لم أدر يوماً أنني سأكون حطباً للأصدقاء الذين يتمتعون بالدفء في ليالي الشتاء القارصة، حيث نشيج المزاريب تعزف لحناً جنائزياً حزيناً. وانني سأكون الرماد في مهب الرياح التائهة.

لم أدر يوماً أن الجسر الذي تمده ليعبر الآخرون فوقه كطريق للنجاة، يمكن أن يصبح كالطوق حول عنقك، أو القيد حول معصميك. لم أدر يوماً أن الشخص الضعيف أو المريض حينما تساعده يصرخ في وجهك بعد أن يتعافى أو يقوى.

ولكن يبدو أنه في زمن القحط كل شيء يتغير، حيث تنقلب المفاهيم البائدة على القيم الأخلاقية، وتصبح المادة هي الدافع الأساسي حتى لإلقاء السلام على الآخرين. وفي زمن القحط تخفي الوجوه ما ينذر بالسوء، وتبدو الابتسامات صفراء والشفاه شاحبة.

وتصبح المادة هي المحرك الأساسي لكل شيء، رغم أن قيمة المال لا تقدر بالأرقام، وإنما فيما يؤديه من وظائف وأعمال، وان التسامح لم يعد موجوداً في مفرداتنا اليومية. علماً بأن التسامح من القيم النبيلة التي لا تؤثر بشكل إيجابي على الأشخاص الآخرين، وإنما على الفرد ذاته، فالتسامح يحقق الصحة والسعادة والتوازن الداخلي والصفاء.

قد نختلف مع بعض ولكن ينبغي ألا يولد ذلك شرخاً في العلاقات الإجتماعية. والتسامح من مكارم الأخلاق وهو ليس مطلوباً من الناحية الأخلاقية فحسب، وإنما لأنه مفيد لصحة الجسم والنفس، فهو يبعد عنك مصادر القلق والتوتر والاكتئاب والاضطرابات الجسدية المرتبطة بها. وتشير الدراسات إلى أن التسامح يخفض الضغط الدموي المرتفع، ويبعد عن الشخص أمراض القلب والأوعية الدموية.

وجدير بالذكر أن الحلم وضبط الأعصاب والسيطرة عليها، يبعدك عن الانفعال والتوتر والغضب الذي يزيد الطين بلة، وقد يؤدي لارتكاب الجرائم أو القيام بتصرفات غير مناسبة، ويبعد عنك السلوك العدواني الذي ينعكس بشكل سلبي على الفرد من حوله.

فهل نسعى جميعاً للتحلي بمكارم الأخلاق والتسلح بالمعرفة من أجل تعزيز مكانتنا في حياتنا الاجتماعية والعلمية، والتغلب على أكبر المشكلات بالحكمة. والهدوء والتفكير العقلاني المعتمد على الواقع وليس الخيال. إنها دعوة من أجل تحقيق الصحة والسعادة للجميع والتوازن الجسدي والنفسي.

الحكيم