الهلع والخوف من الموت سمتان تسيطران على البشر، وتعد الأجواء المشحونة بالقتل والتدمير والحروب، من أكثر الأجواء تأثيرا على نفسية الإنسان. فمشاهد القتل والقصف والدمار وخصوصا إذا أتت على مرأى ومسمع الأطفال تترك عندهم جرحا نفسيا نازفا لا يلتئم مع مرور الزمن. بل يبقى كابوسا يطاردهم ويهدد استقرار حياتهم. فمعايشة الطفل للحرب أو تعرض أحد أفراد عائلته للقتل، تخلف في مخيلته نوعا من القلق والهلع الدائم والخوف وآثارا نفسية أخرى قد تلازمه في مراحل حياته المختلفة.
لأخذ صورة أوضح عن هلع الحروب وتأثيراته الصحية والنفسية كان ل« الصحة أولا» هذا التحقيق:
تجربة
الخوف والرهبة كانا الهاجسين المسيطرين على تفكيري وأنا أستمع لأزيز المقاتلات الحربية وأصوات القنابل التي تلقيها. هكذا بدأ علي إبراهيم كلامه عن معايشته أحداث الحرب وأهوالها وتابع:
كنت في الحادية عشرة من عمري أثناء اندلاع الحرب ضد العراق عام 1990، كانت تجربتي الأولى ،مع أني كنت أتابع وأشاهد على التلفاز لقطات للحروب وأشخاصا مزقت أشلاؤهم نتيجة القصف الجوي والصاروخي على منازلهم التي دمرت عن بكرة أبيها،لكن الوضع اختلف. فأنا الآن بت معرضا للمصير نفسه الذي كنت أتابعه عن بعد ،كنت أشعر بالاختناق والخوف.
فالأسرة بأكملها مجتمعة بمكان واحد، الكل ينظر للآخر ويتساءل. هل سأرى هذه الوجوه غدا، وهل سنستمر سويا أم لا. ومع كل انفجار كنا نرتجف ونقترب من بعضنا وجدران البيت كانت تهتز من وقع التفجير. أصبحت أشعر بها كأنها قنبلة موقوتة ستنفجر بأي لحظة ،كنت أكره الليل، لأن النوم كان بالنسبة لي صراعا ،فكم هو مربك أن تعيش كابوسا تستمر أحداثه بعد استيقاظك. فالحلم والواقع مرعبان.
ترقب للموت في كل لحظة رغم طمأنة الأب الذي يحاول ضبط أعصابه وأحضان الأم المرتعشة خوفا على نفسها وأبنائها ،مازلت أتذكر هذه الأحداث بعد مرور أكثر من 14 عاما عليها وما زال الكابوس الذي عشته رغم خروجي وعائلتي سالمين من هذه التجربة يؤرق مضجعي في ليال عديدة.
فقدان عزيز
أجل ما زالت آثار الدماء التي صبغت ما تبقى من دارنا تراود مخيلتي بين الحين والآخر. وأخي الذي فقدته جراء قصف صاروخي لبيتنا في فلسطين، هكذا قال زكريا النتشة وتابع:كم كان الوضع صعبا، قتل ودماء وأشلاء لأشخاص كانوا يسيرون في شوارع البلدة ويتحدثون معنا ويزوروننا .
رغم اعتيادنا سماع أصوات الانفجارات ورؤية القتلى والدماء ،إلا أن كل شيء اختلف عندما سمعت خبر قصف بيتنا الذي كنت قد غادرته قبل ساعات من سماع النبأ أنا وعائلتي ما عدا أخي الكبير ،الذي لم يشأ في ذاك اليوم المشؤوم مرافقتنا وآثر البقاء في البيت ،كان الأخ الكبير والأب. فوالدي فارق الحياة منذ كنت في الرابعة من عمري ،هرعت مسرعا عائدا وأنا أقول لنفسي وأطمئنها،
أكيد أن القصف لم يطل البيت وأن الذي نقل الخبر لم يكن متأكدا من ذلك، ولو أن البيت قصف فإن أخي يجب أن يكون قد غادره عند سماعه أصوات الطائرات ،هذا ما كنت أتمناه ولكن الحقيقة التي مازال قلبي يرتجف هلعا عند تذكر أحداثها كانت في انتظاري. لم يعد المكان نفسه، بيتنا وبيوت الجيران أصبحت ركاما، غبار ونيران وسيارات إسعاف ورجال إنقاذ تملأ الحي، عرفت البيت من بقايا شجرة العنب المحترقة.
