ازداد الاهتمام في الآونة الأخيرة في الأوساط العلمية والإعلامية بهرمون السيكريتين (Secretin) كعلاج محتمل للتوحد، وكأسلوب من أساليب التدخل العلاجي التي قد تحدث تحسناً لدى البعض من أطفال التوحد. أما التوحد (Autism) أو الطيف التوحدي فهو مصطلح يستخدم في وصف حالة اضطراب من اضطرابات النمو الشاملة.
هذه الاضطرابات خلل وظيفي في الجهاز العصبي المركزي ينتج عنه قصور في نمو الإدراك الحسي واللغوي وبالتالي القدرة على التواصل والتخاطب والتعلم والتفاعل الاجتماعي، مما يجعل الطفل غير قادر على تطوير مهارات التواصل البصري والاجتماعي مع الآخرين وتكوين علاقات اجتماعية طبيعية معهم.
تصاحب هذه الأعراض نزعة انطوائية تعزل الطفل الذي يعاني منها عن وسطه المحيط بحيث يعيش منغلقا على نفسه لا يكاد يحس بما حوله وما يحيط به من أفراد أو أحداث أو ظواهر، ويكون مندمجا في حركات نمطية أو ثورات غضب كرد فعل لأي تغير في الروتين.
يمكن أن يحدث التوحد في أي مرحلة من مراحل النمو، بدءا من تكوين الجنين في رحم الأم ولكن تبدأ ملامحه في الظهور عادة قبل ان يبلغ الطفل الثالثة من عمرة وغالبا ما يظهر خلال السنة الأولى من عمر الطفل.
ورغم أن الإصابة بالتوحد غالبا ما تكون مصحوبة بأعراض عصبية، أو اضطرابات ذهنية، أو مشكلات صحية محددة مما يجعلها ترتبط وكما أشارت بعض التقارير بالاختلافات البيولوجية أو العصبية في الدماغ إلا أنه لا يوجد سبب واحد محدد يمكن أن نوجه إليه أصبع الاتهام .
ونقول انه هو المسؤول عن الإصابة بالتوحد ، إنما هناك مجموعة من الفرضيات العلمية العضوية، مثل فرضية نقص أو زيادة هرمون السيروتونين - فرضية الأحماض الأمينية - فرضية جاما انترفيرون وفرضية نقص هرمون السيكريتين وهي موضوع حديثنا.
علاج هرموني
والسيكريتين هو هرمون يفرز من خلايا الجزء العلوي من الأمعاء الدقيقة (الإثنى عشر)، ويعمل على تحفيز البنكرياس لكي تفرز الإنزيمات الهاضمة والبيكربونات في الأمعاء، كما يحفز الكبد على إفراز العصارة الصفراوية، ويحفز المعدة على إنتاج الببسين، وله استخدامات طبية علاجية عديدة مثل استخدامه في بعض حالات القرحة المعدية الناتجة عن زيادة إفراز العصارة الحمضية.
كما يوجد هرمون السيكريتين في خلايا المخ ويعمل على تحفيزها على إنتاج هرمون السيروتونين Serotoni، والذي يعتبر بدوره مسؤولا عن عدد من الوظائف المهمة كتنظيم الإثارة والتركيز والتعلم، ومن الملاحظ أن نسبة تركيز السيروتونين تكون منخفضة عادة عند المصابين بالتوحد.
ويعود الفضل في اكتشاف دور هرمون السيكريتين في علاج التوحد كما ذكر ياسر الفهد (وهو والد طفل توحدي) نقلا عن مقال للدكتور ستيفن ايديلسن ونشر في موقع أطفال الخليج، إلى «فيكتوريا بيك» .
وهي أم لطفل توحدي كان ابنها يعاني من إسهال مزمن وأجريت له اختبارات عديدة للأمراض المعوية وتطلب أحدها أن يستعمل هرمون السيكريتين بالحقن لفحص وظيفة البنكرياس لديه.
ويعد إجراء الاختبار لاحظت الأم وزوجها أن الإسهال قد توقف لدى ابنهما وان سلوكه قد تحسن بصورة ملحوظة مما جعلها تواصل قراءة وثائق البحوث العلمية المختصة بهرمون السيكريتين، واستنتجت من ذلك أن استعمال هرمون السيكريتين كان هو السبب في تحسن حالة ابنها.
