تعتبر العلاقات التي تقوم بين الأطفال ووالديهم في المراحل المبكرة من العمر ذات اثر كبير في صحتهم النفسية سواء كان هذا التعامل يتسم باللين او بالقسوة، فعندما تصبح مطالب الآباء من أطفالهم أعلى مما يستطيعون أداءه وعندما يستخدم الآباء العقاب القاسي والقيود الشديدة، ويقيّمون ما ينجزه اطفالهم تقييماً سلبياً باستمرار،

ويعاقبونهم على كل ما يصدر عنهم، أو عندما تتسم معاملتهم لهم بالتذبذب وعدم الاستقرار، ويكون هذا هو اتجاه الوالدين في التنشئة، فالاحتمال الأكبر أن يصاب الأبناء باضطرابات نفسية من بينها القلق والخوف ومشكلات سلوكية كالعدوان والانطواء الاجتماعي، وقد تتحول هذه الاضطرابات الى اشكال دائمة من السلوك عند الابناء، خاصة عندما يستمر الآباء في استغلال ابنائهم وعقابهم على هذا النحو.

إن الآباء الذين يسرفون في العقاب البدني مع ابنائهم، هم في الغالب يتخذون من الطفل وسيلة للتنفيس عن رغباتهم العدوانية المكبوتة، وعن احباطاتهم ومشاعرهم السلبية المختلفة نحو انفسهم، وليست ممارساتهم هذه سوى رد فعل على ظروف حياتهم وضغوطها التي لا يطيقونها، فقد كشفت نتائج احدى الدراسات على ان الآباء الذين يعاقبون ابناءهم بقسوة كانوا يعاقبون في السابق، او على الاقل كانوا من المنبوذين.

* عوامل متعددة

لا نعفي هنا الظروف الاجتماعية والثقافية من المسؤولية ايضاً، فمما لا شك فيه ان الظروف الثقافية التي تتحكم في نظام الزواج بما قد يؤدي الى حدوث اضطراب في الحياة الزوجية وفشل الزواج بين الطرفين، وكذلك الظروف الاجتماعية والثقافية التي قد تؤدي الى ظروف سكنية سيئة، والى زيادة البطالة وزيادة ساعات العمل عند الزوجين، والظروف التعليمية التي تؤدي الى تفشي الجهل بشكل عام، والجهل بالأمور التربوية بشكل خاص واسس تربية الاطفال،

والى زيادة عدد الأبناء وعدم التحكم في تنظيم الأسرة والعشوائية في ترتيب ظروف الحياة المعيشية والأسرية، والظروف المهنية التي قد تساعد على عدم الرضا في العمل وزيادة ضغوطه، كضعف الرواتب والعلاقة السلبية بين الموظف والمسؤول وعدم النمو الوظيفي، كل ذلك يخلق دون شك جواً من الإحباط سواء بالنسبة للأب أو الأم، او لكليهما، فيقود ذلك الى ان يصب الآباء جام غضبهم على الأطفال، كتعبير عن فشلهم في التعامل مع مشكلاتهم الاجتماعية والنفسية والمهنية الخاصة بهم.

وغالباً ما يكون عقاب الآباء لأبنائهم على هذا النحو نتاجاً لعملية تفاعل متبادلة، بين طريقة معاملة الوالدين لطفلهما من ناحية وسلوك الطفل كرد فعل على هذه الطريقة من ناحية اخرى، فالوالدان المسيئان غالباً ما يكونان غير ثابتين في تعاملهما مع الطفل.

ويؤدي هذا التذبذب في المعاملة بدوره الى فشل في تحديد توجيهات ثابتة يسير عليها الطفل، وبالتالي فإن الطفل يفشل في هذه التوجيهات وقد يخطئ ويسيء التصرف، ويتصاعد الموقف: الطفل يسوء سلوكه، والوالد يعاقب، ويتكرر سوء السلوك من ناحية الطفل ويشتد عقاب الأب ناسياً او متناسياً انه تقع عليه المسؤولية وليس الطفل.

وهكذا تدور العلاقة بين الطفل ووالديه في حلقة مفرغة من سوء التوافق الذي يزداد في كل مرة يتم فيها التفاعل بينهما، وقد يكون من سوء حظ الطفل ان يولد هو نفسه من النمط المزاجي صعب المراس، او ناقص الوزن، او ضعيفاً بشكل عام، مما يتسبب في كثرة بكائه، او في حاجته الى رعاية او عناية غير عادية من حيث الوقت والمجهود.

وإذا كان ذلك يزيد من الأعباء التي على الأب ان يتحملها في تربية الطفل، لذا فقد يزداد شعوره بالإحباط، وتبدأ الدائرة المفرغة، التي سبق ان صورناها، من حيث اتساع الهوة بين الطفل ووالديه، ويصعب بعد ذلك التقاؤهما على طريق التوافق.

*آثار سلبية

إن قدراً كبيراً من المشكلات السلوكية التي تظهر عند الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة سببها تعامل الوالدين مع اطفالهما بأشكال غير تربوية اما من حيث القسوة الزائدة او الدلال الزائد، وللوالدين الدور الأكبر في تخليص الطفل من هذه المشكلات، وعليهما ان يأخذا بعين الاعتبار ان للقسوة والعقاب البدني آثاراً سلبية كبيرة على شخصية الطفل وتفاعله الاجتماعي وتكيفه النفسي اهمها:

ـ العقاب قد يكون حافزاً للوقوع في الخطأ.

ـ الخوف من العقاب قد يدفع الطفل للتفكير في اساليب تنجيه من العقاب كالكذب والغش وغيرهما.

ـ العقاب من شأنه ان يري الطفل والأسرة الجوانب السلبية الموجودة فيه دون الالتفات الى الايجابيات وجوانب القوة.

ـ السلوك المهذب الذي يظهره الطفل يكون ردة فعل على الخوف من اجل تجنب العقاب، وليس لقناعة الطفل بضرورة اتباع هذا السلوك.

ـ غياب الرقيب الذاتي عند الطفل والاعتماد على مصدر الضبط الخارجي لتوجيه تصرفاته وسلوكه.

ـ يخلق العقاب البدني علاقة سلبية بين الطفل ووالديه ويولد جواً من عدم الثقة.

ـ كبت مشاعر الطفل وحريته في إظهار انفعالاته وبالتالي قتل روح المبادرة والإبداع.

ـ العدوان على الآخرين كرد فعل وتعبير عن رفض الممارسات التي يقوم بها الوالدان ضده، واسقاطها على الآخرين، والخشونة في الألعاب وعند التفاعل مع اقرانه.

ـ الخجل والانطواء وفقدان مهارات التفاعل الاجتماعي.

ـ قد يصلح العقاب السلوك السلبي الحالي الذي قام به الطفل لكن له آثار جانبية سلبية تظهر على المدى البعيد.

واختتم بالقول إن العقاب البدني ضرره أكثر من نفعه، وان حصل النفع فإنه يكون آنياً قد يزول بغياب الشخص الذي يوقع العقاب، وان تعزيز سلوك الطفل الايجابي وأي سلوك مناقض للسلوك غير المرغوب فيه يؤتي نتائج ايجابية أكبر بكثير من التي يؤتيها العقاب وتدوم آثارها لفترات زمنية أطول.

** روحي عبدات

اختصاصي نفسي وتربوي