يشكل ظهور عقاقير كيميائية جديدة وفعالة أحد أهم الانجازات الطبية التي طبعت النصف الثاني من القرن العشرين، ان بعض أنواع السرطان . كالكارسينوما المشيمية . اللوكيميا الليمفاوية الحادة عند الصغار أو بعض أنواع الهودجكن والليمفوما من غير الهودجكن . هي غالبا ماتكون قابلة للشفاء اذاما عولجت بالكيميائيات فضلا عن أن امكانية البقاء الطويلة الأمد نسبيا، تجعل من قرار التصدي العلاجي أمرا مقبولا خصوصا عندما تقاس نتائجه الإيجابية بتداعياته السلبية وقيمة كلفته المادية.
زد على ذلك قدرة العلاج الكيميائي المساعد الواقي على مضاعفة أمل البقاء على قيد الحياة المتاح عادة بواسطة الجراحة في حالات سرطان الثدي . القولون أو الرئة. أيضاًئوأيضاً وحتى عند المصابين بالأورام الخبيثة الصلبة والمتطورة أو بحالات معاودة للسرطان الأساس بعد استئصاله جراحيا .
فإن العلاج بالكيميائيات يوفر حظاً أكبر ببقيا أطول ونوعية حياة تحرز التضحية من أجلها. على كل حال فالمؤشر العلاجي عند هؤلاء المرضى هو ضيق المجال لان نسبة التفاعل الإيجابي مع العلاج تبدو جزئية . قصيرة المدة غالبا وصعب التكهن بمجرياتها. إن هذه الظروف تسلط الضوء على حدود الإمكانيات المتاحة من خلال اللجوء إلى العقاقير الكيميائية التقليدية القاتلة للخلايا . هذا فضلا عن عدم قدرتها . خلال أداء مهمتها القتالية . على التمييز بين ما هو مطلوب الإطاحة به وما هو من المحرمات.
مرت السنوات ومعها نشطت الأبحاث وتعمقت المعرفة وكشف النقاب عن الكثير من معالم تكوين الخلية وأنظمة نشاطاتها ومسيرة وجودها وتنوع أدائها والبرامج المعدة المسيرة والمراقبة لأدنى تفاصيل مهماتها. وقد أدى هذا اليقين إلى مراجعة شاملة للأسس الاستراتيجية المستعملة في معالجة هذا المرض المعقد .
ومعها استنباط أساليب أكثر دقة وتوجيها وتحديدا للنقاط المستهدف إصابتها لتعطيل حدوث ونمو وانتشار الورم السرطاني دون المساس قدر الإمكان بباقي المكونات البيولوجية الصحيحة والمطلوب حتى صونها إذ انه لا علاقة لها بالحدث فأطلت علاجات مثيرة للاهتمام مبنية على نظم تمكنها من إصابة الممرات المحددة للوحدات الحيوية في الورم السرطاني فأصبح بذلك في حوزة الطبيب الاختصاصي سلاحا جديدا ألا وهو ما يعرف بالعلاج المهدف. إنه مجال علمي مستحدث في أوج نموه ولا يخلو أبداً من الإثارة بحثاً وتطويراً.
ما هو العلاج المهدف؟
إنه صفة تعطى لعقار بيولوجي قادر على أن يصيب مباشرة مسارا حيويا في مسلسل ولادة وترعرع الكتلة السرطانية. بالتالي ومن خلال فعل تصدئأو ردع لهذا المسار يقوم هذا العلاج بدوره المعطل لاستكمال الورم عملية تمركزه وامتداده كما أنه من الضروري أيضا أن يكون المجال متاحا لقياس الهدف المقصود بالطرق السريرية المتوفرة وأن تتطابق نتائج هذا القياس مع مجريات التأثيرات العلاجية الناتجة عن استعمال عقار ما يحمل هذه الصفة.
هناك أنواع عدة من هذه العقاقير . تصنف بحسب الهدف المعدة لرميه. أهمها:
أولا ـ مثبطات مستقبلة أنزيم الحمض الأميني: تعطل هذه الأخيرة سلسلة تتابع التفاعلات الخلوية المسؤولة عن توالد . نضج ونزوح هذه الخلايا.
ثانيا ـ مثبطات تكون الأوعية: تفرز الأورام ذات النشاط التوالدي بروتينات خاصة تحث بواسطتها البيئة المحيطة بها على بعث أوعية دموية جديدة وإضافية بكمية تؤمن لها تزويدا كافيا بالاحتياجات الحيوية للاستمرار والنمو. ان استهداف هذه العملية يؤدي دون شك إلى شلها والمساعدة على محاربة استمرار نمو هذه الأورام.
ثالثا ـ مثبطات الخمائر البروتينية: تعمل على كبح تنظيف الأنظمة الخلوية من البروتينات المشوهة أو المبتذلة بحيث يقود هذا الكبح إلى تخلص الجسم من هذه الأنظمة بأكملها إن بفرملتها أو حتى بدفعها إلى الزوال. في الواقع ولحسن الحظ فالاستهداف هذا يبلي بلاء حسنا ومميزا في الخلايا من النوع السرطاني.
رابعا ـ المداواة بالتمنيع: هدفها ليس التداخل في إشارات النمو الخلوي بل اصطياد إشارات المناعة واستعمالها لإنجاز تفاعل تزاوجي بين المستضد والجسم الضدي يفضي إلى موت الخلايا حاملة المستضدات المستهدفة بفعل العقار المهدف بمجرد تحميله بالجسم الضدي المناسب.
إن هذا النمط العلاجي المستحدث يضاف إلى ترسانة الأسلحة المتاحة في معركة المواجهة مع مرض السرطان . لا كما عهدنا هذه المواجهة في السابق على طريقة «علي وعلى أعدائي يارب» بل بشكل ضربة دقيقة الموقع والوقع . سهل مراقبتها والتحكم بأدائها.
لا يزال المجال مفتوحا أمام الكثير من الأبحاث والدراسات في محاولة لبلوغ الأفضل. إنها البداية في رحلة ترويض الورم الخبيث وفتح صفحة جديدة في التعامل معه كغيره من الأمراض الروتينية العادية. والآتي قريب.