من نافذته التي تطل على البحر كان يرقب بعينيه الدامعتين آثار الدمار الذي خلفته تلك الطائرات، يستعيد رغبته المدفونة في إطلاق طائرة ورقية إلى الفضاء الرحب، متباهياً بها بين أقرانه. هذا الطفل ما إن انتهى من دعوته متطلعاً إلى السماء ناطقاً بكلمتين لا ثالث لهما «أعطونا الطفولة» حتى أغمض عينيه وغاب من دون احتجاج بسبب انهيار المنزل الذي يقطن وأفراد أسرته جراء القصف الوحشي لتلك الطائرات.

حال هذا الطفل كحال العديد من الأطفال الذي مزقت الحروب أوصالهم التي لا تخلف إلا المزيد من الأيتام والضحايا، والفقر والأمراض، والاضطرابات النفسية والضياع والتشرد. إنها الحرب، الحرب مرة ثانية، وفي زمن الحرب تتغير الأشياء التي تبدو آثارها جلية واضحة على وجوه الكبار البائسة وعيون الصغار الحزينة.

وفي زمن الحرب تتغير قواعد اللعبة التي يدفع ثمنها الأطفال الأبرياء والشيوخ وغيرهم من المدنيين. آلة الحرب لا ترحم، إنها تقتل أحلام الأطفال الوردية وتقطع الأشلاء دونما شفقة أو صحوة ضمير. مشاعر القلق والخوف والهلع تطال الجميع، وجوه الأطفال الوجلة تستنطق الحجر، تدمي القلوب تجعلك تنفجر من حدة البكاء، تشعرك بغصة في الحلق، حيث لا ماء يروي، بل دماء تنزف.

كيف يمكن لطفل ساعدته الظروف على النجاة من آلة الحرب المدمرة أن ينجو بنفسه من مشاهد الدمار وسفك الدماء وقتل الأبرياء. جراح الحروب لا تندمل حتى وإن توقفت، فهي مستمرة يصعب تضميدها وترميمها، فهي تسبب اضطرابات نفسية وسلوكية عديدة ومدمرة. من يستمع لقصص الكبار الذين عاشوا ويلات الحرب في الصغر يشعر بحجم المعاناة، حينما يتحدثون وكأن مشاهد الحرب تتراءى أمام أعينهم مرة ثانية.

اضطرابات نفسية، قلق وأرق، وقلة شهية، وكبت مشاعر، وطفولة منسية، ووجوه بائسة لا تعرف طعم الابتسامة التي اغتالتها الحرب. من يستعرض التقارير الصادرة عن الهيئات الصحية والإنسانية العالمية يقشعر بدنه من حجم المعاناة، وارتفاع أعداد الضحايا من الأبرياء في المناطق التي لم تذق طعم السلم يوماً، إذ تم خلال العقد الماضي قتل أكثر من مليوني طفل في العالم، جراء النزاعات المسلحة، وتعرض ستة ملايين آخرين للإعاقات الدائمة، وهُجّر أكثر من 20 مليوناً من الأطفال من بيوتهم وأوطانهم.

ينظر الكثير من الأشخاص إلى الحرب حينما تلفظ أنفاسها الأخيرة إلى آثار الدمار في البنية التحتية، ويتناسون أو تغيب عن بالهم آثار صدمة ما بعد الحرب التي تشوه نفسية الأطفال، والتي تبدو جلية واضحة في سلوكهم الذي يتخذ طابعاً عدوانياً حتى أثناء اللعب. صور الحرب المأساوية تبقى محفورة في الذاكرة العميقة، ما يجعل إزالتها أمراً عسيراً يتطلب جهوداً كبيرة. وبعد..

رغم أن إعلان جنيف لحقوق الإنسان الذي قد صادقت عليه الدول من شتى أنحاء العالم منذ عام 1924، والذي يقضي بضرورة حماية ورعاية الأطفال عند نشوب أي نزاع مسلح سواء أكان دولياً أم غير دولي، إلا أن قواعد اللعبة كما أشرت تغيرت، لهذا يبدو هذا الإعلان حبراً على ورق، ومن يشاهد ما تبثه القنوات الفضائية وتنشره وسائل الإعلام المقروءة يدرك تماماً أنه في مثل هذا الزمن لا تنفع الهمسات، ولابد من إطلاق صرخات مدوية توقظ الضمائر الغائبة التي تغط في سبات عميق، ومع تعالي صافرات الإنذار تحدق عيون الأطفال نحو السماء، ولا يتبقى سوى اللوعة والحسرة والآهات وآلام الأطفال.

إنه.. اليباس.. فهل من مغيث؟

bassam@albayan.ae