يتميز الإنسان عن غيره من الكائنات بالعقل والمشاعر والأحاسيس المختلفة، فهو تارة يضحك وتارة يبكي وتارة تختلط عنده مشاعر الحزن بالفرح. ولكل إنسان شخصية ينفرد بها وقل ما تتشابه شخصيتان، فهناك الشخصية القوية والمتنمرة وهناك الشخصية الخجولة الانطوائية، وقد تكون الشخصية القوية ميزة مهما زادت في قوتها أما الشخصية الخجولة فقد يعد خجلها مرضاً، ومن هنا صنف الأطباء النفسيون من ضمن الأمراض النفسية مرضا يدعى الخجل المرضي
لمعرفة خفايا هذا المرض وماهيته التقت «الصحة أولاً» الدكتور محمد سامح اختصاصي الطب النفسي في مستشفى بالهول التخصصي والذي حدثنا عن الخجل المرضي قائلاً: إنه ذلك النوع من عدم الارتياح والشعور بالكبت وعدم القدرة على الانطلاق والافتقار إلى المشاركة في المواقف الاجتماعية، مما قد يتعارض مع قدرة الإنسان على تحقيق أهدافه الاجتماعية أو المهنية،
وفيه يزداد تركيز الفرد على نفسه فينشغل بأفكاره وشعوره والتفاعلات العضوية التي تحدث له مثل حمرة الخجل والتعرق والخفقان وبرودة الأطراف والرعشة، ويشعر أنه مراقب كل الوقت وأن الآخرين يتابعون ما يحدث له مما يزيد من ارتباكه، ومؤثرات هذا الخجل كثيرة منها مقابلة شخصية مهمة مسؤولة أو ذات نفوذ أو محاولة التعرف على شخص من الجنس الآخر
أو في العلاقات الحميمة أو مقابلة الأغراب أو عند وجود ضرورة لعمل شيء ما أمام مجموعة من الناس أو عمل مبادرة اجتماعية بشكل غير مرتب ومفاجئ، وردود الأفعال التي تحدث مع الخجل قد تحدث على المستوى الفكري أو الشعور أو السلوك أو التغيرات الفسيولوجية.
أمراض عدة
وعن الأمراض التي تندرج تحت الخجل المرضي قال الدكتور محمد إن الخجل المرضي يتضمن أنواعا عديدة من الحالات النفسية المرضية أذكر منها:
- الشخصية الانعزالية أو المنغلقة على نفسها: وفيها يفضل الشخص الوحدة على الاجتماع بالآخرين، والعمل الفردي على العمل الجماعي، لكنه ليس بالضرورة أن يكون لديه خوف من الاجتماع بالآخرين.
- الشخصية الخجولة المنفتحة على الآخرين: وهؤلاء ينجحون في أداء أدوارهم الاجتماعية بكفاءة ويجيدون الأدوار المرسومة والبروتوكولية ولكنهم يفتقدون العفوية والتلقائية ويشعرون بالخجل من داخلهم ولكنهم يعرفون كيف يغطون ذلك ويخفونه ويكون لديهم قلق دائم من اكتشاف حقيقة خجلهم.
- الشخصية المنغلقة: وهؤلاء يخشون دائما من التقييم السلبي ويتجنبون دائما المواقف التي تحتاج للتفاعل مع الآخرين إذا لم يكونوا متأكدين من قبول الآخرين لهم ودعمهم.
- الشخصية العصامية: وهؤلاء صامتون ،هادئون،منعزلون ولا يتفاعلون مع الآخرين ولديهم أفكارهم الخاصة وخوفهم من الدنيا يأسرهم وليس لديهم ثقة بأنفسهم وقد لا تظهر عليهم أعراض الخجل.
