تزايدت المخاوف والضغوط الوظيفية في العالم في الآونة الأخيرة، وفيما هناك أطنان من التقارير التي تؤكد تلك المقولة، فإن بعض المؤسسات تقوم باستطلاعات للرأي تخص تأثير الضغوط النفسية على طبيعة التفكير والسلوك الإنساني.
وعلى سبيل المثال ، فإن شركة تصنيع مواد معطرة اكتشفت أن الزوجات يعانين من ضغوط شديدة تزيد عن الضغوط التي يتعرض لها مديرو الشركات التنفيذيون، ومثل هذا النتيجة يمكن الوصول إليها عن طريق الاتصالات الهاتفية التي يمكن تبادلها بين الزوجات على هواتف المنازل السكنية خلال فترات بعض الظهر. ولاشك فإنه من الضرورة وضع كل تلك المظاهر في الذهن عند تقييم إحصاءات حالات الإنعصاب أو الإجهاد الوظيفي.
ويشار إلى أن تقرير نيوش مصدر رائع يكشف عن النقاط التالية: ـ قال 40 % من الموظفين إنهم يعانون من إجهاد كبير في أعمالهم ـ يرى 25 % من الموظفين أن الوظيفة هي العامل المجهد الأول في حياتهم ـ يعتقد ثلاثة أرباع الموظفين أن الموظفين في العصر الحالي يعانون من الإجهاد الوظيفي أضعاف ما كان يعانيه الموظفون في الجيل الماضي ـ يشعر 29% من الموظفين أنهم يستهلكون بالكامل في أماكن عملهم ـ 26% من الموظفين قالوا أنهم يستنزفون بالكامل في وظائفهم على الأغلب، ويرتبط الإجهاد بقوة أكثر بالشكوى من الحالة الصحية أكثر من ارتباطها بالمشكلات الأسرية.
* ردود أفعال سلبية
اكتشف استطلاع للرأي قامت به مؤسسة غالوب لاستطلاعات الرأي ، برعاية شركة مارلين الأميركية، المعلومات التالية:
ـ يشعر 80 % المئة من الموظفين أنهم يعانون من الإجهاد الوظيفي في حين أن نصف هؤلاء قال إنهم بحاجة لتعلم أساليب حول كيفية التغلب على الإجهاد بينما ذكر 42 % من الموظفين أن زملاءهم في العمل بحاجة لمثل ذاك العون.
ـ قال 14 % من المشاركين في الاستطلاع أنهم كانوا يرغبون في ضرب زملائهم في العام الماضي ولكنهم أحجموا عن فعل ذلك.
ـ شعر 25 % أنهم يرغبون في الصراخ أو الصياح بسبب الإجهاد الوظيفي ، وبالمقابل قال 10% أنهم كانوا قلقين من احتمال أن يقوم زميل لهم في العمل بارتكاب أعمال عنيفة.
ـ قال 9% إنهم مطلعون على حادثة حصل فيها هجوم أو أعمال عنف في مكان عملهم في حين أن 18% مروا بتجربة فيها تهديد لهم من نوع ما أو تعرضوا لترهيب شفاهي في العام الماضية.
وذكر استطلاع آخر قامت به مؤسسة إنتيجرا لاستطلاعات الرأي جاءت فيه النتائج مطابقة وعلى النحو التالي:
ـ أشار 65 % من الموظفين إلى أن الإجهاد في مكان العمل تسبب في مصاعب ووصف أكثر من 10% تلك المصاعب أنه كان لها تداعيات كبيرة.
ـ قال 10% من الموظفين إنهم يعملون في أجواء تحدث فيها أعمال عنف جسدية بسبب الإجهاد الوظيفي ، في حين قال 42 % من الموظفين إن الزعيق واستخدام العبارات النابية مسائل مألوفة في مكان عملهم.
ـ أكد 29 % من الموظفين إنهم صرخوا في وجوه زملائهم بسبب الإجهاد في مكان العمل وأشار 14% أنهم يعملون في أماكن تعرضت فيها الماكينات والأجهزة للأعطال بسبب حالات الغضب التي تقع في مكان العمل واعترف 2% من الموظفين أنهم قاموا فعلا بضرب زملاء لهم في مكان العمل.
ـ قال واحد من كل خمسة أشخاص أنهم استقالوا من مكان عمل بسبب ما واجهوه من إجهاد في مكان العمل، وقال واحد من كل أربعة أشخاص أنهم دفعوا إلى البكاء بسبب إجهاد مكان العمل.
ـ 62% قالوا إنهم اكتشفوا على نحو مفاجئ في نهاية يوم العمل آلاماً في العنق وذكر 44% من المشاركين في الاستطلاع أن أعينهم أصيبت بالإجهاد وأشتكى نحو 38% من إصابتهم بالألم في أيديهم وشعر 34% بصعوبات في الخلود إلى النوم لأنهم كانوا مجهدين جدا.
ـ طلب 12% من المشاركين الحصول على إجازات بسبب إصابتهم بالإجهاد الوظيفي.
ـ يمضي نحو نصف المشاركين في الاستطلاع 12 ساعة في الوظيفة يومياً بسبب إناطة أعمال إضافية بهم. وقال عدد مساو أنهم لا
يتمكنون من تناول وجبات الغداء بسبب متطلبات العمل المجهدة.
وقد دعمت دراسات أخرى تلك النتائج السابقة ووضعتها في مكانها المناسب وفقا لمنظور يبرز أهميتها.
