«الناس تعشق من خال بوجنته... » يستفيض الشعراء غزلا به، لكن ما أدراهم بأسراره ؟
أغضب من نفسي حين تشدني مثلهم جمالات مجدها أبدي، أراها أنا بعين الفاحص المتفحص فيغلب الطبيب هوى المعجب.
حول الشامة ومدلولاتها الطبية يقول الدكتور عادل الحاج رئيس قسم الأورام بمستشفى جبل علي الدولي في دبي: الخال أو الشامة كناية عن تجمع موضعي مكثف للخلايا السحامية. تنتشر هذه الخلايا طبيعيا في الطبقة الخارجية من الجلد و تعرف بإنتاجها لصبغ سافع: الملانين، يعطي الجلد لونه.
تنقلب هذه الخلية إلى خلية سرطانية، نتيجة مسلسل من الأحداث البيولوجية لايزال فهمه على قدر كبير من الغموض. ما يمكن تصوره هو أنه ينطوي على عملية متعددة المراحل تبدأ بتحولات جينية تدريجية تؤدى بوقت من الأوقات إلى إخلال بنظام تكاثر الخلايا الصحيحة و تمايزها ثم موتها بعد حين كما هو معهود في الاحوال الطبيعية، وإلى جعلها سهلة التأثر بمفاعيل مولدات السرطان. يطلق عليها في هذه الحالة صفة السرطان الملاني أو سرطان الشامة.
يدرج سرطان الشامة في المرتبة الثامنة في لائحة السرطانات الأكثر شيوعا في العالم و بنسب إليه 1إلى %2 من مجموع الوفيات الناتجة عن مرض السرطان. إنه يشكل سادس سرطان عند الذكور والسابع عند الاناث قياسا على نسبة حدوثه التي يبدو انها تضاعفت خلال العقد المنصرم بشكل فعلي لا صنعي إذا ما اخذنا بعين الاعتبار التفاقم الظاهر في نسبة الوفيات والمقدر بنحو %2 سنويا من جهة،
والتحسن المسجل في عدد الناجين من هذا المرض من جهة أخرى. تقتصر حصته من مجموع سرطانات الجلد على أنواعها، على % 4 فقط، لكنه ينفرد بنسبة % 77 من الوفيات الناتجة عنها. يصيب البالغين من الجنس الابيض بشكل شبه حصري، ويظهر عادة في جذع الجسم عند الرجل وعلى الاطراف السفلى عند المرأة.
استعرضنا فيما سبق بعض خصائص هذا المرض و قيمنا حجم حدوثه الإحصائي وعددا من معطيات الإصابة به. أما الآن فنجد من البديهي أن نسأل عن ماهية العوامل التي تشارك في إطلاق ثم دفع مسيرة نشأته، وعن الأشخاص الأكثر تعرضا لخطر إيوائه. تستوجب منا الإجاية استذكار العناصر الآتية:
ظهور إشارات تبدل مستحدثة في شامة موجودة: إنها الاكثر تنبؤا على شؤم حدوث تحول خبيث. إن قيمة الخطر النسبي الذي يربط ما بين هذا التحول والشامة التي ظهرت فيها آثار تغيرات مستحدثة، تفوق في قدرها % 400. علما بأننا سوف نستعرض لاحقا مختلف اوجه هذه التغيرات.
سرطان شامة عائلي أو شخصي: تتسبب الوراثة بزيادة في نسبة خطر حدوث المرض، تساوي ثلاث إلى ثماني مرات النسبة العادية المعهودة.
وحمة شاسعة المساحة: الوحمة هي هذا الدمغ الملاني الخلقي، و هي تعتبر شاسعة إذا ما ساوى قطرها الخمسة عشر سنتمترا وما فوق. يحتوي هذا الصنف على خطر يقدر بستة بالمائة في عملية حصول تحول سرطاني خلال فترة حياة حامل هذه الوحمة. علما بأن نصف هذه الإصابات تحصل في السنوات الأولى من الحياة و تتميز بعمق اجتيازها لثخانة الجلد و بلوغها حتى انسجة غير جلدية.
الجنس الأبيض: تبلغ نسبة تعرضه لحدوث سرطان الشامة عشرة اضعاف تلك المعروفة عند ذوي اللون الأسود.
إصابة بسرطان الشامة قبل سن الأربعين، تم معالجته جذريا واستكان دون رجعة.
الخضوع المنتظم لجلسات التسمير المصطنع قبل سن الثلاثين: تنتج عشر من هذه الجلسات او اكثر في السنة ارتفاعا يعادل الضعفين في نسبة خطر حدوث تحول ملاني خبيث عند الاشخاص الذين تعدوا سن الثلاثين. أما عند الذين هم ما دون هذا السن فمعدل الارتفاع هذا يفوق بكثير النسبة المقدرة والمنسوبة الى الشريحة السابقة الذكر.
شامات متعددة: إذا ما تعدى هذا الكم من الشامات حد الخمسين وكانت جميعها عادية التكوين لكن قطرها يفوق الملمترين قياسا فحاملها معرض من خمس الى سبع عشرة مرة ضرب قيمة الخطر المزعوم لنشوء سرطان ملاني عند اولئك الذين يحملون عددا أقل من هذه الشامات. من المستحسن إذاً، أن يخضع ذوو الشامات البريئة المظهر والمرتفعة العدد الى فحص طبي متأن مرة كل سنة على الأقل، لاجراء مسح متجدد لعدد الشامات وتدقيق دوري في أبعاد عناصر بنيتها.
