كان المريض الذي تجرى له عملية في الأنف يضطر فيما سبق إلى البقاء أياماً عدة في المستشفى، وقد يعاني من اضطرابات مختلفة بسبب العمل الجراحي التقليدي، ولكن اليوم بات بالإمكان إجراء العمليات الجراحية بواسطة المنظار، الذي يقلل من بقاء المريض في المستشفى، ويحد من المضاعفات، خصوصاً إذا ما أجريت العملية بيد طبيب يمتلك الخبرة الكافية.
امتلاك الطبيب الخبرة، فقد تم التركيز على عقد المؤتمرات وورش العمل المختلفة التي تصقل مهارات الطبيب، ومؤخراً عقدت في دبي ورشة عمل في مجال جراحة الأنف والجيوب الأنفية بالمنظار، حضرها العديد من الأطباء من الدولة وخارجها، لمعرفة المزيد حول هذه الورشة ومدى فائدتها لكل من الطبيب والمريض كان لـ «الصحة أولاً» هذا اللقاء مع الدكتور حسين عبدالرحمن استشاري أمراض الأذن والأنف والحنجرة في دائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي.
ما مدى أهمية ورشة العمل هذه؟
- تتيح ورش العمل الفرصة أمام الأطباء للاستفادة الكاملة من أحدث التقنيات الطبية. وقد قمنا منذ العام 2000 بتنظيم العديد من ورش العمل الخاصة بأمراض الأنف والأذن والحنجرة واستخدام المنظار في علاج الجيوب الأنفية. ولكن في هذه المرة قمنا بعملية تطبيق حي بالنسبة للأطباء المشاركين في الدورة التدريبية. ففي السابق كنا نجلب وسائل إيضاح لرؤوس كنموذج لإجراء التدريبات عليها من جامعة الإمارات.
ولكننا في هذه المرة جلبنا 11 رأسا بشرية من الولايات المتحدة لإجراء التجارب. وقد استخدمت أجهزة طبية متطورة لا يستخدم فيها المشرط التقليدي بل « الشيفر» وهو جهاز يقص الزوائد اللحمية والغضاريف دون أن يلحق أي ضرر بالأنسجة المحيطة. وحضر الدورة بالطبع نحو 150 طبيبا من دولة الإمارات العربية المتحدة من العاملين في القطاعين الحكومي والخاص، فضلا عن عدد من الأطباء من الأقطار الشقيقة والصديقة.
ما الهدف من مشاركة الأطباء من خارج الدولة؟
هناك أطباء أجانب، لديهم خبرات طويلة وحرفية عالية في استخدام أجهزة جراحية معقدة مثل النافيجيتر سيستم الذي يشبه الرادار في نقل كل تفاصيل الأنف والجيوب الأنفية والذي يرتبط بشاشات تفيد الطبيب الجراح ومساعده في متابعة أين تدخل رؤوس الأجهزة. والحقيقة أن الخبرة التي يكتسبها الأطباء البريطانيون والمصريون ممتازة والسبب يعود للكثافة السكانية الكبيرة التي تجعل من الخبرة شبه يومية، ومن هنا يكتسب الجراح خبرة واسعة. وعلى العكس فنحن في الدولة لدينا سكان أقل وبالتالي مرضى أقل وبالنتيجة خبرة أقل لقلة عدد المرضى المعالجين.
ما مدى الفائدة التي يجنيها الطبيب والمريض من هذه الأجهزة؟
- المهم في هذه الأجهزة أن الطبيب يستطيع استخدامها في العمل الجراحي بكل دقة. كما هناك عامل الوقت حيث يستطيع المريض مغادرة المستشفى بعد يومين من إجراء العملية. كما أن الطبيب يستطيع إجراء العملية بدقة وسرعة.
وتجدر الإشارة إلى ان اجهزة التقنية المتطورة جدا تستطيع أن ترصد الحالة المرضية بوضوح بالغ. وهو يجعل العملية أسهل وأكثر أمانا. وبالنسبة للنظام يستقي المعلومات الدقيقة من صور الأشعة التي أخذت للمريض قبل إجراء العملية.
