كان ولدي من الطلاب المتفوقين بالمدرسة، ومع المرحلة الثانوية بدأ يتراجع شيئاً فشيئاً، إلى أن وصل إلى تقدير جيد جداً وكان ذلك في الصف الثالث الثانوي تحديداً، وتوقعت أن يكون ذلك بسبب الأصدقاء والفترة الحساسة التي يمر فيها من مراهقة وطيش، ولكن مع بداية مرحلة الدراسة الجامعية بدأت معاناتي الحقيقية معه،
إبني منطوياً على نفسه، ويجلس ساعات عدة بحجرته، ويعود من الجامعة مشياً على الأقدام رغم أنني أوفر له كل ما يلزمه من النقود، وعندما جلست معه لأعلم ما حل به أصبح يتكلم في أشياء غريبة ولا يوجد لها أساس، واتهمني بأنني أجبرته على دراسة تخصص الهندسة رغم أنني لم أحاول أن أتدخل في اختياره أبداً، وطلب مني أن أوافق على تغيير تخصصه فخضعت لرغبته.
وفعلاً بعد أسبوع ترك كلية الهندسة والتحق بكلية الحقوق، وبدأ الدراسة وتجاوز السنة الأولى بتقدير جيد، وفي السنة الثانية لم يستطع إنهاء سوى %30 من المواد بنجاح.
وقرر عندها إعادة السنة من أجل رفع معدله وليته لم يفعل، ففي المرة الثانية رسب بجميع المواد، وعند ظهور النتيجة أصر على أن يترك الجامعة، وحينها انتابني شعور بالخوف عليه، وأحسست أنه يسير في طريق غير صحيح فقلت ربما الشرب أو المخدرات من جراء رفقة السوء، ومنذ ذلك الوقت بدأت بمراقبته والتركيز عليه.
وسألت عنه زملاءه في الجامعة، لكن الجميع أشاد به وبأخلاقه، وبعد تركه الجامعة بدأت حالته تزاد سوءا، فقد انقطع عن أداء الصلاة، وأصبح يمضي أوقاتاً طويلة خارج المنزل، ولم يعد يهتم بمنظره الخارجي ولا بنظافته الشخصية، ولا يدخل للاستحمام إلا بعد نقاش طويل مع والدته.
وذات مرة قال لي أحد الجيران إنه رآه يمشي في وقت متأخر بمنطقة مقطوعة، وعندما عرض عليه أن يقوم بتوصيله رفض بحجة أنه ذاهب لزيارة أحد أصدقائه، رغم أن جاري أكد لي أن المنطقة مقطوعة، ولا يوجد فيها أي منزل.
اضطراب في الافكار
بعدها أصيب ابني بحالة عدم تركيز، وأصبحت الأفكار تتطاير من رأسه وهو يتكلم، والمواضيع تتداخل مع بعضها البعض، وأصبح عصبياً، لدرجة لا تطاق، وكان يتطاول على اخوانه الأصغر منه سناً، وحتى على أمه، وفي آخر المطاف بدأ يكلم نفسه أو يكلم أشخاصاً على الحائط، وعندما أسأله يجيب انه يقرأ القرآن.
وفي هذا الوقت نصحني الأهل والأصدقاء أن أذهب به إلى أحد الرجال، لأنه احتمال أن يكون مسحوراً أو أن الجن هو الذي يتحكم بتصرفاته، وفعلاً لم أكذب خبراً وعلى رأي المثل «الغريق يتعلق بقشة»، وذهبت وبدأت رحلتي مع السحر والشعوذة وهؤلاء المنافقين، فمنهم من يعطيني بخوراً، ومنهم من يعطيني قراءات، وآخر يعطيني ماء من أجل أن يستحم به لطرد الأرواح الشريرة من جسده.
