مع التوصل لاكتشاف الجينوم البشري ونشر الخريطة النهائية له خلال العام الماضي أصبحت صناعة الدواء تواجه تحديات كبيرة تتطلب اعادة النظر في أوضاع تلك الصناعة العتيدة التي نجحت في الاستمرار منذ مئات السنين وتجاوزت الكثير من العقبات وأسهمت في علاج الأمراض والتخفيف من آلام الإنسان.

وقد نظمت حملات دولية في العديد من دول العالم تعارض إحلال المنطق التجاري - في استغلال الجينوم البشري في صناعة الدواء - محل الاحترام الضروري للمعايير الأخلاقية وأكد العلماء الذين نظموا هذه الحملات أن الاستغلال التجاري للجينوم البشري سوف يجعل المصير الصحي لكل إنسان على سطح الكرة الأرضية مرهونا ليس بإنجازات العلم وإنما بتوجهات وتحالفات محتكري البراءات التي تقوم على هذا الاكتشاف.

وقالوا إن الظلم سوف يلحق بكل إنسان في المستقبل من جراء تحويل الاكتشافات التي تتم في جزئيات وجينات جسم الإنسان الى أداة للتجارة عن طريق البراءات موضحين أن هذا يضر الإنسانية أضرارا بالغة من زاويتين:

الأولى: تعطيل تواصل وتنافسية البحث العلمي على الجزئيات والجينات المكتشفة.

والثانية: تختص باحتكار العمل على جزئيات وجينات موجودة داخل جسم كل إنسان وتحويل هذا العمل الى مصدر للإتجار والإثراء بصرف النظر عن المصالح البشرية والاحتياجات الإنسانية.

حول هذه القضية قدم محمد رؤوف حامد استاذ علم الأدوية بالهيئة القومية المصرية للرقابة والبحوث الدوائية وأحد أبرز المختصين المصريين في هذا المجال دراسة تحت عنوان: «ثورة الدواء.. المستقبل والتحديات» لتكشف النقاب عن المصير المجهول الذي ينتظر الإنسان بسبب تكالب شركات الدواء العالمية على إقامة تحالفات لاستغلال اكتشاف الجينوم البشري في تحقيق أكبر ربح ممكن ولو على حساب الإنسان وصحته حيث إنه من المتوقع أن تبالغ تلك الشركات في أسعار الأدوية بما يجعل أغلبية سكان الأرض غير قادرين على شرائها من ناحية ومن ناحية أخرى ستحمي نفسها بالحصول على براءات الاختراع واستغلالها ��ي احتكار الأسواق ومنع الشركات الأخرى من إنتاج أدوية مشابهة لمنتجاتها بغرض الاتجار.

في بداية الدراسة يشير الدكتور محمد رؤوف حامد الى أن المواد الطبيعية خاصة النباتات وخلاصاتها كانت المصدر الرئيسي للدواء على مدى التاريخ واستمر هذا الوضع حتى 1897 عندما تمكن فليكس هوفمان من إحداث تعديل كيميائي بسيط لمادة حامض الساليسيك المستخلصة من قلف الصفصاف وكان نتيجة هذا التحول الكيميائي الحصول على الاسبرين ومعه تحولت شركة باير التي كان يعمل بها هوفمان الى أول شركة عصرية لصناعة الدواء بمعنى استخدامها التخليق الكيميائي للمواد المستخلصة من مصادر طبيعية لاشتقاق مواد دوائية جديدة.