- الرهاب الاجتماعي: وهو مرض نفسي يمثل الخجل الصورة الأساسية فيه ويكون المريض خائفا بصورة شديدة من الأداء في المواقف الاجتماعية ومرتبكاً أمام الآخرين ويشعر دائما أنه مراقب أو تحت التقييم وأنه في دائرة الاهتمام والتركيز من الآخرين ما يؤدي إلى تجنب شديد لكل المواقف الاجتماعية.
أهم الأسباب
وحول أسباب الخجل المرضي قال د. محمد: هناك أسباب وراثية للخجل المرضي كون هذا الخجل موجودا في الأسر بشكل كبير، وهناك أسباب بيئية واجتماعية مثل طريقة التربية وعدم تعلم الطفل كيف يكتسب المهارات الاجتماعية بالمحاكاة والتدريب، والقسوة الشديدة والقهر وعدم إعطاء الطفل الثقة الكافية في نفسه وإشعاره بالدونية،
وهناك ايضاً الأطفال الذين ينشأون في أسر كبيرة العدد لا يكون للأبوين فرصة لمصاحبتهم وإدخالهم لعالم الكبار بشكل تدريجي، أيضا انتقال الأسرة أو الفرد من مجتمع قروي صغير لمجتمع مدني كبير. ففي القرية لا يحتاج الفرد لمهارات اجتماعية في كيفية تقديم نفسه للمجتمع فهو معروف بنسبه وأصله بعكس المجتمع في المدينة ،
أما بالنسبة للأسباب المرضية هناك بعض الأمراض النفسية مثل الاكتئاب وفيه تتأثر ثقة المريض في نفسه وقد يظهر عليه الخجل في مواقف كثيرة وأيضا مرض الوسواس القهري حيث قد ينشغل بصورته أو أفكاره بحيث تؤثر على قدراته الاجتماعية.
التأثيرات الاجتماعية
وعن تأثير الخجل المرضي على الحياة الاجتماعية للمصاب به قال الدكتور محمد إن الخجل المرضي يؤدي بالإنسان إلى العزلة فتزيد مشكلاته النفسية وأيضا يؤثر على تقدمه الوظيفي والمهني وقد مرت علي حالات كطبيب آثرت رفض الترقية لوظيفة أعلى حتى لا تتعرض لمواقف ليست لديها القدرة أو التعامل والسيطرة على عدد من الناس مما يتطلب التواجد بشكل أكبر.
أما بالنسبة للأسرة فعدم قدرة الشخص الخجول على التعبير عن مشاعره وأحاسيسه قد يظهره بشكل الإنسان البارد غير المتفاعل أو غير المكترث مما يؤثر على علاقته بأهله. والخجل أيضا قد يضعف قدرة الفرد على الزواج والذي يتطلب السعي له بعض القدرات الاجتماعية والمواقف التي قد يصعب على الإنسان الخجول الخوض فيها.
علامات ظاهرة
وبخصوص العلامات الدالة على الإصابة بالخجل المرضي قال د:محمد:الخجل يظهر على الطفل منذ نشأته الأولى ويرجع بعض العلماء ظهوره إلى الرضع بعد شهرين من ولادتهم حيث يرجح البعض أن ظهور أعراض الخوف من الآخرين أو من أصوات التليفون أو التلفاز التي قد تكون موجودة إلى احتمال حدوث الخجل بعد ذلك في الكبر،
وهي تزداد ظهور أعراض الخجل على الأطفال بعد ذلك ويكون أكثر وضوحا عند بدء المشي والكلام وتكون جلية في سن الدخول للمدارس.أما عن علامات الخجل فتكون سلوكية مثل عدم الانطلاق والسلبية وتجنب النظر في العينين والصوت المنخفض والحركة المحدودة أو كثرة الابتسام والإيماءة بالرأس والتلعثم والحركات العصبية مثل لمس الشعر أو الوجه،
وهناك أعراض فيزيولوجية مثل الخفقان رجفان الفم والرعشة والتعرق والإحساس بالدوخة وتحرك المعدة والغثيان والخوف من فقدان السيطرة أو الجنون أو حدوث أزمة قلبية، وهناك أعراض خاصة بالأفكار مثل الأفكار السلبية عن النفس أو الآخرين والخوف من التقييم السلبي أو أن يبدو الإنسان غبياً من وجهة نظر الآخرين والانزعاج والنزوع إلى المثالية
ولوم النفس خصوصا بعد المواجهات الاجتماعية والإحساس بالدونية وعدم الجدارة الاجتماعية، وهناك أعراض خاصة بالشعور مثل الإحساس بالارتباك والعار وعدم الثقة بالنفس والرفض والوحدة والاكتئاب والقلق.
