بات تلوث الأغذية بالمواد الضارة التي قد تسبب السرطان أو أي أعراض مرضية أخرى والغش في البطاقة الغذائية ومحتويات الأغذية وإضافة مواد كيميائية للأغذية غير مسموح بإضافتها، يقلق المستهلك في الوطن العربي مما أدى إلى حدوث الكثير من البلبلة والحيرة عند أفراد المجتمع حول ماذا يأكلون وكيف يأكلون.
بالإضافة إلى ظهور العديد من الأقاويل حول تناول أغذية معينة والامتناع عن تناول أغذية أخرى. ولتوضيح هذه الأمور نحاول في هذه المقالة استخلاص أهم الجوانب المرتبطة بالغش في الأغذية وكيفية حماية المستهلك من هذا الغش.
عوامل عديدة
هناك العديد من العوامل التي ساعدت على حدوث البلبلة وزيادة الاهتمام بالتلوث الغذائي في المجتمعات العربية ويمكننا إيجازها في التالي:
أولاً: زيادة الوعي الصحي بشكل عام عند أفراد المجتمع العربي وتعرفهم ان الغذاء قد يكون مصدر خطر لحياتهم مثل ما هو مصدر فائدة لهم.
ثانياً: القصور الملحوظ من جانب الجهات الرسمية والتي تهتم بتوعية المستهلك من حيث الرد السريع على الأقاويل الكاذبة بشكل رسمي وواضح مما يجعل المستهلك مطمئناً على غذائه.
ثالثا: قلة تأثير برامج التوعية الصحية والغذائية (إن وجدت)، حيث ان معظم برامج التوعية الصحية الحالية تعتمد على استضافة شخص متخصص في الغذاء والتغذية أو الصحة وسؤاله بعض الأسئلة واتاحة الفرصة للجمهور بسؤاله وهذه الطريقة أصبحت مملة للمشاهد التلفزيوني، خصوصا إذا كان المذيع أو المتخصص لا يتمتع بالقدرة على عرض الموضوع بشكل جذاب ومقنع، أما الكتيبات الصحية فالفائدة منها محدودة جداً.
رابعاً: النقص الملحوظ في الأشخاص المتخصصين فعليا في التثقيف والتوعية الصحية والغذائية، فمعظم الموجودين حاليا في المجتمعات العربية والذين يقدمون أو يعدون البرامج، اما أطباء في تخصص معين أو اختصاصيون في التغذية ولكن لم يتدربوا أو حتى يدرسوا طرائق ووسائل توصيل المعلومات الصحية وكيفية عرضها على الجمهور وأساليب الاقناع وغير ذلك من المهارات المطلوبة عند مقدم البرنامج الصحي.
خامساً: غياب أو نقص التخطيط للتوعية الصحية والغذائية، وبمعنى آخر عدم وجود برامج ذات أهداف محددة لغرض الوقاية أو السيطرة على مشكلة صحية أو غذائية معينة. فكل ما نقوم به في الوقت الحاضر هو إما اجتهادات شخصية أو برامج وليدة اللحظة نتيجة ظهور مشكلة صحية أو غذائية بشكل مفاجئ.
سادساً : تكتم الجهات الرسمية على بعض الأمور الصحية والغذائية بشكل يؤدي إلى ظهور تفسيرات خاطئة عند الجمهور.
سابعاً: اهتمام القنوات الفضائية بالإثارة وتحميس الجماهير في الأمور الصحية والغذائية مع عدم التأكد من صحة المعلومات التي يطرحها الضيف.
فمعظم هذه القنوات يهمها في النهاية عدد المشاهدين ولكن ليس استفادة المشاهدين من الموضوع المطروح وهذا يؤسف عليه مما يعني أن هذه القنوات لم تبنى على قاعدة صحيحة في اعداد برامج التوعية الغذائية في التلفزيون.