جرائم في أماكن العمل
قالت دراستان أن الولايات المتحدة الأميركية أصبحت بيئة لأعلى نسبة أعمال عنف في أي بلد صناعي . وأشارتا إلى أن أماكن العمل تشهد عشرين جريمة قتل أسبوعيا وهو ما يجعل جرائم القتل في أماكن العمل تحتل المرتبة الثانية بين الوفيات في أماكن العمل وعلى رأسها جرائم قتل النساء. وتقع 18000 حادثة جنائية مثل حوادث الاغتصاب وأنواع أخرى من الهجمات التي يتعرض لها المجني عليه أو المجني عليها في مكان العمل.
وتبلغ هذه الاعتداءات حدود المليون في السنة. ويتوقع أن يكون هذا العدد أكبر بسبب عدم الإبلاغ عن الكثير من الحوادث التي تقع في مكان العمل . وبالمقارنة فإن سائقي سيارات الأجرة و رجال الأمن يتعرضون لحوادث خطرة في كثير من الأحيان.
كما أن العاملين في المؤسسات البريدية الذين يعملون في بيئات آمنة يعانون الكثير من الإجهاد في مكان العمل وقد أصبحت الخناقات على الهاتف وفي المكاتب مسألة دارجة في هذه الأيام الأميركيون يواجهون ساعات عمل أطول ويبذلون مجهوداً أكبر.
اكتشف تقرير أميركي حكومي في العام 1999 أن عدد ساعات العمل تزايدت 8% في الجيل الواحد وبمعدل 47 ساعة أسبوعيا حيث يعمل 20 % من الموظفين 49 ساعة في الأسبوع .
وتقول دراسة أجرتها منظمة العمل الدولية أن الأميركيين أضافوا ما يوازي 40 ساعة عمل إلى ساعات العمل الأسبوعية في العام 2000 مقارنة بالعقد السابق.
وتشير الدراسات إلى أن الأميركيين يعملون أسبوعاً زيادة على ساعات عمل اليابانيين وثلاثة أشهر على ساعات العمل في ألمانيا كما أن الأميركيين يعملون بجد أكثر. وذكرت دراسة أجريت في العام 2001 أن 40% تقريباً من العاملين وصفوا بيئة عملهم على أنها «أشبه ببرنامج بقاء شبيه بالحياة الحقيقية».
* التغيب الوظيفي
تضاعف عدد الموظفين الذين يتقدمون بطلبات للحصول على إجازات نتيجة للإرهاق ثلاث مرات مقارنة بالعامين 1996 و2000 إذ بلغ عددهم حاليا 800 ألف موظف ينتمون لـ 300 مؤسسة وشركة. ويبلغ عدد الموظفين الذين يبلغ عن غيابهم بسبب الإجهاد مليون موظف كل يوم.
وقالت الوكالة الأوروبية للسلامة والصحة في العمل أن أكثر من نصف أيام العمل التي مجموعها 550 مليون يوم تذهب هباء في الولايات المتحدة سنويا نتيجة للغياب الناجم عن الشعور بالإجهاد في العمل. وتشير الوكالة أن واحداً من أصل كل خمسة موظفين يتغيبون عن العمل في اللحظات الأخيرة بسبب الإجهاد.
ورأت أن هذا الأمر لو تفشى بين المديرين التنفيذيين لأصبح الأمر بعدئذ أشبه بحجارة الدومينو أي أن عدوى التغيب ستنتشر بين كل طبقات الموظفين وسيكون لذلك انعكاسات سلبية للغاية على الاقتصاد، ويتوقع أن تكلف حالات الغياب المفاجأة المؤسسات الأميركية مبالغ طائلة إلى جانب ما يتكلفه ذلك من خسائر.
* عدم الشعور بالأمان
تضاعفت أعداد الموظفين الذين يخشون فقدان وظائفهم مرتين في العقد الأخير. وعلى الرغم من أن هذا الشعور بدأ منذ أعوام عدة إلا أن المخاوف تزايدت في الأعوام الأخيرة. ويشير استطلاع للرأي في العام 2000 أن خمسين في المئة من الموظفين يشعرون بالقلق إزاء إمكانية الحفاظ على وظائفهم.
ورأى التقرير أن السبب يعود لعمليات الاستغناء الواسعة عن الموظفين فضلا عن إفلاس الكثير من المؤسسات التي تجعل أعداداً كبيرة من الموظفين يفقدون وظائفهم، وبلغت نسبة البطالة ذروتها في الأشهر الستة عشر الأخيرة ولا تبشر ظروف العمل بالتحسن. وتشير الدراسات إلى أن أكثر من مليون أميركي فقدوا وظائفهم في العام الماضي إي بنسبة تزيد 83 % عن العام الماضي. وكان ذلك قبل يوم من أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
أي أن الكارثة أضافت مشكلات أخرى لمأزق الإجهاد في العمل حيث بات الموظفون لا يشعرون بالأمان في وظائفهم. وشهدت أميركا منذ تلك الأحداث سقوط شركات كبرى مثل إينرون التي تركت انعكاساتها على شركات أخرى وعلى موظفيها.
وباتت هناك مخاوف من أن يكون ما يجري هو قمة جبل الجليد فقط حيث توحي حوادث ذات طبيعة مماثلة باحتمال ارتفاع عدد المؤسسات التي ستنهار والتي كان يقال عنها أنها مؤسسات عملاقة تتمتع بنسيج مالي وصناعي كبير.
ومن جهة ثانية اعتبرت منظمة العمل الدولية أن المعاناة من الإجهاد في العمل لا يقتصر على الولايات المتحدة الأميركية بل أصبح «مرض العصر» أو الوباء الذي ينتشر عالميا وعلى نطاق واسع.
محمد نبيل إسبارطيلي