ما الذي دفعك لدراسة تخصص جراحة الأنف والأذن والحنجرة ؟
- أعجبني هذا التخصص لأنه من الأقسام الدقيقة جدا، وخاصة ندرة الأطباء الجراحين المتخصصين في جراحة الأنف والأذن والحنجرة من مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة. لقد لاحظت بعد تخرجي من القاهرة أن مجال الأنف والأذن والحنجرة في الدولة محتاج إلى أطباء من الإمارات هم بحاجة لهذا التخصص.
ورأيت أيضا أن هذا العلم مهم للغاية خاصة أنه يتناول أماكن حساسة جدا في رأس الإنسان مثل الأذن والأنف والحنجرة والبلعوم والأحبال الصوتية وهي كلها مناطق حساسة.
والحقيقة أن أمراض الأنف والأذن والحنجرة وخاصة أمراض الأذن الوسطى منتشرة بسبب الجو فهناك المكيفات وحرارة الجو المرتفعة والرطوبة وتقلب الجو بين البارد قرب المكيفات والحار في الشارع. كل ذلك يجعل الحساسية عالية في الأنف والأذن والحنجرة. وبالمقابل فإن الطقس في أوروبا شبه ثابت وهو في معظم الأوقات بارد.
جراحة دقيقة
ومن جانب آخر التقت «الصحة أولا» الدكتور محمد زكي هلال استاذ أمراض الاذن والانف والحنجرة في كلية طب عين شمس في القاهرة. وكان هذا الحوار
ما هي ميزات الجراحة بالمنظار؟
- الحقيقة إن العمليات الجراحية بالمنظار جعلت الطبيب قادرا على ملامسة أماكن الإصابة بدقة كبيرة، وهي خدمة كبيرة يقدمها المنظار إلى الجراح. ويفيد المنظار بأنه يلقي أضواء كاشفة ممتازة على مكان العملية الجراحية بصورة تمكن الجراح من رؤية المكان كخطوة أولية قبل إجراء العمل الجراحي.
مع تطور العلوم الطبية باتت تلك الأجهزة توفر دقة بالغة وأمانا بالنسبة للمريض. وهي تحتوي على التقنية المتطورة «الشيفر» إلى منشار القص الدقيقة جدا وجهاز الملاحة « نافيجيتور سيستم » الذي يوفر للجراح رؤية ممتازة للمناطق التي ينبغي استئصالها أو تصحيحها. وهناك أيضا الشاشة التي تمكن المتدرب من رؤية الجزء المصاب.
عندما ينتهي الجراح المتدرب على تلك التقنية من التدريب، لا بد أن يعمل لفترة في غرف العمليات الجراحية تحت إشراف استشاري المفروض أن يكون على علم ودراية واسعة بمثل هذه العمليات الجراحية، ويمكن للجراح المتدرب أن يشغل مكانه في بعض الأوقات أو يساعد الاستشاري وينبغي أن تتوفر فيه المتابعة الدقيقة.
فالشاشة خلال العمليات مهمة للغاية لضمان إجراء الجراحات دون مضاعفات، ومهمة جدا أيضا للتعليم ومهمة جدا لمتابعة المتعلم. والملاحظ أن التقنيات الموجودة في الأجهزة الدقيقة مثل « الشيفر» أو المنشار الدقيق هي التي تساعد المنشار على العمل بسرعات مختلفة. كما أن وضعية الشيفر آمنة لأن اتجاهه واحد ويمكن تحريكه إلى كل الإتجاهات دون المساس بالأنسجة المحيطة. ويلاحظ أنه إذا وقع الخطأ فلن يكون من الجهاز وقد يكون الجراح وضع الجهاز في المكان غير المناسب عندما أراد قص أو قطع نسيج أو غشاء غضروفي.
