كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن استنساخ الكائنات الحية، أو لنسمه «الاستنساخ الأحيائي» وهو العلم الذي يتناول بعث نسخة جديدة من كائن حي - قد يكون ميتا - أو ما زال حيا - ولقد أثار هذا الموضوع جدلاً كثيراً بين العلماء والفقهاء ورجال الدين - المسلمين والمسيحيين، وحتى رجال السياسة كذلك - خاصة حينما طرحت فكرة استنساخ الإنسان، بين مؤيد ومعارض.

إذا نظرنا إلى الاستنساخ نظرة نفعية لوجدنا أنه شكل من أشكال تدخل الإنسان في الطبيعة، أو بشكل من أشكال قولبتها باتجاه يخدم مصلحة هذا الإنسان أساساً، والإنسان يتدخل في الطبيعة منذ الخليقة، ولم يكن ذلك مثيراً للقلق يوماً ما. فالإنسان يبني السدود ويحوِّل الأنهار ويحيي أراضٍ جرداء ويميت نباتات ضارّة ويبيد الحشرات والمكروبات ويقضي على بعض الحيوانات وذلك كله لا يثير حفيظة رجل دين أو سياسي.

وقد كان أحد أوجه تدخل الإنسان في الطبيعة هو تدخله في التركيب الجيني (الوراثي) للمادة الحية، وتمكن الإنسان من تغيير التركيب الجيني للعديد من النباتات فأصبحت مردوداتها الاقتصادية أكثر وفرة. وتمكن من إصابة بعض الحشرات بالعقم بالتشعيع، فأصبحت غير قادرة على التكاثر وانقطع نسلها، والآن تقدم الإنسان خطوات كبيرة باتجاه التدخل في التركيب الوراثي، فتمكن من استنساخ حيوان كامل، كما تمكّن بالمقابل من القضاء على فيروس قاتل هو فيروس مرض الجدري.

ولأن تلك الخطوات كانت حبيسة المختبرات، ولأن العديد منها كان يخاطب النفع المادي المباشر للإنسان، فإن ذلك لم يكن يثير حفيظة احد بل انه كان يلقى كل الدعم من قبل الهيئات الحكومية وغير الحكومية وقلما بادرت هيئات اجتماعية الى مناقشة مشروعية التدخل في التركيب الوراثي للنباتات او الحشرات مثلا. ولكن الانسان الآن خطا خطوة كبيرة في هذا الاتجاه فتمكن من استنساخ حيوان كامل اعتمادا على قدرته على التدخل في الجينات فأصبحت المسألة اكثر وضوحا للعيان واصبحت تخاطب العقول والعواطف والمباديء معا على نحو اجل بكثير مما كانت عليه سابقا.

فاستنساخ الحيوان - يعني امكانية استنساخ الإنسان أيضاً - ان الاستنساخ يعتمد على المباديء الوراثية الاساسية التالية واولها ان خلايا جسم الانسان والحيوان نوعان اساسيان اولاهما الخلايا الجسمية وهي التي تحتوي على العدد الكامل من الكروموسومات وبالتالي فانها تحتوي كل المادة النووية «الجينية» اللازمة لنقل الصفات الوراثية، وهي خلايا موجودة في كل الجسم ولكن ليس لديها القدرة او ذات قدرة محدودة على التكاثر.

والثانية هي الخلايا التناسلية ذات القدرة على التكاثر وتوجد فقط في الغدد التناسلية ولكن كلا منها يحتوي على نصف عدد الكروموسومات وبالتالي تحتوي على نصف المادة النووية الوراثية «الجينات» وكل خلية جنسية من احد الجنسين تتحد مع خلية جنسية من الجنس الآخر تشكلان خلية جديدة هي النواة المخصبة التي تحتوي على كامل المادة النووية الوراثية وتبدأ بالانشطار لتكون جينا متكونا من عدد هائل من الخلايا كل منها يحتوي على العدد الكامل من الكروموسومات.

بالطبع إن هذا أيضاً شكل من أشكال تدخل الإنسان في الطبيعة الحية. إنه ليس خلقاً. فالخلق هو قدرة مقصورة على الذات الإلهية فقط. فالإنسان هنا استلم مادة وراثية جاهزة الصنع وجاهزة الخلق بأحسن تقويم - الإنسان لم يصنع المادة الوراثية (فصنعها سر دفين)، وقام بحقنها في خلية هي غير خليتها الأصلية وحصل بالتالي على نتائج باهرة يمكن لها أن تصب في ذات الأهداف النفعية من جراء تدخله في الطبيعة،

ولأجل ذلك فإن الاعتراض يجب ألا ينصب على آلية التدخل المذكور وإنما على غاياته - فلو كانت غاية الإنسان إنتاج عدد كبير من الحيوانات والنباتات المفيدة له والفوائد هنا جمة - فالنعجة دولي تعطي اللحم وتنتج الحليب وتوفر الشعر ويمكن أن يصبح أحد أعضائها بديلاً عن عضو تالف في جسم الإنسان، فحينذاك لا اعتراض على العملية كلها.

