اليوغا هي رياضة جسدية نفسية فكرية يخضع فيها الإنسان جسده بوظائفه الإرادية طبعاً واللاإرادية بالسيطرة العصبية إلى محض إرادته. واليوغا حقيقة موجودة ثابتة رغم ما يدخلها من تناقضات وشائعات وأقاويل مغرضة. حقيقة أن اليوغا تبتعد كل البعد عن التمارين السويدية كما يعتقد البعض وهي وان كانت مجموعة من التمارين الجسدية ألا أنها أولاً وغالباً هي حالة من حالات الفكر تؤدي بمن يمارسها إلى الانعتاق من التوتر الدائم المفروض عليه من حياته العملية اليومية،

وبالتالي ما ينتج عنها من نتائج جسدية وفكرية ونفسية، كما تؤدي به إلى تطوير شخصيته تطويراً تجعله يتقبل جميع الظروف المحيطة به من شقاء للنفس وتوتر للأعصاب وقلق دائم مستمر وانكماش مادي، وأيضاً من الناحية الروحانية وهي القوى النفسية والفكرية بما نفخ الله في الإنسان من قدرات كامنة يستطيع الاعتماد عليها.

وبالطبع فإن اليوغا تمارين ولكن التمارين شيء والطريقة التي تقام بها شيء آخر، وقد يمارس إنسان اليوغا من دون أن يصبح يوغياً، وبالعكس فقد يكتسب إنسان آخر روح اليوغا بالقيام ببضعة تمارين، واكثر من ذلك، إن كل من يتصور معتقداً بأنه يمارس اليوغا بطريقة تنافسية سريعة ومجهدة فهو مخطئ وبعيد عن الحقيقة، لأن الطريقة هي المهمة وليست تهم النتائج.

توازن ضروري

نستطيع القول إن اليوغا وسيلة لإزالة التوتر العصبي واللجوء إلى التأمل الشامخ السامي، ولكن اليوغا ليست علاجاً ناجعاً لجميع الأمراض مع أنها يمكنها أن تفعل ذلك، فهي الطريقة المثالية للمحافظة على التوازن الجسدي والنفسي، وهي تنشئ جيلاً كاملاً وهي تمكن من الحفاظ على الصحة والحيوية والطاقة العالية غير القادرة على التعب، كل ذلك في كل سن وعمر، وأيضاً فيما يخص الحياة اليومية. فاليوغا أفضل واق من القلق العاطفي الانفعالي وهي المقاومة الفردية للتعب الجسدي والإعياء.

وبالتالي تحسن التركيز الفكري والذاكرة حتى %70، كما تسمح للإنسان بأن يتحاشى القلق وغيره من الاضطرابات النفسية. أولاً: الولادة الطبيعية أو المخاض الطبيعي، وهو عملي لليوغا الجسدية «هاثا يوغا» من المعروف انه عندما تعمل قشرة الدماغ بانتظام، تكف الانفعالات عن إحداث مفعولها العكسي، ولنعتبر التعب مثلاً: عندما يتعب دماغنا وتفكيرنا الطوعي تنطلق الاضطرابات الانفعالية من عقالها وتفعل فعلها الهدام.

ويمكن القول إن الانفعال أو التهيج يحدث عندما لا يلجمه أحد، ولكن من أين تأتي هذه الفرامل اللاجمة؟ إنها تأتي من قشرة الدماغ التي تملك القدرة على إيقاف التهيج المتواضع أساساً في ما تحت الشعور من المراكز الدماغية، ولهذا فانه من الواضح أن التهيج يحصل حالما تضطرب وظائف قشرة الدماغ.

ونحن نعلم أن الإنسان الذي تعمل قشرة دماغه عملاً نظامياً يستطيع أن يوقف أعظم الآلام في اقل نشاط ممكن لدماغه، هذا هو مبدأ الولادة من دون إيلام وقد ذكرنا هذا المثال لان له مساساً مباشراً مع تأثيرات اليوغا وفوائدها، فكيف يكون ذلك؟

نحن نعلم بأن الناس يتأثرون تأثراً مختلفاً تجاه الألم. فالشعور بالألم تسببه قشرة الدماغ «الذي هو مركز الوعي».