ولذلك فإن أهمية ورش العمل هي أننا نعلم الجراح أين يضع الجهاز، وهو ما يجعل الجهاز يبقى آمنا. ويجعل طريقة استخدام الجهاز آمنة في المكان المناسب وفي التوقيت المناسب. أما نظام النافيجيتور أو الملاح فهو وسيلة ممتازة لمساعدة الجراح لمعرفة أين يعمل وكيف وهو يحتوي على مجس يعتمد على معلومات يستقيها من الكمبيوتر، وهي معلومات خاصة بصور الأشعة المسبقة التي أخذت للمريض أو المريضة قبل العملية.
ويقوم جهاز «السنسور» أو المجس بإرشاد الجراح إلى المكان المناسب وبالتالي يعرف الطبيب مكانه بالضبط داخل الأنف. ويشكل ذلك ضمانا رائعا لأن العملية ستتم بسلاسة ودون أية مضاعفات.
أجهزة متطورة
وعن الأجهزة الحديثة التي استخدمت في هذه الورشة سألت «الصحة أولاً» الجراح البريطاني والمتخصص في أمراض الأذن والانف والحنجرةالدكتور إلجان ديفيز :
هل الأجهزة المستخدمة في الدولة متطورة ؟
- بالطبع فإن تلك الأجهزة المتوفرة في الإمارات متطورة وهي ساعدتنا في عمليات تدريب الجراحين في الدورة التدريبية التي ساعدت الأطباء على استخدام « البور انسترومنت » في العمليات الجراحية.
في الماضي كنا نستخدم العمليات اليدوية ولكننا في الوقت الراهن انتقلنا لاستخدام معدات متطورة جداً يمكنها أن تجعل من العمليات الجراحية أسرع وأكثر أمانا في أوجه كثيرة والأجهزة التي نستخدمها هي الأقوى والأفضل بالنسبة لعمليات جراحة الأنف. ولكن في حال عدم استخدام تلك الأجهزة الحديثة بالشكل الصحيح فهي ستؤدي إلى نتائج وخيمة أو إلى مشكلات كبيرة.
تحدثتم خلال العملية الجراحية التي قمتم بها ونقلت على الهواء مباشرة من غرفة العمليات في مستشفى راشد إلى قاعة المحاضرات في مكتبة مستشفى راشد عن محاذير خطيرة للغاية وهي تتعلق بعصب العين وبقاع الجمجمة، وهو ما يتطلب تدريبا عاليا وخبرة ممتازة للقيام بمثل تلك العمليات التي تصل في أحيان كثيرة إلى قاع الجمجمة، فما هي الوسائل التي يمكن أن يلجأ إليها الطبيب حتى يتجنب المساس بتلكما المنطقتين؟
- إن أكثر الأساليب أمانا هي أن تتوفر لدى الطبيب معرفة تشريحية كاملة وخبرة ممتازة، فلا بديل عن الخبرة، ولكن كما قلت أثناء العملية « إننا نستخدم نظام النافيجيتور أو الملاح الذي يسهل العملية الجراحية على المريض بإظهار كل التفاصيل التي يحتاج إليها بوضوح. وينبغي على الطبيب الجراح ان تتوفر لديه الثقة والدقة في اختيار الأماكن التي ينبغي عليه أن يضع الأجهزة فيها.
ولكن كالعادة علينا التذكر دائما أنه قبل القيام بأية عمليات جراحية على أشخاص ينبغي على الجراح ان تتوفر لدية الخبرة الممتازة
وينبغي هنا التأكيد على أمر مهم وهو عدم السماح للجراح بأن يجري أية عمليات مستعينا بهذا النظام مالم تكن تتوفر لديه الخبرة المناسبة. وعلى سبيل المثال إذا حدث خطأ، فهل يستطيع الجراح أن يخرج منه دون إلحاق الضرر بالمريض. والأمر أشبه بتعطل سيارتك في منتصف الطريق الخارجي، إذ علينا في مثل تلك الحالة أن نبحث عن حل فعال للخروج من الأزمة أو المأزق. وبفضل الخبرة والتجربة يمكن القيام بذلك.
