فجأة تغير كل شيء، تحوّل موسم السياحة المرتقب إلى مواسم نزوح قسري لأبرياء لم يتمكنوا من حمل أمتعتهم المفضلة، بل حملوا معهم رصيداً كبيراً من الآلام والحزن والحلم بالنصر. مريرة هي آثار الحرب مهما قصرت أيامها، بعد عشرين عاماً من كارثة تشيرنوبيل، ما زال أطفال اليوم ضحايا لكارثة لم يشهدوها.
وحده الزمن يكشف تفاصيل اللعبة، يتامى، ومشردون، وأرامل، وأطفال وشيوخ مقعدون. ضياع وتشرد وموت وإعاقة جسدية ونفسية، هي فاتورة الحرب التي يستفيد منها البعض من تجار الحروب والمرض، شركات قليلة العدد، واسعة النفوذ تستطيع إشعال الحروب هنا وهناك، من أجل مزيد من الأمراض والفقر والجوع. هذه الشركات تكسب آلاف الدولارات في الدقيقة الواحدة، وأثناء الحرب تراقب من بعيد من دون أن تساهم في دعم البلدان المتضررة، تدّعي أن الصحة هدفها، بينما تعمل لتكريس المرض، إنها التجارة بالمرض.
في زمن تغيرت فيه أساليب الحرب المعلنة وغير المعلنة، ازدادت أعداد الضحايا الأبرياء، لهذا صار من واجبنا جميعاً تقديم العون المادي، وتفعيل دور الكلمة للضغط ضمن المواثيق والأعراف الدولية التي أقرتها دول العالم، ووضعتها تحت بنود وقوانين لتسهيل الأعمال الإنسانية، ولأن الحروب لم تكن يوماً نظيفة أبداً، فقد بات المشهد مختلفاً تماماً، فقد دمرت آلة الحرب البنية التحتية، من جسور وطرق ومطارات وموانئ، ما حد من إمكانية تقديم المساعدات الضرورية للمحتاجين الذين يئنون من الجراح والجوع.
الحرب لا تخلف إلا أطفالاً يتامى ومشردين، وجثثاً تحترق، وأشلاء تحت الأنقاض، وأحياء يصارعون الموت، وأجساداً تلفظ أنفاسها الأخيرة من دون أن تجد من يلقي عليها نظرة الوداع الأخيرة، إنها فاتورة الحرب التي يدفع ثمنها الأبرياء.
في عام 1936 استلهم بيكاسو لوحة من الهجوم المسلح على بلدة اسبانية، سميت باسم «غرينيكا»والتي باتت رمزاً للرعب الذي يواجهه المدنيون في الحرب، إذ تم تدمير هذه البلدة بكاملها على سكانها، حيث هاجم سلاح الجو الألماني بلدة «غرينيكا» التي كان يقطنها نحو 7 آلاف من المدنيين، وألقيت القنابل الحارقة عليهم، فتناثرت أعضاء الأطفال والنساء والشيوخ ومشردي الحرب. اليوم لسنا بحاجة إلى مثل هذه اللوحة لتجسيد الرعب وآثار الحرب على المدنيين، رغم أن القانون الدولي يحظر ضرب المدنيين، مشاهد وحشية الحرب الدائرة في لبنان والأراضي المحتلة نعايشها في غرف المعيشة، ونشاهد آثارها من خلال وسائل الإعلام التي باتت تنقل الحرب وكأنها مباريات رياضية.
في الحرب الخاسر الأكبر هم المدنيون، إذ تشير التقارير إلى أن ضحايا الحرب من العسكريين بلغ 20 مليوناً، بينما ضحايا الحرب من المدنيين بلغ 50 مليوناً. لأننا نؤمن بقوة الكلمة التي تفوق قوة الرصاص، ولأن الحد من العمل المسلح لا يأتي عن طريق التمني، بل عن طريق إتباع طرق عملية نقول:
ينبغي العمل على تقديم العون المادي للأبرياء والمستضعفين وتسهيل مهام وصول الإمدادات الطبية والغذائية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تطحن آلة الحرب التي صنعها الإنسان ما تبقى من القيم الإنسانية.
وبعد ماذا نقول؟
الضمير لا يرتبط بمسؤوليتنا عن أفعالنا، ولكن بمسؤوليتنا المشتركة عن أفعال الآخرين، فهل مات الضمير؟