هناك خلف الأسوار المغلقة، والشبابيك الموصدة في وجوه أصحابها، الكثير من القصص والحكايا، التي يدفع ضريبتها الصغار بشكل خاص، فالمشكلات العائلية أياً كانت صغيرة أم كبيرة، تنعكس بشكل سلبي على الأطفال، الذين يراقبون بحزن ما يجري بين أفراد العائلة. ووفقاً لما تشير إليه الدراسات النفسية والسلوكية، فإن التجارب التي يحياها الطفل في السنوات الخمس الأولى من حياته تقرر نمط شخصيته وتركيبته مدى الحياة.

لهذا فإن مسألة رعاية الأطفال نفسياً وجسدياً في المرحلة المبكرة من سنوات حياتهم تعتبر ضرورية ومهمة جداً. وتربية الطفل ليست عبارة عن وصفة، أو مخطط جاهز، بل هي انعكاس لقيم ومعتقدات تعبر عن تركيب اجتماعي، ولمفاهيم الأبوين ونمط شخصيتهما أيضاً. وعلى الأبوين ألا يغفلا هذا الأمر، لأن أي مشكلة مهما كانت كبيرة لدى الطفل يمكن علاجها في الصغر، بينما لا يمكن علاجها في الكبر، أو قد يصعب علاجها، وقد تكون سبباً في حدوث الانحراف الذي لا تحمد عقباه.

وإذا ما أراد الأبوان أن ينعم البيت بالأمن والهدوء والاستقرار النفسي يجب أن يجنبا أطفالهما خلافاتهما، إذ ليس بالضرورة أن يشهد الطفل كل صغيرة وكبيرة في البيت، ينبغي على الأبوين أن يتقنا استخدام صمام الأمان. فمشكلات الحياة رغم أنها عديدة، إلا أنها قابلة للحل والعلاج.

وبشكل عام ينصح خبراء الصحة النفسية الزوجين بضرورة تأجيل نقاشاتهما الحادة التي غالباً ما تتفاقم بارتفاع الصوت وغياب لغة الحوار البناء، وتنتهي بمشكلة وتصدع في جدران العلاقة الزوجية، فتأجيل الحوار أو نقله إلى مكان خارج البيت كالحديقة أو أي مكان عام، أفضل بكثير من البدء به في البيت، لأن بيوتنا صغيرة، وغير عازلة للصوت، وعلى الوالدين أن يتقنا فن الحوار، وأن يعلما أطفالهما ذلك، وإذا ما تأصل ذلك في السلوك اليومي لأفراد العائلة، فإن المشكلات الناجمة عن صعوبات الحياة المادية، يمكن تذليلها بكل سهولة، لأن الحوار الهادئ يعتبر بمثابة الجسر الذي نعبر عبره باتجاه الضفة الأخرى من النهر.

وعلى الوالدين أن يشعرا أطفالهما بالانسجام بينهما، النابع من الحب والاحترام المتبادل، والعطاء الذي ينعكس بشكل إيجابي على جميع أفراد العائلة. أما إن حدث عكس هذا، فإن التصدع لن يطال جدران العلاقة الزوجية، بل جدران المنزل الذي كان بمثابة الحلم الجميل قبل سنوات.

إنها دعوة لحماية أطفالنا من المشكلات النفسية والسلوكية الناجمة عن تصرفات الأبوين التي يدفع ثمنها الأطفال كضريبة كبيرة لا يقدرها إلا من تعرض لها، والتي يمكن كشفها في عيون الأطفال الحزينة، وفي قصصهم المأساوية حينما يكبرون.