حققت المملكة العربية السعودية قفزات نوعية في ترسيخ الريادة الطبية المتطورة ليس على صعيد الوطن العربي فحسب بل على الصعيد العالمي، وفي هذا الإطار تقوم بتعزيز كادرها الطبي المتخصص من الأطباء المتميزين الذين باتت لهم سمعة كبيرة في جراحة الأعصاب في القارة الأميركية الشمالية (كندا والولايات المتحدة الأميركية).
مدينة الملك فهد الطبية في الرياض ذروة التطوير، حيث يعمل فيها الآن خيرة الأطباء السعوديين والعالميين. «الصحة أولاً» التقت استشاري جراحة الأعصاب الدكتور محمود عبدالجبار اليماني لدى زيارته إلى دبي لمناسبة معرض ومؤتمر الصحة العربي.
فقد حقق الدكتور اليماني إنجازاً كبيراً بالتوقيع على شراء «برين لاب سويت» خلال زيارته للمعرض. والبرين لاب سويت عبارة عن أجهزة طبية متكاملة أو مدمجة توفر لطاقم عمليات جراحة الأعصاب كل ما يحتاجه من دون نقل المريض من غرفة إلى أخرى.
الدكتور اليماني أوضح الأسباب التي جعلت السعودية تختار تلك الأجهزة الطبية المتميزة. وتالياً الحديث:
* كيف وقع اختياركم على المركز الطبي المدمج: «Brainlab Suite» وكيف أمكن توفر الفكرة لديك عن المختبر حتى قبل مجيئكم إلى دبي؟ وهل قمتم بزيارات للتعرف على تلك التقنية الطبية الرفيعة؟
- عندما بدأ مشروع تشغيل مدينة الملك فهد الطبية قبل عامين تقريباً، كانت تتوفر دراسة كبيرة جداً أجريت على كيفية تشغيل مدينة الملك فهد وكيفية استغلالها بأفضل الطرق، وكان من نتيجة تلك الدراسة الميل إلى عدم توسيع أفرع التخصصات الطبية، بل تحديد نقطاط القوة، وهي مركز العلوم العصبية ومراكز طبية أخرى ذات أهمية بالغة.
لقد قام فريق متخصص في مجال العلوم العصبية بدراسة المنتجات عامة سواء التي تخص القسم الجراحي أو القسم الباطني من علوم الأعصاب على مستوى العالم تقريباً. وتم ترشيح منتجات كثيرة، وفي أعقاب ذلك أجريت دراسة حول الجدوى الاقتصادية وإمكانية الاستفادة منها، وحصلت بالطبع اجتماعات مطولة حول مستوى الخدمة المطلوب تقديمها.
وفي ضوء ذلك وقع الاختيار على عدد من الأنظمة الطبية، «الأجهزة المدمجة» ومنها البرين سويت Brain Suite G و البرين brain Lab وأهمية النظام، الذي أقدمنا على شرائه، هو أنه يجمع في غرفة واحدة وتحت سقف واحد جهاز تصوير وجهاز الملاحة العصبية الذي يربط التصوير بالواقع الذي هو:
Navigation System, وهو يربط التصوير الطبي بواقع الحالة المرضية، وبالتالي يمكن للجراح من الوصول إلى العلة المرضية واستئصالها بشكل كامل.
ولكن استخدامات الجهاز لا تقتصر على ذلك، ومن ضمن تلك الاستخدامات الاستخدام التشخيصي، الذي هو واحد من فوائد دراسة الجدوى الاقتصادية للنظام. وقد نوقش هذا الأمر مع الشركة المزودة وقالوا إنه ليست هناك أية موانع تحول دون ذلك الاستخدام بل شجعوا على ذلك.
ويمثل النظام الذي اعتمدناه في مدينة فهد الطبية عملية دمج كاملة للعلوم الطبية العصبية بجميع تخصصاتها الفرعية، ونتوقع أن تكون المنشأة التي ستضم النظام فريدة من نوعها في منطقة الشرق الأوسط.
نقاط القوة
وللحديث عن الجزئيات الأخرى يمكن القول إن مدينة الملك فهد الطبية تمتلك نقاط قوة متعددة منها مراكز القلب والأورام والسكر. أما من جهة أخرى فمعظمهم سعوديون، ولكن لا يمنع ذلك من وجود خبراء غير سعوديين، لكن الرؤية المستقبلية هي أن يتوفر أطباء للمنشأة الطبية غالبيتهم سعوديون بنسبة مئة في المئة.
ويقوم مركز السكر بزراعة خلايا البنكرياس ويهتم بأبحاث السكر على أعلى المستويات. وهناك الكثير من الأنشطة الطبيبة التي لا تحضرني الآن وعلى سبيل المثال هناك مركز الأطفال الذي يعد من أفضل المراكز المتقدمة في عالم العلاج الطبي للأطفال. ويتوفر في مدينة الملك فهد الطبية أيضاً مركز لأمراض النساء والولادة.
