اتهمت وكالة الدواء والغذاء الأميركية بأن سلطتها الخاصة بفرض قوانين الدواء والغذاء قد تدهورت بصورة لم يسبق لها مثيل منذ تولي بوش سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية. والمعروف ان الأميركيين وغيرهم من شتى دول العالم يعتمدون على هذه الوكالة لضمان سلامة غذائهم ودوائهم طوال المئة عام السابقة.
حذرت تقارير صادرة عن لجنة الإصلاح في الحكومة الأميركية، بعد ان قامت بتحقيقات استمرت نحو 15 شهرا حول الدور الذي تقوم به وكالة الدواء والغذاء الأميركية، من ان رسائل التحذير الصادرة عن وكالة الدواء والغذاء الأميركية تراجعت بنسبة 54 في المئة
وتراجعت التقارير التحذيرية التي تتعلق بالأدوية التي تظهر على غلافها بيانات أو معلومات لا تتوخى الدقة أو الخاصة بالمنتجات الخطرة، بنسبة 44 في المئة.وتشير اللجنة أيضا إلى تراجع فرض الأوامر بنسبة 65 في المئة في السنوات الخمس الماضية على الرغم من الشكاوى الخاصة بأجهزة الإنعاش وجهاز ضبط سرعة دقات القلب.
ولم تكتشف اللجنة أي أدلة على ان تراجع الأعداد له صلة بزيادة مراقبة قوانين الوكالة والإرشادات.
وقال دافيد الدر من مكتب تطبيق القانون في وكالة الدواء والغذاء الأميركية ان الوكالة اتخذت تحركات سريعة ومتشددة ضد المؤسسات التي تنتهك تلك القوانين.
رشاوى
أماط تقرير نشرته وكالة المستهلك الدولية، وهو تجمع يضم 20 منظمة خاصة بحماية المستهلك، عن قيام كبرى الشركات المنتجة للأدوية في أوروبا والمملكة المتحدة بتعريض حياة مستهلكي الأدوية من المرضى للخطر عن طريق ممارسات غير مشروعة خاصة بالإعلان والتسويق. وقال التقرير ان تلك الشركات تقوم سرا برشوة أطباء لتغيير نتائج دراسات تخص سلامة الأدوية أو التمويه عليها من خلال حملات التسويق التي تنفق فيها مليارات الدولارات.
وقال الدكتور سيدني أم وولف مدير مجموعة أبحاث الصحة في منظمة مراقبة مصالح المواطن، ان وكالة الدواء والغذاء الأميركية تتلقى حاليا نحو 380 مليون دولار أميركي كل سنة من شركات صناعة الأدوية، وهي الوكالة التي تناط بها مسؤولية توفير الحماية لمصلحة المستهلكين.
ومن جهتها، قالت صحيفة الـ «جارديان» البريطانية الصادرة يوم 26 يونيو الماضي ان اتهامات وجهت لشركات الأدوية لتعريضها الصحة العامة للخطر من خلال أساليب التسويق السيئة التي تمارسها والتي تتراوح ما بين بذل المحاولات الخفية لإقناع المستهلكين بأنهم مصابون بالمرض وتقديم رشاوى إلى الأطباء والإساءة إلى مفاهيم السلامة وعدم الإخلاص في بلورة نتائج سلامة وترسيخ فعالية الفحوصات الخاصة بالمنتجات الدوائية.
وبين تقرير لوكالة المستهلك الدولية الممارسات غير المشروعة التي تقوم بها شركات الأدوية في المملكة المتحدة وأوروبا. وقال الاتحاد العالمي لمنظمات الدفاع عن حقوق المستهلك ان الناس لا يحصلون على الحقائق الخاصة بالأدوية التي يتناولونها لأن الشركات تخفي خطط التسويق التي تنفق عليها المليارات.
ويدعو التقرير، الذي يحلل سلوك عشرين من كبريات شركات صناعة الأدوية، اثنتان منها بريطانيتان، إلى المزيد من الإجراءات الحكومية للتحكم بأسواق الأدوية تجاه الشركات، لإعادة تنظيم وضعها الداخلي على أسس سليمة.