السلفا والبنسلين

ويوضح حامد أن هذا التحول أدى الى تواصل المسيرة العلمية لاكتشاف أدوية جديدة فظهرت الأدوية المعجزة مثل السلفا والبنسلين في النصف الأول من القرن العشرين وتطورت الاهتمامات بالحصول على مواد دوائية جديدة وتصنيع المواد الخام وتحضير الأدوية في أشكال صيدلية مختلفة وفي الخمسينات والستينات ظهر التنافس في صناعة الدواء من خلال التحوير في المنتجات والتوصل الى مواد دوائية جديدة وبراءات الاختراع والأسماء التجارية للأدوية

مشيرا الى أن مخصصات البحث والتطوير تطورت بالنسبة للمبيعات من 3. 8% عام 1951 لتتجاوز الآن 20% في بعض الشركات، كما أن حجم الإنفاق السنوي على أنشطة البحث والتطوير فاق المليار دولار في العديد من شركات الأدوية العالمية الكبرى وهذا ما دفع تلك الشركات الى ممارسة ضغوط لإصدار اتفاقية حقوق الملكية الفكرية «التريبس» وبمقتضاها أصبحت براءة الاختراع لاتضمن الحماية للعملية الابتكارية أو الإنتاجية فقط وإنما تحمي المنتج أيضا بما يمنع الآخرين من التوصل للمنتج نفسه بأية طريقة أخرى وهذا يتعارض مع المعايير الأخلاقية خاصة مع الأدوية التي تعتمد على المعارف الجينومية.

تعرض الدراسة لتطور العلاقة بين الوراثة والدواء وتوضح أن ظاهرة انعكاس العوامل الوراثية على فاعليات الأدوية بدأت تجذب انتباه علماء الفارماكولوجي منذ أواخر الخمسينات وأخذ اهتمامهم النظري والمعملي يتزايد وتعددت الاكتشافات في علم الوراثة لدرجة أن المتخصصين في الطب والصيدلة يعرفون أكثر من مئة مثال لأثر غير عادي للأدوية سواء نقص في التأثير العلاجي أو حدوث أثر جانبي نتيجة لاختلافات فردية وراثية

وقد اكتشفت في بعض الدراسات أن استجابة الأفراد للأدوية تختلف فتسمح بعض الأجسام بأكسدة الأدوية في حين تظل الأدوية بتركيز أعلى من المطلوب ولفترة أطول من المعتاد في بعض الأجسام الأخرى وهذا يؤدي الى هبوط شديد في الضغط مما قد يؤدي الى الوفاة. ويشير الباحث الى أن الدراسات قسمت المرضى من حيث تفاعلهم مع الدواء خاصة «دبريوكوين» إلى نوعين:

الأول: ذو أيض ضعيف للدواء ويمثل 9% من المرضى.

الثاني: ذو أيض شديد للدواء ويمثل 91% من المرضى وهؤلاء يخرج الدواء من أجسامهم بسرعة وتم التوصل الى أن الجرعة يجب أن تنخفض بقدر كبير عند المرضى ذوي الأيض الضعيف وإلا فإن الدواء يتحول عندهم الى مادة سامة كما وجد أن هذه الخاصية تخضع لقواعد علم الوراثة وأنها ناتجة عن اختلاف في عامل وراثي أو جيني محدد.

خمس تقنيات

تجمل الدراسة تقنيات التوصل الى أدوية جديدة في خمسة أنواع: الأول: التصميم أو التشييد الكيميائي وبدأ في مرحلته الأولى بإحداث تحويرات في مواد كيميائية مستخلصة من مصادر طبيعية بجانب التشييد المعملي لمواد دوائية مشابهة تماما في التركيب الكيميائي لأخرى مستخلصة من هذه المصادر.

الثاني: هو الطبيعية كمصدر للأدوية فالأدوية معظمها عبارة عن مشتقات لمواد من مصادر طبيعية ويكون الإشتقاق أو التحوير الكيميائي لتحسين صفات الدواء بزيادة الفاعلية العلاجية وتقليل الآثار الجانبية وهناك اتجاهان بخصوص الاستفادة من المصادر: الأول يقوم على استخدام التنوع البيولوجي في الموارد الطبيعية في الحصول على مواد جديدة من حيث البناء الكيميائي والثاني استخدام تقنيات الهندسة الوراثية في إحداث تعديلات في التشفير الوراثي في الكائنات الدقيقة.

الثالث: التوصل الى تخليق المادة الدوائية في أنقى صورها الفعالة وهذا يعتبر إنجازا تكنولوجيا وطبيا واقتصاديا.

