في زحمة الحياة يأخذنا الشغل، وتأسرنا المشاغل، ويبدو أننا لا نتذكر أنفسنا الا بعد فوات الأوان. فالعمل ـــ رغم أهميته ـــ إلا أنه بات يطفىء على مجمل حياتنا ويؤثر بشكل سلبي على علاقتنا بكل من أفراد الأسرة والأقرباء والأصدقاء، فإذا ما حاول الابن أن يحدث أباه أو والدته.
إذا كانا يعملان، نجد أنهما لا يوليان ابنهما المزيد من الاهتمام ولا يمنحان له الوقت الكافي للتواصل واللعب معه أيضاً، بحجة العمل ومتاعبه وهمومه التي تنتقل من المكتب إلى البيت.
وإذا ما أرادت الزوجة التواصل مع زوجها، نجد أنه لا يعيرها بعضاً من وقته، لأن فكرة مشغول بالعمل، وما يدور خلف الكواليس، خصوصاً في بعض الأوقات التي تشتعل خلالها الشائعات، المتعلقة بالترقيات أو التفنيشات.
ولأن الزوج يبقى صامتاً، فإنه يكرس حالة من الجمود الرتيب داخل المنزل، حيث يعلو صوت التلفزيون، ويخبو صوت المحبة والألفة والمشاعر الملتهبة، والذكريات الحميمية، وتتضاءل حدة التواصل والتفاعل الاجتماعي، الذي يدفع ثمنه الزوج أولاً ــ دون أن يدري ـــ والزوجة والأبناء.
واذا ما أمعنا النظر في ظاهرة الصمت القاتل داخل المنزل، نجد أننا أمام مشكلة اجتماعية ذات تأثيرات نفسية وصحية خطيرة، ينبغي العمل على تجاوزها وعلاجها واستئصال أسبابها من الجذور، لانها تسبب شرخاً وتصدعاً في جدران العلاقات العائلية قد يصعب إصلاحها.
قد يكون صمت الزوج بسبب فكر الزوجة التي تهدف إلى تدمير الزوج بكل قواها الكامنة. وقد تمارس الزوجة مع الزوج السلاح ذاته أي الصمت، الذي يكون مدمراً في كثير من الأحيان، لان لكل شخص طاقة ما للتحمل، وإذا ما ازدادت الضغوط ولّد ذلك انفجاراً يعصف بالماضي ويدمر الحاضر ويقضي على المستقبل.
والصمت مهما كانت أسبابه سواء أكان ناجماً عن النمط العائلي الذي يفتقد للحوار الفعال، والهادئ، أو عدم التوافق بين الزوجين.
أو كرد فعل أحدهما على الآخر، بسبب المجادلات التي إن بدأت قد لا تنتهي، فإنه يباعد ما بين الزوجين، ويفاقم الخلاف ما ينعكس بشكل سلبي على الأبناء مهما كانت أعمارهم، حيث تبقى تلك الخلافات ماثلة في أذهانهم طوال حياتهم.
والمشكلة كما أسلفنا تأثيراتها عميقة ومريرة، وإذا ما وقفنا وقفة الجريء أمام مرآة ذاتنا، وتساءلنا، كم من الوقت نمضيه فاعلين ــ أي غير صامتين ــ مع أولادنا، وشريكتنا في الحياة؟
حينها ــ حسب الجواب ــ يمكننا العمل على إعادة ترتيب البيت الداخلي، والاهتمام بالأسرة بكافة أفرادها، لأن الأسرة التي يتواصل أفرادها عبر قنوات الحوار المسؤول يمكنهم تحدي الصعاب، وتجاوز العقبات مهما كبرت.
أما الأسرة التي يكون الصمت سمة حياتها اليومية الأساسية فإنها تصبح عرضة للتفكك والتعرض لمشكلات عدة في حياتها اليومية.
* أخيراً..
ندعوكم مرة ثانية لإعادة التفكير في البرنامج اليومي، والاهتمام بافراد الاسرة ومشاعرهم واحلامهم ومشكلاتهم، والحد من لحظات الصمت القائلة والتفكير بصوت مسموع، والتواصل مع الجميع لان نبرات الصوت تحمل بين طياتها الكثير من المعاني الانسانية الجميلة حتى في أقسى اللحظات. أما الصمت فإنه يسبب ألماً نفسياً وجرحاً قد لا يندمل.