وقال التقرير ان الفضائح، مثل سحب عقار Voixx من الأسواق، وهو دواء كان يستخدم لتخفيف الألم والتهابات المفاصل، تظهر ان الترويج للأدوية بصورة غير أخلاقية يثير مخاوف المستهلكين. وكانت شركة ميرك سحبت الدواء من الأسواق في سبتمبر العام 2004، وقيل ان الدواء يضاعف فرص الأزمات القلبية والجلطات الدماغية.
واتهمت الشركة بأنها استغلت نتائج الدراسة حول الدواء في التقليل من المخاطر المحيطة باستخدامه. والمعروف ان أكثر من 6 آلاف قضية رفعت ضد الشركة في الولايات المتحدة وحدها حيث قال أشخاص استخدموا الدواء بأنهم عانوا من أزمات قلبية نتيجة لاستخدام الدواء.
وقال محلل البيانات في «ميرك أند كو» في معرض شهادته ان الأشخاص الذين شاركوا في تجربة فيوكس (Vioxx) أصيبوا بأزمات قلبية بنسبة تزيد أربع مرات عن أي مهدئ مخفف للألم. وقالت مصادر وكالة المستهلك الدولية إنه على الرغم من الإجراءات القانونية المتخذة ضد شركات الأدوية على قاعدة منتظمة فإن مخالفة الشركات للقوانين مستمرة.
وتقول مصادر الوكالة الدولية ان الكثيرين في المملكة المتحدة ربما يشعرون أنهم في أمان لأنهم يمنحون أطباءهم الثقة ولذلك يتقبلون منهم بكل ثقة أي دواء. ولكن الوكالة الدولية ترى أنه لا مكان للرضا عندما قامت شركات أدوية بالإنفاق على قطاع الإعلانات والتسويق مبلغ 60 مليار دولار في العام الماضي وهو يساوي ضعفي ما تنفقه على قطاع الأبحاث. لكن تلك الشركات لا تنشر أي معلومات عن تلك الحملات الترويجية عن الأدوية. ومن بين تلك الشركات شركة «ريستول مايرز سكويب» التي تزود المستهلكين بتقارير عن سلوك تلك الشركات.
ومن جهة ثانية قام المحررون في مجلة «إنجلاند جورنال أوف مديسين» بتصحيح بحث سابق حول عقار فيوكس المخفف للألم وكشف التصحيح عن ان مخاطر الإصابة بأمراض القلب المتصلة بالدواء بدأت في فترة أقدم بكثير مما ادعته «ميرك» سابقا. وقالت الشركة إن التعديلات تحدثت عن ان مشكلات القلب بدأت فقط بعد 18 شهرا من استخدام الدواء، وهو ما دفع الأطباء للاعتقاد بأن استخدام الدواء لفترة أقصر يمكن ان تجعله آمنا. ولكن بعد فترة اكتشف مؤلفو البحث خطأ إحصائيا في تحليلهم. وجاء في التصحيح ان الدواء كان يشكل خطرا على القلب في كل فترات تناوله.
وكتب الدكتور ستيف نيسان من عيادة كليفلاند الطبية، وهو ناقد شديد لاستخدام Vioxx، رسالة نشرت في العدد الأخير لمجلة «إنجلاند جورنال أوف مديسين» يذكر فيها القراء بأن شركة «ميرك» استغلت مزاعم زائفة تقول إن عقار فيوكس آمن طوال الأشهر الـ 18 من استخدامه باعتبار ذلك جانبا من دفاعها ضد أكثر من 11500 قضية أثارها ضدها مرضى قالوا إنهم تعرضوا لاضطرابات في القلب بعد تناولهم الدواء.
لكن كارمان عباسي رئيس تحرير مجلة «رويال سوسيتي أوف مديسين» البريطانية ورئيس تحرير مجلة «بريتيش ميديكال جورنال» السابق يقول إن التعديلات أو التصحيحات على الدراسة المصادق عليها تثبت كيف ان المجلات الطبية لا تقوم سوى بتحرك محدود في مراقبة أبحاث العقاقير الآمنة. وأضاف قائلا : الواقع ان المجلات تتحرك وفقا لنزوات شركات الأدوية ذات النفوذ القوي وأقسام الأبحاث التابعة لتلك الشركات.
وقد أصدرت «ميرك» بيانا قالت فيه إنها تساند النتائج الأصلية للمصادقة على البحث أو الدراسة.