وإذا تمكن العلم من استنساخ عضو من أعضاء الإنسان - وليس الإنسان كاملاً - فإن هذا سيعود بالنفع الكبير على بني البشر - فلو أخذت نواة خلية كبد تالف في إنسان مريض، وحقنت في خلية مستقبلية لها القدرة على التكاثر، فانه قد يكون من الممكن الحصول على كبد جديد لهذا الإنسان - وسيكون هذا الكبد مقبولاً تماماً من جسم الإنسان ولن يجابه بالرفض - فإن النتيجة ستكون حينذاك باهرة جداً.

وقد يسأل سائل - لمإذا لا نترك تلك الخلية الكبدية لتنمو بذاتها إلى كبد جديد داخل جسم الإنسان - وبالتالي يتم استئصال الكبد القديم، فتقول لان الخلايا الجسمية ذات قدرة محدودة على التكاثر وبالتالي فإنها لا تستطيع التعويض على عضو تالف باكمله - ربما عن جزء منه - والتعويض عن العضو المفقود تسمى ظاهرة (الاخلان)، وهي ظاهرة تتزايد محدودية كلما ارتقى الحيوان في سلم التطور، فحص ظاهرة واسعة في الحيوانات الدنيا - كالديدان مثلاً - التي تستطيع تعويض أجزائها التالفة - ولكنها محدودة جداً في الإنسان - يسبب تخصص تلك الخلايا إلى درجة كبيرة.

إن ذلك يثير معضلة أخرى أيضاً. كم ستستغرق عملية استنساخ كبد جديد؟ فقد تمضي الأشهر والسنوات يكون الكبد قد وصل إلى الحجم المطلوب ولكن المريض يكون قد توفي مثلاً - وهذا الاشكال قد يمكن حلّه بتوفير سلالات جاهزة ومجمدة من مختلف الخلايا وذات مورّاث مناعية مختلفة - ويتم اختيار البعض منها - والذي يتطابق نظامها المناعي مع النظام المناعي للإنسان المستقبل للعضو الجديد المتكون عنها. وبالطبع فإن هذا شأن مقبول علمياً واخلاقياً ودينيا - والحيوانات مصدر مفيد في هذا الشأن.

ولكن أن يقوم الإنسان بنفس الطريقة بصنع جنين آدمي متكامل، ثم يقتل هذا الجنين لاستخلاص بعض أعضائه، والاستفادة منه في جسم مريض، فإن هذا مستهجن علمياً وخلقياً ومحرم دينياً لأنه قتل إنساناً في كل الأحوال، فلا زال الواقع هو أن الإنسان لم يخلق هذا الجنين، الذي خلقه هو الله سبحانه وتعالى، بالتالي فإن قتله حرام.

وكذا الأمر عند السماح بتكوين إنسان شبيه لإنسان آخر، أي نسخة منه، فما الذي يضمن أن الإنسان الجديد، سيكون على ذات الأخلاق والسجايا للإنسان المستنسخ منه (وقد تكون سجايا شريرة!) والسجايا والأخلاق والعقل يكونها المجتمع والتدريب والعمل ولا تعتمد على المادة الوراثية فقط! وفي جانب آخر سيكون ابناً من هذا الإنسان الجديد؟

من الناحية العلمية انه ابن نفس والدي الإنسان المستنسخ منه! لأنه أعطاه ذات المادة النووية التي استلمها من أبويه. وهكذا إذن فإن المستنسخ والمستنسخ منه هما أخوان توأمان، كما هو حال التوائم الناتجة عن انشطار البويضة الملقحة إلى جنينين متشابهين. فهل سيعترف الأبوان ببنوة هذا الوليد الجديد؟ ولأجل ذلك أعتقد أن استنساخ الإنسان محرم أيضاً، لأنه سيثير مشكلات اجتماعية ودينية أخلاقية، بل وحتى سياسية لا حصر لها.

