لقد فطر الله الإنسان كغيره من المخلوقات على محبة واحتضان صغاره والعناية بهم وتقديم كل ما من شأنه أن يساعدهم على الوصول للمرحلة التي يستطيعون خلالها الاعتماد على أنفسهم وتحمل مسؤوليات وأعباء الحياة. تعد مرحلة الطفولة من المراحل الحساسة في حياة الإنسان. فخلالها يتم تأسيس شخصيته التي يتكفلها الأهل الذين عليهم تحمل مسؤولية كبرى في تربية وتثقيف وتأهيل هذا الطفل سواء كان ذكرا أو أنثى، ليكون عنصرا بناء في المجتمع.

وتعد الطريقة التي يسلكها الأهل في تربية الأطفال مهمة جدا بحيث ان أي خلل في توازنها وترجيح كفة الثواب على العقاب أو العكس يؤدي لمشكلات نفسية وصحية لدى الطفل ويكون لها بصمة واضحة على حياته في المستقبل. مصطفى إبراهيم، شاب كان الدلال الزائد الذي حظي به سببا في تعثره واصطدامه بالكثير من المشكلات خلال مسيرة حياته، وقد وجد في حديثه عن مشكلاته ل«الصحة أولا» سبيلا للتفريغ والانعتاق من هذا الحمل الثقيل الذي أفضى، يقول:

كنت طفلا مدللا في العائلة، تعودت أن أجد كل ما أطلبه وأتمناه، ولم يكن والداي يوفران جهدا في بذل كل ما بوسعهم لتحقيق كافة رغباتي. لقد كنت مميزا بين إخوتي وأخواتي، فأنا أصغرهم وعلى الجميع خدمتي وتقديم الرعاية والعطف الكاملين لي، كنت مستمتعا كوني المدلل الذي يحظى بما يريد خصوصا أثناء فترة طفولتي، لكن التأثيرات السلبية لهذا الدلال تجلت بشكل واضح في سن المراهقة حيث كان الدلال الزائد سببا في الكثير من الانحرافات في حياتي خلال تلك الفترة.

علاقات منهارة

«إنه مغرور وأناني»، كلمات كنت أسمعها من قبل زملائي في المدرسة يرددونها وينعتونني بها في ما بينهم، وكعادتي لم أكن أكترث كثيرا لما يقولون، فقد كان همي الوحيد الحصول على ما أريد دون النظر لما يمكن أن أسببه للغير.

هذا ما جعل علاقاتي الاجتماعية مع الناس ليست جيدة وآيلة للانهيار، فقد كنت كثير التذمر لا آبه لمشاعر الآخرين وهاتان خصلتان كفيلتان بإنهاء أي علاقة صداقة كنت أكونها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل امتد ليطال علاقتي مع زوجتي، حيث ان أنانيتي وتفضيل نفسي عن سواي لم يلقيا القبول عندها فقررت الانفصال عني خشية التورط مع إنسان همه الأول في الحياة إسعاد نفسه.

مشكلات العمل

أما بالنسبة للمصاعب والعقبات التي واجهتها في العمل فحدث ولا حرج. لقد تنقلت من عمل لآخر باحثا عمن يهيئ لي الجو العملي الذي أريده. وهذا طبعا أمر مستحيل، فأنت في أي عمل محكوم بظروف وقوانين عليك اتباعها، ولديك مهام عليك تنفيذها، وهذا لم يتماش وما تعودت وتربيت عليه، فاصطدمت بحاجز مسدود لم أكن مؤهلا للتعايش معه،

فبت شهرا أعمل وأشهر عدة أجلس من دون عمل، كنت أتساءل في داخلي عما إذا كنت على صواب وأن الجميع يجب أن يساعدوني كما عودني أهلي، أم أن علي تغيير هذا الوضع والرضوخ لطبيعة الحياة التي تفرض عليك العمل والبذل في سبيل الوصول لمبتغاك، وأن الاعتماد على الغير وانتظار كل ما تريده منهم لن يوصلك لما تريد.

صراع نفسي

بدأت التفكير بنفسي وشخصيتي وكيفية تعاملي مع الآخرين والأحداث التي مرت علي من فقداني لصداقاتي وأفعالي اللامعقولة ونفور الناس مني يلازمني، حتى بت أجلس لوحدي فترات طويلة ما أصابني بكآبة وإحباط سيطرا على حياتي فترة طويلة، وكنت أتساءل هل أنا السبب في ذلك، أم أن التربية التي تلقيتها من قبل أمي وأبي اللذين كانا يكثران في الدلال هي السبب؟ فأنا أحاول جاهدا التخلص من تلك الخصال الأنانية والتفكير في غيري وبالمسؤوليات الملقاة على عاتقي والتي علي انجازها في هذه الحياة، وهأنذا الآن في صراع مع الطفل المدلل الذي سيطر على حياتي لسنين طويلة.

رأي مختص

عن الدلال الزائد وتأثيره على شخصية الإنسان ومستقبله، والإجراءات التي قد تساعده على التخلص من تبعاته حدثتنا بديعة النقشبندي اختصاصية اجتماعية في مدرسة الصالح في الشارقة قائلة: إن من أخطر الأمور التي يواجهها الشخص الذي لقي دلالا زائدا في حياته هو شعوره بالوحدة الناتجة عن نفور الناس من حوله بسبب خصال سلبية في شخصيته كالكسل وغياب روح المبادرة وعدم الشعور بإحساس الآخرين والتعالي عليهم، كل ذلك يخلق منه شخصا غير اجتماعي يبدو منعزلا وكئيبا،

ولعل الإرشاد والتوجيه ولفت نظر الشخص إلى مواطن الخلل في شخصيته تساعده على التخلص منها، ويجب عدم الضغط المباشر على مثل هؤلاء الأشخاص، لأن ذلك قد يدفعهم للتمرد والإصرار على التمسك بما تربوا عليه، وطبعا التربية الصحيحة للطفل والدلال المعتدل وعدم تمييز طفل عن آخر، هما بمثابة علاج واق للكثير من الحالات النفسية الاجتماعية غير الصحية والتي ترفد المجتمع بأشخاص غير مؤهلين لتحمل المسؤولية وتقديم الفائدة لأنفسهم ومجتمعاتهم.

كرم أحمد