أول ما يطرأ على الذهن عندما نعقد مقارنة بين ملامح الأطفال وذويهم هو القول إن السبب هو جينات يورثها الأب والأم إلى أطفالهما. وفي الحقيقة فإن هناك ملامح مشتركة ويشمل ذلك الكثير من الأوضاع الصحية وغالبا ما تنتقل عبر تلك المورثات. ولهذا السبب فإن خارطة تاريخ الحالة الصحية لأفراد الأسرة مهم جدا بالنسبة للأطباء للوقوف على حالة أفراد الأسرة من الجيل الحالي.

ولكن يكمن في هذا الاعتقاد شيء من التضليل، والسبب أن توارث أفراد الأسرة لسمات مظهرية أو حالات مرضية معينة لا يعني دائما أن المورثات (الجينات) هي المسؤولة دوما عن تلك الإصابات.

الجينات

تعتبر الجينات كالبيانات الإرشادية التي تدعو إلى إنشاء اللبنات الأساسية في الجسم وهي يطلق عليها البروتينات. وتتحد البروتينات بأساليب كثيرة لبناء الأجزاء أو الأقسام التي يتكون منها الجسم. كما تقوم البروتينات ببناء ملامح فريدة وهي التي نقول عنها السمات الفردية التي يظهر بعضها في لون العينين .

ولكن بعض السمات الأخرى مختلفة مثل وراثة القدرة على التصدي لأمراض معينة. والحقيقة أن كل إنسان يمتلك ثلاثين ألف جينة مختلفة وتحمل 46 من الصبغيات مقسمة على شكل 23 زوجا.

مسؤوليات محددة

لا شك أن الجينات ليست مسؤولة عن كل شيء يصل مع الإنسان، فليس هناك ما يؤكد أن مجموعة من العوامل تؤثر في معظم الأنماط المرضية التي تصيب الأسرة. وعلى سبيل المثال فإذا كان معظم الأشخاص في أسرتك مصابين بالبدانة، فإن السمنة هي من السمات الوراثية التي يتناقلها الأبناء عن الآباء.

لكن في حقيقة الأمر يظل هناك أمر مهم يخص البدانة وهي الخيارات الخاصة بوجبات الغذاء كما أن أنماطا أخرى من السلوك اليومي أو الحياتي تلعب دورا ذا أهمية في التسبب في البدانة . وهناك أيضا أمور أخرى يعتقد أنها ناجمة عن الجمع مابين العوامل البيئية والجينية مثل الشفة المثلومة والسكري وأمراض القلب . ويطلق على هذه العوامل المتعددة أو الوراثة الجينية المتعددة.

نماذج أخرى

يعتقد أن المؤثرات التاريخية تلعب دورها المهم أيضا. فالتبغ على سبيل المثال، حسب منظمة الصحة العالمية، يلعب دورا أساسياً في التسبب في وفيات يمكن تجنبها في حال الإحجام عن التدخين وتذكر منظمة الصحة العالمية أن ما لا يقل عن 9,4 ملايين شخص يلقون حتفهم سنويا بسبب التدخين وتشير المنظمة العالمية إلى أنه لا يوجد هناك أشد خطرا على الصحة البشرية و فتكا من التبغ في عالمنا المعاصر.

ولكن مع تزايد الوعي بين الأشخاص المدخنين الذين باتوا يربطون بين التدخين والإصابة بسرطان الرئتين وأمراض القلب ومجموعة أخرى مسبب للأمراض مميتة فإن أعداد المدخنين إلى تناقص مع مرور الوقت.

جينة واحدة وأمراض عدة

في الواقع إنه لا وجود لتوصيف يقول ان جينة واحدة قد تكون مسؤولة عن الإصابة بالعديد من الأمراض إلا في حالات نادرة نسبيا. ومن الحالات المعروفة حدوث مرض سببه انقسام جيني وراثي أو تغير مثل الإصابة بمرض هنتنغتون والناعور والحثل العضلي وفقر الدم المنجلي.