هدايا الأطباء
ويقول ريتشارد لويد المدير العام لوكالة المستهلك الدولية إن احدى النقاط الجلية للعيان المثيرة للقلق هي الطريقة التي يتم فيها الترويج الدعائي للأدوية، التي تقوم بها شركات الأدوية، والتي توجه إلى الأطباء وهو ما يؤدي إلى استخدام متهور وغير عقلاني للأدوية. وهناك الكثير من الأدلة التي تكشف تلك الممارسات الخاطئة وقد اكتشف التقرير ان تلك الممارسات لا تزال مستمرة وبصورة واسعة النطاق، ولذلك لا بد من وقفها.
ويقول التقرير أيضا إن أكثر من نصف تلك الشركات تورطت في خلافات خاصة بالعلاقة مع المؤسسات الطبية ما بين العامين 2001 و2005.
وعلى سبيل المثال، تعرضت شركة أسترازينيكا البريطانية لانتقادات شديدة من قبل الجهات المنظمة لأنشطة صناعة الأدوية. وقالت المنظمة ان الشركة البريطانية نظمت مناسبة للترويج للعقار كريستور (Crestor) وتضمنت تلك المناسبة توزيع بطاقات لحضور مسرح المنوعات وقدمت أيضا تذاكر طائرة والإقامة في فنادق للأطباء الذين يحضرون مؤتمرا حول الاضطرابات المزاجية الحادة على شاطئ الريفيرا. ومن جانبها تقول أسترازينيكا إن على جميع الموظفين الآن اجتياز امتحان وضعته من أجل التعرف على سلوكيات الموظفين المستقبلية.
وفي غضون ذلك تقوم السلطات القضائية في كل من ألمانيا وإيطاليا بالتحقيق مع «جلاكسوسميثكلين» كبرى الشركات المنتجة للأدوية في بريطانيا لأنها قامت بإفساد أطباء (1600 طبيب في ألمانيا وأكثر من 4000 طبيب في إيطاليا) حيث بلغت الهدايا غير المشروعة التي تعطى للطبيب 228 جنيها استرلينيا خلال العامين من 1999 إلى 2002.
كما رسخت تلك الشركة البريطانية المصنعة للأدوية قواعد خاصة بالممارسات. ويشير التقرير إلى ان 87 موظفا طردوا من أعمالهم أو وافقوا على مغادرة الشركة طوعا نتيجة لانتهاك تلك القواعد، كما جرى فرض إنذارات مكتوبة في 109 حالات.
الربح أولاً
يقول تقرير لموقع «نيوز تارجيت نيتورك» إن الفوضى الخاصة باستغلال الوصفات الدوائية تعدت نطاق الولايات المتحدة وأصبحت على نطاق عالمي. وقال التقرير إن الوضع أصبح أكثر سوءا مما كان ينتظر:
فإدارة بوش لا تتآمر مع شركات صناعة الأدوية لخداع وغش المواطنين الأميركيين بحظر استيراد الوصفات الدوائية الأقل سعرا من الأدوية التي تباع في أميركا فحسب بل تقوم بإبرام اتفاقات مع البلدان الأخرى مما يجعل استيراد تلك البلدان أدوية أقل سعرا مسألة غير مشروعة. وليس ذاك التوجه سوى جانب من حالة الابتزاز التي تقوم بها الحكومة الأميركية بالتعاون مع شركات صناعة الأدوية. وتهدف الخطة إلى التحكم بأسواق الأدوية العالمية واستغلال المستهلكين حتى الدولار الأخير في جيوبهم.
ولم يعد يخفى على أحد ان إطلاق عبارة نظام الدواء العالمي أو الكارتل مسألة لا تجافي الحقيقة وليس فيها أية مبالغة أيضا. وتقوم شركات صناعة الأدوية بمساندة هذه اللعبة التي يزعم أنها تهدف إلى حماية صحة المستهلكين الأميركيين. وتقول شبكة «نيوز تارجيت نيتورك» إن هذه السياسة تشبه إلى حد بعيد عملية توفير الحماية لخطوط التوزيع بنفس الطريقة التي يوفر فيها تجار الكوكايين خطوط التوزيع في ميامي وذلك عن طريق كبح أية منافسة يشكلها تجار آخرون.