الرابع: التوصل الى أنظمة جديدة لتناول الدواء وضبطه داخل الجسم وهذا يزيد من قيمة الدواء من حيث الفوائد الطبية وتمديد فترة حياة مستحضر دوائي تكون الحماية التي تتمتع بها براءة اختراعه قد قاربت على الانتهاء، كما أن التطوير في الشكل الصيدلي لمادة دوائية موجودة بالفعل أقل تكلفة من عمليات التوصل الى مادة دوائية لم تكن موجودة من قبل.

الخامس: التوصل الى أدوية جديدة باستخدام التكنولوجيا الحيوية ومن أشهر هذه التقنيات تقنية «دي إن إيه» وهي الأساس في العديد من التطبيقات الدوائية من خلال استخدام كائنات حية دقيقة مثل البكتريا كوسيط لانتاج جزيئات حيوية كبيرة الحجم ينتجها جسم الإنسان أو تنتجها أجسام حيوانات ما وكان ظهور الأنسولين البشري أول مادة دوائية يتم انتاجها بواسطة الميكروبات نتيجة استخدام الهندسة الجينية الخاصة بتوليف الـ بي إن إيه، وأيضا هناك تقنية أخرى تقوم على إنتاج أجسام مضادة وحية بالاستنساخ تستخدم في علاج بعض الحالات المرضية مثل السرطانات وزرع الأعضاء وبعض الأمراض المعدية.

العلاج الجيني

تشير الدراسة إلى تقنية ثالثة هي التكبير التكراري لعامل وراثي معين على شريط دي إن إيه وتستخدم في مجالات الأمراض المعدية مثل الالتهاب الكبدي الوبائي سي وتشخيص الأمراض التي تحدث نتيجة طفرة جينية مثل مرض التليف الكبدي وهناك تقنية رابعة تقوم على منع أو تقليل التعبير الجيني الخاص بجين معين ومنعه من ممارسة نشاطه وتقليل قدرته وتستخدم في مجالات العلاج من الفيروسات والسرطانات وأمراض المناعة الذاتية

أما التقنية الخامسة فهي العلاج الجيني بحيث يتم إدخال جين صحيح في خلايا الإنسان ليحل محل جين مفقود أو جين معيب وهذه تمثل ثورة في علاج الأمراض الوراثية والأمراض المستعصية ويعد العلاج الجيني نوعا من طرق الإتاحة الحيوية الدائمة للدواء داخل الجسم

ويطلق على التقنية السادسة مسمى مقلدات البتيدات فنظرا للصعوبات التي تتعلق بإدخال الأدوية التي تكون في شكل بروتينات أو بيتيدات الى الجسم بجانب الصعوبات الخاصة بثبات وفترات صلاحية هذا النوع من المستحضرات لذلك اتجه العلماء الى اختزال هذه البروتينات أو البيتيدات الى مركبات مقلدة لها لكنها صغيرة جدا في الحجم حتى يسهل التعامل معها، والتوصل الى التشييد الكيميائي لهذه المقلدات يعتمد على فهم التداخل بين البروتين العلاجي من ناحية والمادة البيولوجية التي تمثل مستقبل هذا البروتين من ناحية أخرى.

الأنسولين

وحول التطورات الدوائية المحتملة نتيجة المعارف الجينومية يؤكد الباحث أن هناك بالفعل تطورات جارية منذ زمن منها على سبيل المثال التوصل الى أدوية جديدة باستخدام التكنولوجيا الحيوية وكذلك باستخدام تقنية الـ دي إن إيه عن طريق استنساخ الجينات البشرية ومن خلاله تم التوصل الى الأنسولين البشري الذي ظهر عام 1978 وبدأ تسويقه عام 1982

وهذا التحول الجيني لم يحدث فقط في الكائنات الدقيقة وإنما تم ايضا في حيوانات كبيرة مثل أحداث تحول جيني لأنثى الخنزير لتدر في لبنها كميات وفيرة من البروتين البشري «سي» وهو يستخدم في علاج بعض الأمراض الوراثية الخاصة بتجلط الدم أيضا هناك المواد التشخيصية الجديدة والتي يمكن باستخدامها التعرف على الأمراض الفيروسية المعدية بجانب تشخيص الأمراض الناتجة عن الطفرات الجنينية