غزو ملوث
إن مشكلة التلوث الغذائي تعاني منها جميع الدول في العالم، ولكن بدرجات متفاوتة وهذا يعود إلى الأنظمة والقوانين المرتبطة بالرقابة الغذائية ومدى تنفيذها، ومدى توفر الأجهزة القادرة على كشف التلوث بالإضافة الى الأشخاص المؤهلين لإدارة هذه الأجهزة. وهناك عوامل أخرى مثل وجود جمعيات لحماية المستهلك وطرائق الثواب والعقاب المتبعة. وللأسف فإن دولنا العربية تعاني من المحسوبية والواسطة على حساب صحة المستهلك.
ولنتساءل الآن هل هناك غزو لتلويث الأغذية المصدرة إلينا؟ وللإجابة عن هذا السؤال يجب ان نعرف ان العوامل السياسية أصبحت الآن تتداخل في العوامل الأخرى مثل العوامل الصحية والاجتماعية.
وغالبا لا تحاول الشركات ذات السمعة العالمية والمشهورة بالجودة في غش الطعام أو المنتجات الغذائية التي تصدرها، ولكن قد تأتينا أغذية من دول ضعيفة في الرقابة الغذائية مثل العديد من الدول النامية في القارة الهندية وشرق آسيان والشرق الأوسط وشرق أوروبا وافريقيا. وهنا يجب أن يكون جهاز الرقابة في البلد المستورد قويا وأمينا ليكشف أي نوع من التلاعب أو الغش في الأغذية.
الطعام الآمن
هل طعامنا آمن؟ سؤال قد يرد في أذهان العديد من الأشخاص.
وللإجابة عن هذا السؤال يجب ان نعرف عن أي بلد نتحدث، فكلما كان جهاز رقابة الأغذية متكاملا وذا كفاءة عالية كان هناك ضمان ان الغذاء الذي نأكله آمنا، وأحياناً قد تنبع المشكلة من الأغذية المنتجة في نفس البلد، فنحن نطالع الصحف العربية ونجد كل يوم انه تم ضبط أغذية ملوثة أو مغشوشة ذات منشأ محلي.
ان جهاز الرقابة لا يعتمد فقط على الأجهزة الحديثة والأشخاص الأكفاء بل وبشكل كبير على أمانة المفتشين، لأن هؤلاء عرضة لاغراءات كثيرة. وقد ينهار بعض المفتشين لهذه الاغراءات لوضعه الاقتصادي والاجتماعي.. وهنا يجب ان يحصل هؤلاء على علاوات وتدريب جيد ليبعدهم عن هذه الاغراءات.
والحقيقة المرة ان الفساد الإداري والمادي مترسخ في العديد من أجهزة الرقابة في الوطن العربي مما يؤثر سلباً على جودة الأغذية التي نتناولها.
بين الحقيقة والوهم
التداوي بالغذاء والأعشاب علم قائم بحد ذاته، والدين الإسلامي مليء بهذا النوع من التداوي. ولكن المشكلة ان كل شخص سمح لنفسه ليكون عالماً بالتداوي والأعشاب فنجد الطبيب العام غير المتخصص ورجال الدين والشخص العادي الذي لا يحمل شهادة والصحفي، كل من هؤلاء الأشخاص قام بتأليف كتاب أو تقدم برنامج تلفزيوني عن التداوي بالأعشاب.
وهذا يؤدي إلى توفير معلومات غير صحيحة وغير علمية للقارئ او المشاهد. ولو بحثنا في الكتب العربية المتوفرة حاليا في الطب الشعبي سوف نجد ان أكثر من %60 منها غير مبني على أسس علمية ولكن للأسف فإن سوقها رائج بشكل كبير لذا فهي عملية مربحة تغري الدجالين وما أكثرهم.
الدجل في كتب تخفيف الوزن
هذا مثال آخر للدجل الصحي الذي يحدث لدينا وللأسف فإن الناس وبالأخص النساء تتهافت لشراء هذا الكتب مهما كان ثمنها فهناك ريجيم هوليوود وريجيم جين فوندا ورجيم ديانا والريجيم الكيميائي.