وحدة علاج الجلطة الدماغية
يضم مركز العلوم العصبية أول وحدة لعلاج الجلطة الدماغية على مستوى الشرق الأوسط. وهي وحدة مكونة من 8 أسرة. في المرحلة الأولى تم افتتاح 6 أسرة وهي نشيطة الآن وتستقبل المرضى. أما في المرحلة الثانية فسيتم توسيع الوحدة لكي تضم 8 أسرة. في حين أن المرحلة الثالثة من التوسعة ستضم 12 سريراً.
وتمثل هذه الوحدة أول علاج للجلطة الدماغية في الشرق الأوسط. وهي وحدة متخصصة مبنية على الدمج بين تخصصات تقنية مختلفة من ضمنها طبيب الأشعة، والعلوم العصبية.
وطبيب الإسعاف وطبيب التخدير وطبيب العناية المركزة فضلاً عن طبيب التأهيل، ويمر المريض على مراحل عدة منذ لحظة وصوله إلى الإسعاف، حتى عملية اتصال أهله به. ويقدم لمريض الجلطة الدماغية العلاج خلال الساعات الأولى من استقباله.
لقد تم حتى الآن علاج عدد من الحالات كان أصحابها سيصابون بالشلل لو تركوا دون إسعاف فوري خلال الساعات الثلاث الأولى. ونجح العلاج في جعلهم قادرين على الاعتماد على أنفسهم. وبعد ذلك طرأ تقدم كبير على حالتهم الصحية.
ومن البرامج العلاجية الموجودة، مركز علاج النزيف الدماغي، وهناك أيضاً مركز لعلاج الإصابات الطرفية. وتضم مدينة فهد الطبية مجموعة برامج للعلاج وهي برامج علاج الصرع والجلطة الدماغية وبرامج علاج الأوعية الدموية الدماغية.
* هل لديكم الاستعداد الكامل لتوفير الكادر الكفؤ القادر على إدارة أجهزة نظام «برين لاب سويت» خلال فترة قياسية، مع العلم أن المنشأة سيتم إنجازها في أقل من سنة من الآن؟
- نعمل على تجميع الكادر القادر على العمل في مركز العلوم العصبية. ويلاحظ أن مركز العلوم العصبية سيضم 42 استشارياً على الأرجح، ولكننا الآن في مرحلة استقطاب. وتم حتى الآن استقطاب سبعة استشاريين من أصل 42 استشارياً. منهم سعوديون قادمون من الخارج وبعضهم كان في السعودية في مراكز طبية متنوعة.
وسيتم استقطاب غير السعوديين أيضاً من أصحاب الكفاءات الرفيعة جداً. كما يتم الآن التفاوض مع أطباء سعوديين عملوا في الولايات المتحدة وكندا. وكان بعضهم زملاء لي في فترة من الفترات.
وبالطبع فإن المركز يبحث حالياً عن أطباء النخبة أي زبدة الزبدة ونتسلم حالياً طلبات كثيرة. فعندما نطلب اختصاصات في مجال معين لا تتجاوز طبيباً واحداً يتقدم لنا خمسة. لكن المركز حريص، ومدينة فهد بشكل خاص حريصة على استقطاب الكفاءات فقط.
* هل هناك خطة من جانب الحكومة السعودية على تعميم التجربة على باقي المدن السعودية؟
- تعمل وزارة الصحة السعودية حالياً على إنشاء الخامة المثالية. والخامة المثالية لو تشكلت بنجاح في مدينة الملك فهد الطبية، فإنها ستطبق بشكل أصغر قليلاً من المستشفيات الثانوية.
وهناك الآن مستشفى مشابه لمدينة الملك فهد الطبية في المنطقة الشرقية بعدد أسرة أقل وكادر أصغر قليلاً من مدينة الملك فهد الطبية في الرياض، ولكنها تنسجم مع السياسة ذاتها المتبعة في مدينة الملك فهد الطبية. والحقيقة إن هذه التجربة عندما تنضج سننقلها إلى مختلف مناطق المملكة بإذن الله.
* هل عندكم الاستعداد لتصدير هذه التجربة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة أو أية دولة عربية أخرى أو مساعدة دولة عربية في التأسيس لتجربة البرين لاب سويت؟
- أعتقد أننا نحن العرب في الجوهر والمضمون شعب واحد. وكل الخبرات في المنطقة العربية ينبغي أن تكون مكرسة لكل الشعوب العربية.
ويسرني شخصياً أن أقدم كل ما أقدر عليه لكي تتوفر في البلدان العربية وخاصة في منطقة الخليج تلك الخدمة الطبية التقنية الرفيعة التي ستعود بالفائدة على كل العرب. إن المسؤولين السعوديين لم ولن يترددوا قط في توفير أي إمكانية لإقامة منشآت طبية من المستوى نفسه.
