قالها بمرارة، وفروا لنا الأكياس الحافظة للجثث في البرادات، قبل أن تنهش الكلاب الضالة جثث الشهداء.
هذا ما طلبه مدير أحد المستشفيات في لبنان الجريح، الذي لم تعد تحلق في سمائه الطيور، بل طائرات العدو الوحشية، التي تقصف السكان والمدن، لقد هجرت العصافير المغردة والنوارس الحزينة اغصانه وبحره، لم تعد حتى الملاجئ آمنة، لأن ثمة أجندة خفية للحرب، التي لن تجلب إلا الدمار والخراب والفقر والمرض والقهر.
أمراض معروفة، وأخرى تظهر بعد حين. ساحة الحرب الحقيقية هي في أرض المعركة، أما ساحة الحرب النفسية فهي تنتشر في كل مكان، في بيوتنا وأماكن عملنا، والشوارع والمقاهي، أليس من حق الأطفال أن ينعموا بالصحة والسلام والأمان. أين تلك الشعارات التي تطلقها المنظمات الدولية كحق الشعوب في الصحة والسلام، مصالح صغيرة تدمر حياة الملايين، دون ان يصدح صوت يئن صداه معلنا أوجاع الكبار وآلام الصغار، ولعنات الضحايا تحت الأنقاض، الذين يلقون حتفهم دون أن تصل إليهم يد المساعدة.
أوقفوا الحرب.. عيون الأطفال البريئة التي نجت من الوحشية، لن تنسى أو تختفي من مخيلتها مشاهد الدمار. الألعاب النارية في موسم الاحتفالات سيذكرها بمشاهد الحرب، والدموع لن تغسل أدران الحرب الدفينة التي عششت في النفس، أي صوت مفاجئ سيثير توترها، ويولد نوبة عويل لا تنتهي. أحلام الأطفال الوردية باتت محاطة بالأسلاك الشائكة. أطفال الحرب لن يعرفوا طعماً للنوم الهانئ، لأن قذائف الحرب لا تهدأ ليلا. بينما ينام الآخرون، فإن ضحايا الحرب من أطفال ونساء وشيوخ يقتلون ويشردون.
أوقفوا الحرب... نحن بحاجة إلى وقف هذا النزيف المستمر لأن الإمدادات مهما عظمت لن تسد رمقا. فالدماء قد خضبت الجدران وصبغت العشب الأخضر باللون القاني، ظلام الليل يتصل بضوء النهار وما من مغيث لطفل رضيع، شهداء وجرحى ومشردون دون ملجأ آمن.
بيوت مهجورة، وأبواب مفتوحة، صرخات النساء ودعاء المسنين، وبكاء الأطفال، هذه هي حصيلة الحرب الوحشية التي ستطال الجميع. أي حلم نسعى إليه، صوت مبحوح وآخر مجروح، وعيون حزينة، وقلوب ثكلى، وشفاه شاحبة لن تعرف طعماً للابتسامة.
أوقفوا الحرب.. تلك الطفلة التي عرضها تلفزيون دبي الأسبوع الماضي أثناء إطلاقه لحملة الإغاثة بالتعاون مع المؤسسات الإعلامية والخيرية المختلفة في الدولة، لم تفقد أفراد أسرتها فحسب، بل فقدت إحدى عينيها كيلا ترى الحقيقة بصورتها الجلية ، هذه هي غاية الحروب، تشويه الحقائق وتدمير القيم، وقتل الأبرياء.
أوقفوها واقطعوهم قبل ان يقطعوا أشلاء من تبقى تحت الركام. لبنان.. غريق في أرض جافة.. والحياة مازالت تنبض رغم فداحة الموت. أوقفوا الحرب.. لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وانتشاله من تحت الأنقاض.