وقد ثبت ان شركات صناعة الأدوية يمكنها فعل أي شيء لأن المهم عندها هو الربح، وتأخير الإعلان عن أي دواء يقتل الناس كما طمس نتائج الدراسات السلبية التي تستهدف أحد الأدوية وعرقلة مقاضاة الصيدليات التي تبيع الأدوية على شبكة الإنترنت للحيلولة دون مواصلة نشاطها الذي يلحق الضرر بالمستهلكين. وتستمر قائمة السلبيات، ومن ذلك كله يمكن للمستهلك أو القارئ الذكي ان يستنتج الأمور.
السوق الحرة
الحقيقة ان آخر شيء تسعى تلك الشركات لرؤيته هو وجود أسواق دواء حرة. لأنها تطمح للسيطرة على كل المنتجات الدوائية وقنوات توزيعها.وترغب أيضا في أن تتوفر لديها القدرة على مواصلة استيراد مكونات العقاقير الطبية من أوروبا بسعر تكلفة لا يتجاوز الواحد على الألف 1/1000 ومن ثم تدوير تلك الأدوية وبيعها للمستهلك الأميركي بأسعار السوق الأميركية التي تزيد نسبتها عن الأسواق العالمية الأخرى بنسبة تتراوح ما بين الخمسين في المئة والمئة ألف في المئة.
ولا يبدو ان هذا السلوك يعكس حساً ديمقراطياً من أي نوع. ولا شك ان عمليات الابتزاز تلك جيدة بالنسبة لتجارة الأدوية طالما ان العملية تديرها جهة واحدة فقط.
والمسألة برمتها ليس لها علاقة بالسوق الحرة، ويعني ذلك ان ما يطلقونه حول السوق الحرة ليس سوى أكذوبة. وأما الأكذوبة الأخرى هي ما يتشدقون به حول حماية الجماهير العادية من الاستغلال أو ارتفاع أسعار الأدوية. وكل ما في الأمر ان هذه السياسة الماكرة تعتمد فقط على ثلاثة أمور وتتلخص فقط في: جمع المال، جمع المال، جمع المال فقط.
مؤامرة
يقول الدكتور ريتشارد هورتون رئيس تحرير مجلة «لانسيت» الطبية انه في وسط حمأة انشغال وكالة الغذاء والدواء الأميركية أطلقت تحذيرات للأميركيين وربما لكل سكان الأرض بتجنب استهلاك الأدوية التي مصدرها كندا «لأنها أدوية خطيرة على الحياة» ولكن السؤال الذي يشغلنا بعد كل ذلك هو: لماذا الكنديون ليسوا في عداد الموتى. ويضيف الدكتور ريتشارد قائلاً: إن انشغال وكالة الغذاء والدواء الأميركية أكثر بالمظهر العام أو المظهر الخارجي من المهمة العلمية المكلفة بها.
القاتل
لقد حذرت منظمة «ببليك سيتزين» وكالة الغذاء والدواء الأميركية من مغبة الاستمرار في توزيع دواء Nefazodone بعد ان توفي أكثر من 20 شخصا بسبب تأثيره السمي القاتل على الكبد، كما تسبب في إتلاف وإلحاق الضرر بكبد أكثر من 55 شخصا.
وقد استقت «ببليك سيتزين» معلوماتها من منظومة التقارير الاختيارية حيث تتسلم الشركات المصنعة للأدوية تقارير من الأطباء ومن ثم ترسلها إلى وكالة الغذاء والدواء الأميركية إذا شعرت الشركات بأن ذلك يناسبها. وكان العقار نيفازودون قد تم حظره في كندا وفي الكثير من الأقطار الأخرى.
ولكن وكالة الغذاء والدواء الأميركية رفضت سحب الدواء من الأسواق الأميركية، ولم يصدر عنها أي بيان يعلل موقفها الرافض.
وقال تقرير «ببليك سيتزن» لاحظ ازدواجية المعايير هنا فعندما ربط ما بين الدواء العشبي إيفيدرا ووفاة 12 شخصا، انخرطت الوكالة الأميركية في حملة تحذيرات محمومة وأقامت الدنيا ولم تقعدها وعقدت المؤتمرات لذلك وكانت تحذيراتها أشبه بالنفير العام. ولكن على العكس عندما يقتل دواء كيميائي العشرات تسقط التحذيرات على آذان صماء لدى كبار المسؤولين في FDA أو وكالة الغذاء والدواء الأميركية.
محمد نبيل سبرطلي