* لماذا لا تدعون وفوداً صحافية للوقوف على أحدث الإنجازات الطبية التي توصلت إليها المملكة العربية السعودية، وهل تعتزمون الترويج لفكرة السياحة الطبية؟
- التقت أخيراً الهيئة العامة للسياحة في السعودية مع إدارة مدينة الملك فهد الطبيبة مع مسؤولين من وزارة الصحة السعودية. والحقيقة يتوفر هناك مشروع يطلق عليه «السياحة الطبية»، وكان المشروع مقترحاً من قبل وزير الصحة السعودي. بالطبع يحتاج المشروع إلى دعم إعلامي كبير جداً سواء في الدول العربية أو خارجها.
والحقيقة إن مثل هذا النشاط يساعد على نشر الصورة الوضاءة والصحيحة عن المملكة العربية السعودية وعن حجم التطور الطبي والتقني الذي وصلت إليه. ومثل هذا الترويج يساعد على استقطاب المرضى الذي يحتاجون إلى علاج متوفر في السعودية. ويمكن أن يأتي هؤلاء المرضى من بلدان أخرى.
وكذلك ليس هناك أي مانع في توزيع الخدمات الطبية المتطورة على باقي دول الخليج العربية، فليس لدى السعودية أي مانع أن تضم دبي أكبر مركز علاج أمراض القلب وجراحتها في الوطن العربي وكذلك الأمر بالنسبة للدوحة أن تصبح أكبر مركز لجراحات التجميل وأن تتركز في دولة خليجية أخرى جراحة الأورام السرطانية.
وسيفيدنا ذلك كثيراً، حيث يمكن توجيه المريض المصاب إلى أفضل المراكز الطبية في المنطقة دون الحاجة لمغادرتها، وهذا أسهم بكثير بالنسبة للمريض والنفقات المترتبة على السفر للخارج.
التوجه الحالي هو في الحقيقة توزيع الاختصاصات إلى ما يمكن أن أسميه التكامل الطبي. وأعني من وراء ذلك أنه عندما تم التفكير في إنشاء مدينة الملك فهد الطبية تم الاتفاق على أن يكون هناك تكامل طبي قائم على الكفاءات المتميزة، وليس السعي لمنافسة الآخرين في المنطقة.
إن هدفنا هو تقديم الخدمة الكاملة للمريض، ونرى أنه إذا لم يحصل المريض على الخدمة الطبية الكاملة فنحن نوفرها له هنا من خلال النظام الطبي المتكامل.
وعلى هذا الأساس تم إنشاء وحدة علاج الجلطات الدماغية (الستروك Stroke). والبرين لاب هو في الواقع أداة أي جهاز يخدم أهداف مدينة الملك فهد في جزئية معينة وهي جراحة الأعصاب، ولكن البرين لاب كأداة بات يتبلور في المدينة الطبية. يقوم المهندسون الآن بإنشاء المخطط النهائي لوضع الأساس له.
* متى ينتهي تجهيز المشروع؟
- تتوقع الشركة المنتجة والمنفذة أن يكون المشروع جاهزاً في أقل من عام أي يمكن أن نتحدث عن 11 شهراً من الآن. أما بالنسبة لنفقات التأسيس لبرين لاب فهي 10 ملايين دولار.
ومن المتوقع أن يستغرق تدريب العاملين على الأجهزة أكثر من أسبوع أو نحو ذلك. والذي يحتاج إلى التدريب هو الطاقم الفني فقط. وبما أننا نتحدث عن التكاليف فإن تكلفة تشغيل الأشعة المغناطيسية في التشخيص في قسم الأشعة ليست طائلة.
؟ ما هي طموحاتكم أنت وزملاؤك الأطباء؟ هل تحقيق تلك الطموحات ممكن أم هناك معوقات؟
- ما من شك فإن الدول العربية عامة تمر بطور بناء، والمعوقات هي في الواقع موجودة ولكن خلال السنوات الخمس الماضية وجدنا أن التعامل في السعودية إيجابي جداً. فأصحاب القرار في السعودية لا يألون جهداً في تذليل الصعوبات، وهو ما يجعلني مع الكثير من زملائي نقتنع بالحضور والبقاء لخدمة الوطن وأبناء شعبنا. لقد قررنا البقاء، بعد أن رأينا الضوء في آخر النفق.
بدأنا نرى الضوء لأننا حصلنا على استجابات كثيرة بعد أن حصلت متغييرات واسعة النطاق. وأعتقد أنا وزملائي أن السعودية، خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة سيصبح لها مكان الصدارة في تقنية العلاج الطبي، وخاصة الكفاءات الطبية الرفيعة، في المنطقة العربية. وأعتقد أن ما سيمهد الطريق لهذا النجاح هو زوال كل العوائق التي كانت تمنع استقطاب الكوادر الطبية سواء السعودية أو العربية.
محمد نبيل سبرطلي