم بقدر ما نحب عمران، هو سعيد جداً في مركز دبي للتوحد حيث تشكل اسرة المركز أسرته الثانية.