لقد أصيبت نسبة كبيرة من الناس بمثل هذه الأمراض ولكن بالمقارنة فإن الاضطرابات المرضية سببها اتحاد بين العديد من التغيرات الجينية فضلا عن عوامل بيئية ومن هذه الأمراض أمراض القلب والسرطان والاكتئاب.

ولاحظ أنك عندما تسمع الأطباء يتحدثون عن «تسبب جينة في مثل هذا المرض أو ذاك» فإن ما يعنونه فعلا هو حدوث تغييرات في الحامض النووي الريبي الموجود في الجينة ذاتها وهي التي تسبب المرض . والحقيقة فإن الجينة ليست سوى عنوان على المادة الصبغية.

مرض وراثي

معظم الأمراض الوراثية تطل برأسها في فترة مبكرة من حياة الإنسان نسبيا. وعلى سبيل المثال فإن مرض سرطان الثدي يرجح أن يكون ناتجا عن أسباب وراثية إذا حدث قبل توقف الطمث. أما بالنسبة لمرض الخرف فالقصة مماثلة أي أنه إذا أصيب الإنسان به قبل الخامسة والخمسين فإن الفرضية تشير إلى أنه ناجم عن انقسام وراثي في الجينة ولا يقال ذلك إذا كانت الإصابة بعد سن الثمانين.

الفحص الجيني

جمع العلماء ثروة من المعلومات الجينية خلال السنوات الماضية، لكن لماذا لم يعتمد الأطباء حتى الآن الجينات في عمليات الفحوصات الطبية، ويعزى السبب إلى أن الكثير من الفحوصات الطبية حتى الآن مثل قياس ضغط الدم وفحوصات تقليدية أخرى لا تزال تتبع بفعالية أساليب تقليدية في إبلاغنا الكثير عن مخاطر المرض والتعامل معه، أكثر من الاعتماد على الفحوصات الجينية. فضلا عن أن الفحوصات الجينية باهظة التكاليف مقارنة مع الفحوصات الطبية التقليدية.

لكن دون شك سيأتي ذاك اليوم الذي يقوم فيه الطبيب بإجراء سلسلة من الفحوصات الطبية الجينية بنفس الطريقة التي يأمر بها اليوم بإجراء فحوصات للدم. ولكن حتى وإن أصبحت الفحوصات الجينية الطبية هي المعيار فإنها بدون شك لن تستغني قط عن التعرف على الخارطة الصحية التاريخية لأفراد الأسرة.

ويحتاج الأطباء لمعرفة ما هي الأمراض السائدة بين أفراد الأسرة قبل أن يتخذ أي قرار حول أي من الفحوصات الطبية التي عليه أن ينهجها. ولكن في ضوء تطور تلك الفحوصات سيتم تحديد هوية المزيد من الأمراض وسيقوم الأطباء بالاستفادة من خارطة الأسرة الصحية للمساعدة على تقويم الطريقة التي تتصرف فيها الجينات وبهذا الشكل يمكن تحديد مستقبل عملية الكشف عن الأمراض وأساليب علاجها.

التنبؤ بالمرض

هل يمكن للتغييرات الجينية أن تتنبأ ما إذا كنت على شفا خطر الإصابة بالمرض؟

يمكن للتغييرات الجينية أن تتنبأ ما إذا كان الإنسان على شفا الإصابة بالمرض ولكن التنبؤات تلك غالبا لا تكون دقيقة جدا . وإذا كانت أجهزة الكمبيوتر تبلغنا بدقة عمليات حسابية أو هندسية فإن القدرات التنبؤية الطبية ليست دقيقة مئة في المئة.

وفي الواقع فإن الصورة الحقيقية للجينات هي أشبه بخارطة طريق، فمهما كانت تلك الخارطة واضحة فإن لا بد عالق في زحمة السير وستواجه أن حواجز إسمنتية أقيمت وستجد أن جسر هدم، ولم يعثر له على أي أثر على الخارطة، والحقيقة الأخرى هي أن حقائق البيئة تؤثر حتى لو وصلنا إلى أهدافنا في الحياة مزودين بالإرث الجيني.

م. نبيل