كان نصفه مدمرا والنصف الآخر متداعيا، جمع من الناس يحيطون بإحدى الغرف التي تهدم أحد جدرانها.دخلت ونظرت وإذا به أخي والدماء تضرج جسده، حملوه وخرجوا به والدماء تقطر من جسده منظر مؤلم لشخص عزيز ،ذكرى رافقتني وسترافقني مدى الحياة، فهو الكابوس الوحيد الذي أصحو مرتجفا مرتعدا منه، بل أن مجرد تذكر ما حدث يصيبني بحالة من الخوف والوجل وخفقان زائد بالقلب رغم مرور الزمن .
رأي طبي
وعن المشكلات الصحية والنفسية التي ترافق من يعايشون الحروب حدثنا د. عامر سعد الدين اختصاصي الطب النفسي في مركز دبي لصحة المجتمع قائلا:إن مشاهد القتل والدمار التي نشاهدها على التلفاز تخلف أثراً نفسيا بالغاً على الكبار والصغار. فهي توتر أعصاب الكبار وتدخل الصغار في جو من الرهبة و الهلع ، أما من يعيشون المعارك فهم أكثر عرضة للإصابة بتوترات ومشكلات نفسية خطيرة،
ولعل أهمها نوع من أنواع القلق يطلق عليه اسم «رضة ما بعد الهول» وهي حالة يدخل خلالها الإنسان في حالة من اختلاط الأحاسيس، فيعيد معايشة الحدث بالأحلام ويتعرض لكوابيس تؤرق مضجعه،و لعل الكبار أكثر قدرة على السيطرة وتحمل ضغوط هذه الحالة. أما الأطفال فقد يتعرض الكثير منهم للانهيار،والخطر في هذه الحالات هو أن أعراض الرهبة والخوف تستمر مع الطفل حتى يكبر وأي ضغط يتعرض له خلال حياته، قد يعيد إليه تجربته الأليمة وتزداد أعراض اضطراباته النفسية ظهورا.
إذن فالتأثيرات السلبية للحروب والدمار لا تقتصر على فقدان الأموال والممتلكات وإزهاق الأنفس بل تمتد لتسيطر على كل من يعايشها وتضعه أسير أمراض واضطرابات نفسية لا تحمد عقباها ،وبما أن الأطفال هم بناة المستقبل وأمل الأمم بحياة أكثر أمانا واستقرارا، فعلينا وقايتهم شرور هذه الاضطرابات التي قد تسببها لهم الحروب التي فرضت عليهم. لذا فإن اتخاذ بعض التدابير والسلوكيات من شأنها حمايتهم وهي كالتالي:
أولا - إعطاء الطفل معلومات كاملة ومفهومة تتناسب مع مقدرته العقلية حول الأوضاع الدائرة وكافة الأمور التي قد يواجهها أثناء الحرب.
ثانيا - يجب الإجابة عن الأسئلة التي تدور في خلد الطفل مهما كانت صعبة ومزعجة فإجابتك له قد تخفف عنه الحيرة التي تضعه فيها أجواء الحروب.
ثالثا - محاولة التخفيف من هول الدمار والأسلحة المستخدمة في الحرب، فهي تعد شبحا يطارد الطفل في ليالي الحرب الطويلة والقاسية.
وأخيرا وضح لأطفالك بأن مشاعر الخوف والغضب مشاعر مقبولة وسوية في مثل تلك الأجواء وأن الجميع كبارا وصغارا معرضون لها ،وحاول إبعاد الطفل عن متابعة وسائل الإعلام والتي قد تقدم صورا و حوارات ومعلومات تزرع الخوف في قلوبهم وتبقيهم في حالة من التشويش، وترقب الموت القادم من المجهول
كرم أحمد