أما تعديل التركيب الجيني للإنسان، فهذه مسألة يجب التوقف لديها طويلاً. فتعديل التركيب الجيني للحيوانات والنباتات استهدف لحد الآن مصلحة الإنسان، ومع ذلك فإن هناك نظماً تقيده وتوجهه، لمنع حصول تعديل باتجاه خطير، سواء عن طريق الخطأ المقصود أو غير المقصود. وليست الروايات والأفلام السينمائية والتلفزيونية عن الحيوانات التي تم التلاعب بتراكيبها الجينية وأصبحت بالتالي شريرة، ليست ضرباً من الوهم بشكل مطلق، إنها أمور يمكن أن تحدث على مستوى الحيوان والإنسان معاً،

ولذلك فإن حذف جين غير مرغوب فيه، أو إضافة جين مرغوب فيه (والجين هو الوحدة التي تحمل الصفات الوراثية) إلى التركيب الوراثي للإنسان، وذلك حيث الجنين في طور النمو داخل رحم الأم، يجب أن يكون عملية تحت رقابة صارمة ومحددة بقوانين لا تقبل تأويلات متعددة، فهذا الجين الإضافي متى أضيف إلى التركيب الوراثي للإنسان، فإنه سيمتد مع التركيب الوراثي للإنسان حتى يرث الله الأرض،

ويمكن أن نتصور مإذا سيحدث للخليقة والبيئة لو كان هذا جيناً يحمل صفات سيئة غير مرغوب فيها، مقابل ذلك فإن حذف جين من التركيب الوراثي لهذا الجنين، سيمتد أثره إلى الأبد أيضاً، وبالتالي فإن حذف جين يحمل صفات مرضية سيبقي الإنسان على المدى البعيد آثار ذلك المرض، وبالتالي فإنه سيحسن حياة الإنسان ونوعيتها، وهذا هدف نبيل دون شك، ولكن عملية التدخل الجيني المذكورة (إضافة أو حذفاً) قد تكون مصحوبة بمضاعفات، ليس أقلها حصول الطفرات الوراثية التي قد تؤثر على الجين المضاف أو على جينات أخرى.

وتلك الطفرات الوراثية لا يمكن اكتشافها لحظة حدوثها، لأنها تحدث في مستوى الحامض النووي نوع D.N.A والذي يشكل جزءاً من الجين وليس كل الجين في الحقيقة. وربما يكون على العلماء أن ينتظروا عدة أجيال لكي يكتشفوا تأثير تلك الطفرة الوراثية في التركيب العضوي للإنسان ولنا أن نتصور ما يلي: الكثيرون منا قد جابهوا بعض الاحراجات وربما المشكلات - عند تعاملهم مع توأمين متشابهين.

التوأمان مع ذلك يمتلكان العديد من الصفات التي تميزهما عن بعضهما، وبالتالي تتيح لهما تجنب العديد من المشكلات الاجتماعية والقانونية - أما الإنسان المستنسخ والمستنسخ منه - فإنهما سيكونان متشابهين من الناحية الشكلية بشكل مطلق - وبالتالي فإن المشكلات ستكون لا حصر لها. وقد يذهب أحدهما ضحية لنشاط عدواني موجه أصلاً ضد النسخة الآخر - أو بالعكس قد يستفيد أحدهما من امتيازات يتمتع بها حامل النسخة الأخرى، هنا أيضاً توجد احتمالات عديدة وآفاق عديدة نوجزها فيما يلي:

1 - لو كان الإنسان المستنسخ منه طفلاً صغيرا - فإن الإنسان المستنسخ سيشبهه حتماً - ولكن عامل الزمن - وهو فرق العمر بينهما - والذي يجب ألا يقل في جميع الأحوال عن تسعة أشهر قد يتيح التمييز بينهما، وكلما زاد عمر الطفل ازداد احتمال التمييز بينهما.

2 - ولكن عملية الاستنساخ يمكن أن تجري بأن يكون المستنسخ منه جنيناً، عمره بضعة أسابيع، وبالتالي فإن نقل نواة من جسم هذا الجنين إلى خلية بويضة منزوعة النواة ثم زرعها في رحم امرأة أخرى (أو ربما في رحم نفس المرأة) ـ سيعني أن الفرق بين عمري الجنينين لن يكون أكثر من بضعة أسابيع - وبالتالي فإن التفريق بينهما - بعد الولادة - سيكون ضربا من المستحيل إلا إذا كانت قد أصابت أحدهما طفرة وراثية ما - تميزت من بعض صفاته، وهذا احتمال وارد ولكنه ضعيف.

3 - قد يرغب الأبوان المحرومان من الأطفال لفترة طويلة - ثم تأتيهم رحمة من رب العالمين، قد يرغبان في طفل آخر شبيه، وليكن شبيها بالأول وذلك لكي يعوضا ما فاتهما من زمن، وليسقطا احتمال أنهما لن ينجبا بعد ذلك - أو ليسقطا احتمال موت الجنين أو الطفل... وغير ذلك. مإذا سيقول العلم والشرع؟ حيث أن طلب الوالدين مشروع؟

5- ليس من المستبعد أن يستغل أحد المستنسخين لغرض إيقاع الأذى بالآخرين، أو إنه هو نفسه سيستغل صفه الشبه الكبير مع إخوانه ـ لإيقاع الأذى بهم أو لغرض الحصول على بعض امتيازاتهم أو كلها.

د. جنان قاسم الخياط