وفي غضون سنتين أنفقت عشرات الآلاف من الدراهم دون أي فائدة، وفي يوم من الأيام وبصدفة التقيت أحد أصدقائي وسألني عن ابني وجامعته فسردت علية القصة واقترح علي أن أصطحبه إلى طبيب نفسي، وأكد لي أن مشكلة ابني نفسية، وفي طريق عودتي للمنزل كنت أفكر في ذلك؟
وأخيراً قررت أن أصطحبه لكي اطمئن، ففي صباح اليوم التالي عرضت عليه الفكرة وقبل أن أكمل حديثي جن جنونه وأصبح يصرخ بأعلى صوته، واتهمني بالجنون، وتركني وذهب إلى حجرته مسرعاً، وبعد نقاش امتد لفترة أسبوع كامل استطعت أن أقنعه بالذهاب، وذهبنا معاً ورافقتنا زوجتي، ودخلنا إلى المستشفى، وتوجهنا لعيادة الطبيب وجلس ولدي مع الطبيب مدة 45 دقيقة، وبعدما شخص حالته قال إنه مصاب بالانفصام في الشخصية.
وعندها وقف تأثراً يريد التهجم على الطبيب، وبدأ يشتمه بكل عنف، ثم خرج مسرعاً من العيادة، وطلب مني الطبيب أن أجلبه إلى المستشفى بأسرع وقت لأنه يشكل خطراً كبيراً على نفسه وعلى المحيطين به، وفي اليوم نفسه اتصلت بإخواني وطلبت منهم المجيء في صباح اليوم التالي مبكراً من أجل اصطحابه إلى المستشفى بالقوة.
وذهبنا إلى المستشفى وبدأ يأخذ أنواعاً عديدة من الابر لتهدئة الأعصاب، وبقي في المستشفى مدة شهرين، وخرج بعدها للمنزل، كما أخذ أنواعاً أخرى من العلاجات على شكل حبوب منها، وطلب منه الطبيب هذه الأدوية مدى الحياة، ولكن الآن وبحمد الله قد تحسن كثيراً عن السابق.
لكنه لم يعد إلى وضعه الطبيعي، وهو بحاجة دائمة للمراقبة والعناية،وهو يعمل في الوقت الحاضر بشركة تجارية خاصة لأحد الأصدقاء، ويمارس حياته بشكل طبيعي وتأقلم مع الأدوية، وصاحب الشركة التي يعمل فيها ابني متفهم لوضعه الصحي، لذا يسمح له بالمغادرة في أي وقت إذا شعر بتعب.
أصوات مبهمة
وللتعرف على انفصام الشخصية وأسبابه التقت «الصحة أولاُ» الدكتور محمد اسبيته الاختصاصي النفسي في دائرة الصحة والخدمات الطبية ـ مستشفى راشد وكان هذا الحوار:
* ما المظاهر السريرية الدالة على انفصام الشخصية؟
ـ يعاني المريض من عدم التمييز بين افكاره العميقة وآرائه وتخيلاته من الواقع، وأن يتعرض المريض إلى سماع أصوات أو أن يعتقد أن الجميع يستطيعون قراءة أفكاره.
ويبدأ الشخص بعمل تصرفات غير مفهومة ويمكن أن تكون في وقت ومن الأوقات حادة، وتشكل خطراً عليه وعلى المحيطين.
* كيف يتم تشخيص المرض؟
بناءً على معطيات عدة منها إيجابية وتشمل الهلوسة وسماع الأصوات، وتخيل أشخاص، والتحدث مع نفسه، والمعطيات السلبية منها الانعزال وتجنب الاختلاط بالناس، والتشتت وعدم التركيز في شيء معين، المبالاة وعدم الاهتمام بنفسه وبالآخرين.
* ما سبب حدوث الانفصام، وهل للوراثة دور في ذلك؟
لا يوجد سبب واضح لغاية الآن والآراء حول هذا الموضوع متعددة، وبالنسبة للوراثة لم تظهر أي دراسات أن للوراثة دوراً في هذا المرض.