ثانياً: إذا كان الشعور بالألم متصلاً بالقشرة الدماغية، فإن هذا الشعور يمكن أن تعدله هذا القشرة وهذا منطقي حتماً بطريقتين:

أ- بتنويم قشرة الدماغ أي تخديرها.

ب- بتقوية طاقة النسيج الدماغي.

1- مبدأ التخدير:

ففي هذا الحال يبقى الألم موجوداً، ولكن الشعور به ينقطع وتشاهد هذه الحادثة عند بعض الأشخاص الهستيريين الذين يعزى سبب مرضهم هذا إلى نقص في قشرة الدماغ، فإذا وخزهم أحدهم أو قرصهم فإنهم لا يبدو عليهم الشعور بالألم، فلم ذلك ؟ لان قشرة الدماغ المضطربة لم تعد تتلقى الإحساس بالألم.

2- تقوية طاقة النسيج الدماغي:

هذه هي عكس الطريقة السابقة، عوضاً عن أن ننوم قشرة الدماغ فإننا نرفع طاقته، وقد رأينا بأن لقشرة الدماغ الطاقة على حفظ التفاعلات الانفعالية، وعلى ذلك فعندما يصل الدماغ إلى حد أقصى من الوعي والتنبيه فان الانفعال لا يكاد يصل إلينا بل لا يصيبنا مطلقاً، فالقضية إذن تنحصر بالوصول إلى تلك الحالة من الوعي.

الطب النفسي الجسدي

تتفق اليوغا وأفكار الطب النفسي الجسدي، فالإنسان وحده، وكلما تقاعس عضو عن القيام بوظيفته تداعت إلى الاضطرابات معه سائر أعضاء البدن، وهنا ندخل في الأمراض العصبية الناجمة عن إصابة الدماغ، فماذا يحدث؟

أن جميع الاضطرابات النفسية تنتقل إلى أعضاء الجسم بواسطة الجهاز العصبي الانباتي، ومن جهة أخرى فان مريضاً عصبياً يمكن بتماسه مع الآخرين من مجتمعه أن ينقل إليهم مرضه، وهذا ما يوسع الأمر ويؤدي إلى انتشار العصابات الاجتماعية بين الناس بالعدوى.

الصحة العقلية

لليوغا أهمية جوهرية في الصحة العقلية وهذا موضوع دراسة ونقاش في هذه الأيام، ولقد أجريت التجارب على فئتين من الناس: من لا يمارسون اليوغا، واليوغيين المتمرسين. فما هي النتائج:

* عند غير اليوغيين :

إن التركيز العقلي الجيد ينقص كثيراً، والفكر يشرد في جميع الاتجاهات، وتداعي الأفكار مضطرب ومشوش، والانتباه تائه أو معدوم تماماً، وهناك نقص في التوازن وفقدان في التناغم الداخلي، ونظراً لانعدام هذا التناغم بين العقل والجيد، فإن هؤلاء معرضون باستمرار للإصابة بالمرض والتعب والاضطرابات الداخلية ونقص التركيز والضغط....الخ.

* عند اليوغيين:

فقد دلت التجارب أن لديهم حالة ثابتة من الهدوء العقلي، وإذا عرض على أحدهم موضوع ما للتأمل، فان التجربة تثبت حسن التركيز مهما طال أمده (بينما غير اليوغيين لا يستطيعون تثبيت أفكارهم إلا لمدة قصيرة جداً).

وأخيراً إن الأطباء يستطيعون أن يحدثوك عن اليوغا ساعات طوالاً، ونحن نكتفي هنا بالإشارة الى أنه أثناء التجارب (جرب ذلك على نفسك) يستحيل علينا أن نصبح متوترين أو ميالين إلى الاعتداء، إذا نحن سيطرنا على أنفسنا وهذا مبدأ أساسي في اليوغا.

د.عماد يوسف الدوسري