سبل العلاج
وحول العلاجات المستخدمة لعلاج الخجل المرضي بدرجاته قال الدكتور محمد أولا يجب البحث عن الأسباب ونوعية هذا الخجل ومن ثم علاجها. أما عن طرق العلاج فهي إما علاجات دوائية مثل مضادات الاكتئاب التي تساعد على زيادة الثقة بالنفس وعدم التفكير بطريقة سلبية،والمهدئات والتي تقلل من الإحساس بالخوف عند المواجهة،
وهناك العلاج النفسي بطرقه المختلفة وخاصة العلاج السلوكي وهو أكثرهم نجاعة، وهناك درجات مختلفة من الخجل المرضي. فالبعض لديه خوف من شيء معين واحد مثل الخوف من مقابلة مسؤول أو من الكلام أمام جمع من الناس أو من تناول الطعام في مكان عام أو استخدام دورات المياه العامة،
والبعض يتجنب كل هذه المواقف مجتمعة، وهناك من يتحمل الضغط النفسي المصاحب للخجل خصوصا إذا كان هناك صحبة تفهم في المواقف الاجتماعية ومنهم من لا يستطيع تحت أي ظرف.
القضاء التام على الخجل المرضي:
لمعرفة ما إذا كان بالإمكان الخلاص من الخجل المرضي بشكل تام تحدث الدكتور محمد قائلا إنه من الممكن علاج الخجل بشكل تام ونهائي إذا توافرت للشخص قدرات التحدي والرغبة الشديدة في التخلص من الخجل، إما بالمساعدة الطبية التي تجمع بين الأدوية والعلاج السلوكي،
حيث يتم تعريض المريض بشكل تدريجي على مستوى التخيل أو في الواقع العملي تحت تغطية دوائية تقلل من معاناة المريض وتشجعه على المضي قدما، وهناك الجلسات الجماعية والتي يستطيع الفرد أن يعبر فيها عن ذاته ومعاناته من خلال مجموعة لديها نفس المشكلة.
ولا يتم التخلص نهائيا من هذا الخجل إلا إذا بادر الشخص ومارس كل ما يخاف منه مهما بلغت درجة الخوف مرة ثم مرة ثم مرة فالخوف يقل بالتدريج حتى يتلاشى، سيشعر بالألم وأحيانا التعاسة ولكنه في النهاية سيشفى بالتطبيق والممارسة فقط.
نصائح
للوقاية من الخجل المرضي نصح الدكتور محمد الأهل قائلا:على الأبوين اصطحاب الأطفال في المناسبات الاجتماعية وبشكل تدريجي يشعرهم بالاطمئنان ولا يحدث عندهم الخوف المبالغ فيه من مجتمع الكبار، وعلى الأهل أيضا زيادة ثقة الأبناء في أنفسهم بمدحهم أمام الآخرين وتجنب انتقادهم،
ويعد الدعم النفسي المستمر للأبناء والتركيز على الإيجابيات والنجاحات وعدم القسوة في النقد عند الإخفاق ومحاولة التماس أسباب لفشلهم علاجاً للوقاية من الخجل، والإسراع به عند التأكد من وجود الخجل المرضي حيث يسهل علاجه.
كرم أحمد