وكذلك التقنية الخاصة بإنتاج أجسام مضادة وحيدة الاستنساخ التي استخدمت في التوصل الى دواء «هريستين» لعلاج سرطان الثدي وهناك شركة بحثية انتهت من التحليل الخاص بالنشاط الجيني في 40 نسيجا من أنسجة الإنسان

وتستخدم الآن هذه التحليلات الجينية في التوصل الى أدوية جديدة وقد نجحت شركة إيزيس الأميركية على مدى العام ونصف العام الأخير في تسجيل أكثر من 60 براءة اختراع باستخدام هذه التكنولوجيا كما جربت شركة لوراس الأميركية مركبين من مضادات الحس على خلايا سرطانية وفوق ذلك كله ستؤدي المعارف الجينية الى المزيد من التدقيق في وصف الأدوية والأخذ في الاعتبار الاختلافات الوراثية على المستويات الفردية.

انتقادات

تؤكد الدراسة أن هذه المجالات الجديدة أوجدت مشكلات يجري التعامل معها بالفعل فرغم إجراء أول تجربة على الإنسان باستخدام العلاج الجيني عام 1990 في المعهد القومي للصحة بالولايات المتحدة على طفلة عمرها أربع سنوات تعاني من نقص وراثي لأنزيم معين ورغم إجراء أكثر من مائتي تجربة خلال السنوات العشر الماضية إلا أنه لم يتم التوصل بعد الى علاج جيني يمكن الاعتراف به من جهات الرقابة الدوائية وقبوله في سوق الدواء،

كما صدرت انتقادات من الدوائر الطبية بسبب الإندفاع نحو إجراء تجارب العلاج الجيني على الإنسان ويعد التحدي الرئيسي الذي يعوق العلاج الجيني القدرة على إيجاد ناقلات آمنة قادرة على نقل الجين بكفاءة الى الخلايا المستهدفة وكذلك قيام الجينات بنشاطها بمجرد دخولها الى الخلايا بجانب وفاة عدد كبير من الذين تطوعوا للخضوع للعلاج الجيني.

وتستشرف الدراسة المستقبل وتشير الى بعض التوقعات التي ستحدث في القريب نتيجة الاعتماد على المعارف الجينومية ومن ذلك تقسيم كل مرض الى أنواع فرعية اعتمادا على الخصوصيات الجينية المميزة لكل نوع وتم التشخيص الدقيق لكل نوع فرعي على حدة والتعرف على التغييرات الجزيئية المسببة والمصاحبة للأمراض

والتعرف على آلية الاستجابة على المستوى الجزيئي للعلاجات الدوائية المختلفة ووصف الدواء طبقا للبنية الجينية لكل شخص والبدء في العلاج قبل ظهور أعراض المرض والعلاج بضمان كفاءة الدواء بمعنى التأكد من نفعه للمريض وعدم إصابته بآثار جانبية بجانب خفض كميات الدواء المستخدمة والعودة في بعض الحالات الى أدوية الماضي.

وتؤكد الدراسة أن التطورات العلمية والتكنولوجية الخاصة باكتشاف وتفسير آليات فعل الأدوية وتصميم أدوية جديدة ستؤدي خلال فترة تتراوح بين 7 و10 سنوات الى إحداث تغييرات جذرية في مفاهيم ومناهج العمل في علوم الفارماكولوجي والباثولوجي والكيمياء الطبية، مشيرة الى أن الجينوم البشري ستكون له إنعكاسات على نظم واقتصاديات وسياسات صناعة الدواء ونظم التعاملات الخاصة بتسجيل وتسعير ورقابة الأدوية وتقييم فاعلية الأدوية ومتابعة آثارها الجانبية

القاهرة ـ ضياء الدين أحمد