شامات غير نمطية: تعتبر سريريا وكأنها في وسط المسافة التي تفصل الشامة العادية عن الشامة التي تعرضت لآفة التحول. حجمها عادة يتعدى قطره الخمسة مليمترات، تبدو تارة متفاوتة الدمغ، ذات حدود مموه وسطح كالمنسوج وطورا تبدو بمظهر البيضة المقلية أي في وسطها حطاطة مرتفعة يحيط بها عنصر بقعي كما أنه بإمكانها أيضا ولو بنسبة ضعيفة جدا، أن تأخذ أشكالا مختلفة أخرى.
كبح جهاز المناعة: كما هو الحال عند المرضى المصابين بداء الليمفوما أو اللوكيميا، أو في حالات زرع الأعضاء.
سرطان في الجلد من النوع غير الملاني: إن إصابة كهذه إذا ما وردت في وقت سابق، تزيد من خطر حدوث سرطان الشامة ثلاثة الى خمسة أضعاف، ضف إلى ذلك خصوصية هؤلاء من ناحية تأثرهم المفرط بنور الشمس معطوفا على سيرة تعرض تراكمي لهذا النور، فالأمور تزيد تعقيدا.
حساسية مرهفة للتعرض لنور الشمس، أي نشوء حروق بدل الميل الى السمرة.
لاشك في أننا أكثرنا من استعمال تسمية سرطان الشامة وكان ذلك من باب التعريف المطلق الجامع تسهيلا لإحتواء الرسائل العلمية المراد بثها الى القراء ولضبطها تحت عنوان موحد يختصر توصيفات متنوعة وأرقاما وقياسات مختلفة تعبر كلها عن حالة أحدية في مضمونها. نعم، أحدية الأصل والجوهر ولو تعددت أوجه بروزها وسلوكها. نشير بذلك الى مجموعة الفروع الثانوية التي تنبثق عن السرطان الملاني، لا سيما منها:
أولا - النمشة الخبيثة الملانية: تشكل %5 تقريبا من السرطانات الملانية. إن علاقة تحولها بتأثير التعرض للشمس، واضحة المعالم وتنشأ في الأماكن من الجلد المكشوفة لها عند البالغين. تنقضي سنوات عدة عادة قبل أن تنتقل هذه النشمة الى حالة السرطان القادر على الغزو والانتشار ويعتبر هذا العامل من خصوصيات النمشة الخبيثة الملانية. هل صحيح انه يمكن اعتبار هذه الأخيرة أقل أنواع سرطان الشامة عدوانية ؟ في أي حال فيقيننا أن ما يحكم سلوك السرطان الملاني هو عمق اجتيازه لطبقات الجلد، لا نوعه.
ثانيا - السرطان الملاني ذات المد السطحي: هو النوع المألوف الذي يشكل نسبة % 70 من سرطانات الشامة المشخصة. بإمكانه أن ينمو بطريقة امتدادية سطحية لمدة طويلة الأمد قبل أن يدخل مرحلة الغزو او التصرف الهجمومي.
ثالثا - سرطان الشامة العجري ( او العقدي): يحتل هذا الصنف المرتبة الثانية في لائحة الشيوع الأكثري أي % 15 من مجموع السرطانات الملانية. السن الوسطي لنشوئه هو (53).
مظهره السريري يختلف باختلاف لونه: أزرق يشوبه السواد، أزرق يمتزج فيه اللون الأحمر أو لاملاني أي دون لون معين ( % 5 فقط ).تتوزع نقاط وجوده بشكل خاص بين جذع الجسم، الرأس أو الرقبة وهو يظهر اختياريا على مساحات الجلد الصحيحة لا في شامة سابقة التكوين، ويتميز نموه بالسرعة.
رابعا - السرطان الملاني النمشي الطرفي: يقدر بـ % 8 من سرطانات الشامة وهوا الأكثر حدوثا عند الأشخاص ذات لون الجلد الداكن. يظهر على الكف، أخمص القدم، فراش الظفر، الأغشية المخاطية أو العضو الذكري.
خامسا - سرطان الشامة اللا قتاميني: إنه النوع الخال من الصبغ، هو قليل الحدوث وصعب التشخيص لكنه يتبع كغيره المنظومة السريرية للتحول.
ذكرنا المنظومة السريرية للتحول. إنها تختصر بيضع إشارات وصفية المرحلة الأولى من عملية تشخيص وجود سرطان ملاني، ألا وهي المرحلة السريرية. هذه الإشارات تشكل التعبير المرئي لتفاعلات نسيجية وخلوية تحدث في العمق بإستطاعتها اذا ماتمت أن تغير مسار حياة انسان رأسا على عقب خصوصا اذا قوبلت بالإنكار أو التجاهل وأهمل التعامل الجدي والمبكر معها. أربع لاءات:
- لا تماثل في الشكل الإجمالي.
- لا انتظام في الحد.
- لا ثبات في اللون.
- لا حصر في الحجم.
تدق هذه اللاءات ناقوس الحذر وتدفع بإلحاح الى القيام بخطوات طبية إضافية يكون لها الكلمة الفصل. أولى هذه الخطوات هو أخذ خزعة جراحية شاملة للشامة المتغيرة بأكملها، مع احتساب هامش أمان عامودي وأفقي حسب المقاييس المحددة عالميا ثم تحليلها نسيجيا تحت المجهر.
يتوقف قرار استراتيجية السلوك اللاحق على توصيف التشخيص وحسمه نهائيا. لا شك في أن التشخيص المبكر هو خشبة الخلاص لاسيما وأن الدراسات تؤكد بأن العلاج في هذه المرحلة يؤدي الى شبه شفاء تام. أما إذا أعطي المرض حرية التحرك واتسعت رقعة انتشاره فسوف يضيق أمل الخلاص ويقوى شأن الزعم بأن لا نجاة لمن تنادي.