ماهي نصيحتكم للأطباء الجراحين لامتلاك الخبرة المناسبة والصحيحة لاستخدام هذا النظام؟
- قبل التدرب على النظام واستخدامه في العمليات الجراحية الفعلية، ينبغي على الجراح أن يراقب بدقة بالغة الأطباء الجراحين المخضرمين وهم يقومون بإجراء مثل تلك العمليات وأن يبدأ بإجراء عمليات في نقاط محددة جدا وينتقل بعدها في عمليات أخرى إلى أجزاء أكبر ومنها إلى قطاعات أكبر في الأنف إلى أن تحدث خبرة تراكمية تسمح للجراح بأن يقوم بالعمل الجراحي الشامل معتمدا على نفسه فقط.
وينبغي على الطبيب أيضا أن تكون لديه معرفة تفصيلية وصحيحة وعميقة بالسمات التشريحية الدقيقة للأنف وعندئذ يمكن للطبيب أن يبدأ باستخدام معدات متطورة مثل النافيجيتور سيستم (نظام الملاحة). وإذا نجح الطبيب الجراح المتدرب في أن يستخدم النظام عن طريق التعرف على الأماكن التي ينبغي أن يضع فيها رؤوس معداته وفقا للتوصيف التشريحي لداخل الأنف، عند ذلك يمكنه استخدام المعداتئبالصورة الصحيحة.
في غرفة العمليات
نقل حي من غرفة العمليات إلى قاعة المحاضرات في مستشفى راشد
الجراح الدكتور إلجان ديفيز من بريطانيا
المريضة : سيدة في الخامسة والخمسين من عمرها تعاني من انسداداً كاملاً في الجيوب الأنفية وانحرافاً في وتيرة الأنف ولهذا فهي تعاني من صداع شديد ومستمر وقد تم التوصل إلى التشخيص عن طريق الفحص السريري والصور الشعاعية وبالرنين المغناطيسي.
استخدم الطبيب الجراح ديفيز نظام الملاحة « النافيجيتور سيستم» الذي يستطيع بواسطته الطبيب الاطلاع بالتفصيل على حالة المناطق المصابة والتي تحتاج إلى علاج.
إجريت العملية تحت التخدير الكامل وبدأ الطبيب الجراح بشرح الأماكن التي يحتاج إلى استئصالها حتى يمكن فتح الجيوب الأنفية بصورة جيدة لمنحها القدرة على التهوية ودخول الأكسجين إليها.وقام الطبيب بعملية قص للزعنفة الأنفية التي كانت متورمة وتشبه البيضة تماما ونفذ منها إلى الجيوب ومن ثم تمكن من التخلص من الزوائد اللحمية التي بدت على شكل مادة بيضاء مشكلة من سوائل ومواد أخرى
كما قام الجراح باستئصال غضروف الأنف مستخدما في كل ذلك تقنية « الشيفر» الذي يقتلع المناطق المسبب للحالة المرضية دون أن يقضم أي جزء من الأنسجة المحيطة. ويصاحب العملية إضاءة شديدة تبرز حتى أدق التفاصيل داخل الأنف فضلا عن وجود عدسة تنقل كل تفاصيل العملية إلى شاشات توضح مجريات العملية.
ويتمكن من خلالها الطبيب الاستشاري ومساعده الجراح من متابعة العملية. وأوضحت العملية أهمية النافيجيتور سيستم في توفير الرؤية الفاحصة والجيدة لمناطق الأنف من الداخل. وقام الطبيب الجراح ديفيز خلال نحو ساعين بتنظيف الأنف والجيوب من كل الزوائد اللحمية والاعتراضات الغضروفية التي تسبب الصداع للسيدة.
وقال ديفيز « للصحة أولا » إن السيدة المعالجة ستتلقى علاجا بالعقاقير لفترة بعد العملية وستشفى من الحالة التي كانت تعاني منها