وبتمويل من المعهد القومي لصحة وتنمية الطفل اجرى الدكتور ألن أونيس (وهو أستاذ العلوم النفسية والسلوكية مدير مركز تنمية ذوي الاحتياجات الخاصة بجامعة كلورادو) والدكتورة جيرالدين داوسون أستاذة علم النفس بجامعة واشنطن، تجارب على مجموعة من الأطفال التوحديين (100 طفل) تم تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات، مجموعة تعطي حقن السيكريتين المستخلص من الخنزير (لأنه شبيه بالسيكريتين الآدمي) والمجموعة الثانية تعطي سيكريتين صناعي.
والمجموعة الثالثة تعطي محلولاً ملحياً باعتبارهم مجموعة محايدة وتم تأهيل الأطفال وإجراء التقييم السلوكي واللغوي قبل إعطاء الجرعات بصفة شهرية وذلك لتقييم مدى التغير الذي أحدثه السيكريتين من عدمه في سلوك ولغة أطفال التوحد.
والجدير بالذكر إن السيكريتين المعطي في الاختبار(سيكريتين الخنزير) يتكون من %60 من السيكريتين و %40 مكونات غير معروفه لدى الباحثين ولم يتوصلوا بعد عن أي جزء هو المسؤول عن إحداث التغيير العلاجي لدى أطفال التوحد ولا يزال الأمر كما يقول الدكتور ألن بحاجة لإجراء العديد من الأبحاث والتجارب للإجابة عن الأسئلة.
وذكر أحد الباحثين ويدعى ريم لاند فيما نقل عنه الدكتور جون من جامعة فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية ونشره في موقع http://curry.edschool.virginia.edu/sped/projects/ose/information/secretin.html انه لا توجد دلائل قوية على أنه يمكن إعطاء السيكريتين كعلاج للتوحد .
ويستشهد ببحث اجري في الفترة من 1998 إلى 2005 على أفراد من مختلف الأعمار جميعهم مصابون بالتوحد وتم تقسيمهم إلى مجموعتين مجموعة تم إعطاؤها حقن هرمون السيكريتين والمجموعة الأخرى تم إعطاؤها جرعات بلاسيبو وهو عبارة عن محلول كاذب ويستخدم في التجارب لعمل المقارنات المخبرية.
ولم تظهر النتائج استجابات متشابهة أو متماثلة على التوحديين الذين خضعوا لجرعات السيكريتين مما جعل الباحثين يتوصلون إلى انه لا توجد دلائل كافية على فعالية جرعات السيكريتين سواء الجرعة المنفردة أو المتعددة.
وأوصت الدراسة بعدم وصف أو إعطاء السيكريتين كعلاج للتوحد قبل إجراء المزيد من الأبحاث والتجارب عليه لان ما ظهر حتى الآن لم يثبت لنا علميا أنه يمكن أن يعتمد عليه كعلاج لطيف التوحد.
نستخلص مما سبق أن السيكريتين وان كانت له فعالية في تحسين أعراض التوحد ولكن لا يستفيد منه جميع مصابي التوحد الفائدة نفسها حيث يظهر على البعض تحسن بينما لا يظهر ذلك على الغالبية منهم.
ويجدر بنا أن نبين أنه لا توجد دراسات سريرية حول مدى فعالية هرمون السيكريتين بالنسبة لمصابي التوحد ولا تتوفر معلومات كافية عن الآثار الجانبية لاستعماله، على الأقل حتى الآن ، فالأمر لا يزال قيد الدراسة والبحث، كما أنه لم تتم اجازة استعماله من قبل الـ FDA (المنظمة الأميركية للأغذية والأدوية) كعلاج للتوحد حتى الآن ويعطى فقط على مسؤولية الأهالي وأولياء الأمور.
و إن دور مركز دبي للتوحد هنا توصيل ونقل المعلومة العلمية الصحيحة بهدف تثقيف الجمهور الكريم، ومده بكل ما يستجد في مجال العلاج أو البحث العلمي حول التوحد وتسليط الضوء حول النواحي الايجابية والسلبية فيها، وليس التوصية لإتباعها.
مريم صالح خليفة
بكالوريوس علوم تمريضية مركز دبي للتوحد