السلم والهدوء مبتغى كل أمة وجماعة وعائلة، وتخلف الحروب التي تحمل في طياتها استخداما للأسلحة المتنوعة الأشد فتكا بالأبرياء آثارا كارثية على المجتمعات. فاستخدام القنابل العنقودية وغيرها من الأسلحة المحرمة دوليا يؤدي الإصابة بها إلى ظهور حالات مثل الإعاقات طويلة الأمد والتي لا يمكن علاجها، بالإضافة إلى ذلك فإن دخول اليورانيوم المنضب للمعركة تنتج عنه آثار بيئية سلبية تسبب عقما عند النساء إضافة إلى أنواع مختلفة من السرطانات وخاصة عند الأطفال.
وفي الحروب يتم تخريب المؤسسات وتدمير الأبنية والمراكز المختلفة، مما قد يعرض المختبرات المختلفة والمواقع الإشعاعية والنووية للتخريب والتدمير والتي قد ينتج عنها كوارث بيئية تطال العالم كله. وللحروب تأثيرات مباشرة على الأسر وخصوصا الأطفال والنساء بسبب القتل والتهجير وهي كالتالي.
الابتعاد عن الوطن
إن الحرب تؤدي إلى هجرة الأسر من مواطنها الأصلية إلى أماكن أخرى مختلفة وذلك قد يكون قبل الحرب أو خلالها وقد يكون بسبب تهدم البيوت والمساكن، مما يدفعهم للبحث عن ملجأ آمن والذي بدوره يؤثر على الخارطة الديموغرافية للمجتمع، فقد تكون الأسر المهجرة أكبر عددا من غير المهجرة وتضم عددا كبيرا من الأفراد الأمر الذي سيشكل عبئا على المعيل مما يؤدي لحرمان جميع الأطراف من مختلف مزايا الحياة الكريمة،
وذلك يؤدي لإصابة الأطفال خصوصا بالعديد من الأمراض النفسية بسبب الفقر والبؤس ناهيك عن الأطفال الذين ينشأون بين عائلات بديلة، والنساء اللواتي يفقدن أولادهن وأزواجهن وما سيعانينه جراء ذلك من أزمات نفسية وصحية واجتماعية سيكون لها آثار سيئة على حياتهن في المستقبل.
براءة الأطفال
يعد الأطفال من أكثر فئات المجتمع عرضة للأذى والدمار السريع وخصوصا البيئي، فالطفل بطبيعته ينظر ببراءة لكل ما حوله فهو بفطرته السليمة يحمل الحب والرحمة والحنان لكل شيء، ولهذا هو غير قادر على شن الحرب على أحد، وهو أيضا يقوم بربط الحرب في حال حدوثها بذاته حيث يتصور نفسه المقصود من الحرب دون أن يعرف السبب، فيقوم باختلاق السبب ويشعر نفسه بأنه الشخص المنبوذ، ما يزيد من حالته النفسية ألما وتعقيدا، وخصوصا إذا كان هنالك أطفال من ضمن الضحايا،
فهو يتوقع الموت في كل لحظة ويعيش الكوابيس والأحلام المزعجة، ويعاني أمراضا عديدة ومشكلات صحية منها التبول اللاإرادي، وآلام الرأس والمعدة وسببها نفسي جراء العنف، بالإضافة إلى الإصابة بضعف نمو اللغة نتيجة الحديث المتواصل مع الكبار عن الحرب وعدم توفر الوقت لتبادل الأحاديث الجميلة معهم، لهذا تظهر حالات التلعثم والثأثأة أيضا بشكل متزايد، ويجب أن لا ننسى أيضا أن الحرب تعني تدمير المدارس ومعنى ذلك حرمان الأطفال من إكمال التعليم، ناهيك عن حالات الإعاقة والحروق وتشتت الأسرة التي يتعرضون لها.
ظلم المرأة
تضع الحروب والنزاعات على كاهل المرأة حملا ثقيلا، فمخاوفها لا تقتصر على خوفها من الدمار والاضطرابات والإصابات والموت، بل هي تمتد لما هو أعمق من ذلك فهي معرضة لعمليات الاغتصاب والتعذيب والأذى الجسدي والجنسي والاستعباد الجنسي والاقتصادي، بالإضافة إلى الزيجات الجبرية،
وأيضا تضطر المرأة إبان الحروب إلى إعالة أسرتها وأطفالها لغياب الرجل، حيث ترتفع نسبة العائلات التي تترأسها المرأة، مما يعني زيادة نسبة الفقر، و تفرز الحرب أيضا تغيرات اجتماعية بعيدة المدى، فالمرأة التي تعيل أسرة كبيرة تجد صعوبة في الزواج وتكوين أسرة، بالإضافة إلى ذلك فإن نسبة الذكور تقل إلى حد بعيد مما يهدد البنية الاجتماعية للمجتمعات، وقد تتولد عادات جديدة لم تكن موجودة سابقا.
الحرب وصحة الأسرة
يمكننا القول إن آثار الحروب على الأسرة باتت عديدة ومتنوعة. فالأثر البيئي بفعل الأسلحة الكيميائية المتطورة يكون عميقا، وآثار تدمير وحرق المنازل والمدن خطيرة أيضا، ما ينذر بكارثة صحية ونفسية، وانتشار الأوبئة كالكوليرا والحمى السوداء والملاريا، والتي غالبا ما يكون سببها عدم توفر المياه الصالحة للشرب وافتقاد الخدمات العامة الأخرى.
ولسوء الحظ فإن آثار الحروب تبقى في أفرادها على الرغم من انتهائها، فهم يسترجعون مآسي الحرب من تدمير وحرق وغياب الأحبة والهجرة، وفي تقارير للأطباء النفسيين إن الذين يسترجعون وقائع الحرب في شريط ذاكرتهم يعانون من حالات وأزمات نفسية كمن مازال يعايش تلك الحروب ولكن بدرجة ما، وبسبب ذلك نجدهم يعانون من الصداع الدائم والألم والاختلال المتكرر في الذاكرة.