وغير ذلك، وبعض أنواع الريجيم خطر على الصحة وتؤدي إلى زيادة في الكوليسترول وارتفاع دهون الدم، لأن العبرة ليس بانخفاض الوزن بل بانخفاض الدهون في الجسم. ولا يوجد ريجيم سحري فالقاعدة العامة أن تقلل من طعامك وتمارس النشاط البدني بشكل دوري.
والريجيم الناجح هو الذي لا يحرمك من طعامك الشعبي الذي تحبه بل هو الذي يقدم لك هذا الطعام بكميات معقولة لا تسبب زيادة الوزن لديك، لكن للأسف فإن هذه المقولة لا تعجب العديد من الناس لأنهم يعتقدون ان طعامنا هو الذي يسبب السمنة لديهم، لذا فهم يطلبون قوائم طعام مختلفة عن طعامهم الاعتيادي وبعد فترة من الزمن يملون هذه القوائم ويرجعون لطعامهم الشعبي.
هناك أسس عامة يجب اعطاؤها الاهتمام لحماية المستهلك العربي من الغش الغذائي، يمكن ان نوجزها كالتالي:
1 - تقوية جهاز رقابة الأغذية من حيث الأجهزة والكفاءات البشرية، بالإضافة إلى غربلة الإداريين الحاليين في أجهزة الرقابة واستبعاد غير المؤهلين والمفسدين.
2 - التأهيل والتدريب المستمر لمفتشي الأغذية مع تحسين أوضاعهم كلما أمكن ذلك، وضخ دماء جديدة من الشباب في هذا العمل الحيوي.
3 - وضع القوانين والضوابط والتشريعات المتعلقة بالرقابة الغذائية فما زالت التشريعات الحالية في جميع الدول العربية بها العديد من الثغرات، مما يسمح لبعض تجار الأغذية بإدخال أغذيتهم الفاسدة.
4 - تتحمل الأجهزة الرسمية الرد على أي نوع من المغالطات والإشاعات الغذائية بشكل علمي مدروس ورسمي حتى تقطع الشك باليقين، فمثلاً عندما أدلى في الآونة الأخيرة بعض الأشخاص في القنوات الفضائية العربية بالعديد من المغالطات الصحية لم تقم أي جهة رسمية بالرد على هذه المغالطات في الوطن العربي.
بل رأينا أن بعض التلفزيونات الرسمية ساعدت في ترويج هذه المغالطات باستضافة هؤلاء الأشخاص.. ولولا الغيورون من بعض العلماء الذين قاموا بالرد العلمي على هذه المغالطات لكانت هذه الخزعبلات رائجة بشكل أكبر.
5 - تقوية ودعم أقسام وإدارات التثقيف الصحي في هذه الدول، فالحقيقة المرة والتي يجب أن نقولها إننا لا نعيش في القرن العشرين، ناهيك عن الألفية الثالثة في مجال التوعية الصحية والغذائية، فالبرامج ضعيفة وغير مقنعة والقائمون بالبرامج معظمهم غير متخصصين.
وبعضهم غير مؤهل والمعلومات تعطي بشكل مدرسي ممل والضحية هو المستهلك.. وأنا هنا أتكلم بصفة عامة وليس بصفة خاصة، فهناك بعض الاجتهادات ولكنها تعاني الكبح نتيجة ضيق الأفق عند بعض المسؤولين والخوف غير المبرر عند مسؤولين آخرين.
6 - السماح بإنشاء جمعيات لحماية المستهلك ويجب أن تكون هذه الجمعيات أهلية وخارجة عن نطاق الأجهزة الرسمية حتى تستطيع أن تتحرك بحرية وبعض الحكومات تتخوف من انشاء هذه الجمعيات.. وهذا الخوف ليس له مبرر فهذه الجمعيات سوف تساعد أجهزة الرقابة في اكتشاف الغش سواء في الأغذية أو غيرها .