رغم تقدم العلوم والحياة بمختلف جوانبها، إلا أن الاعتقادات الخاطئة مازالت موجودة في كل المجتمعات وكثيراً ما نرى ونقرأ في المجلات عن ذلك الشخص الذي ضُرب ضرباً موجعاً حتى الموت وذلك اعتقاداً من الناس بأن ذلك سوف يخرج الجني أو الشيطان الساكن بداخله. والأمراض النفسية لها دخل كبير في هذه الاعتقادات
فالكثير من الأمراض النفسية لا يستطيع الإنسان العادي تفسيرها كرؤية بعض الناس لأشخاص غير موجودين أو سماعهم لأصوات تطلب منهم تأدية بعض الأعمال وهي واضحة جداً لهذا الشخص بحيث إنه لا يستطيع التفرقة بين الحقيقة والخيال. الوسواس القهري أيضاً من الأمراض النفسية التي تجعل الإنسان يقوم باعتقادات خاطئة مثلاً كغسل اليدين أكثر من 20 مرة وذلك اعتقاداً من هذا الشخص بأن هذا قد يزيل الأوساخ، أو أن بعض الناس لابد من أن يمشي بطريقة معينة أو أن يركب السلم بداية بالرجل اليمنى أو اليسرى تيمناً بالفأل الحسن.
فاعتقادات الناس كثيرة وهي موجودة في جميع طبقات المجتمع وتزداد عند الجهل عن الموضوع.
ذكر لي مرة طبيب أمراض نسائية أنه عند بداية حياته المهنية كان يعمل كطبيب مقيم وكانت تزوره في العيادة امرأة تعاني من العقم، وقد حاول علاجها بالكثير من العقاقير الدوائية وطرق أخرى ولكن من دون فائدة وبعد الكثير من الفحوصات اعتبرت حالتها بأنها شبه ميؤوس منها، وفي يوم من الأيام زارته هذه المريضة وكان في يدها ورقة صغيرة أحضرتها من «طبيب شعبي» وهي ورقة صغيرة ملفوفة تحتوي على طلاسم غريبة، وقد نصحها ذلك الدجال بأن تحتفظ بهذه الورقة في مكان أمين وسوف تحمل!!
عندما رأى هذا الطبيب الورقة ضحك وقال لها مازحاً بعد أن سألته المريضة ماذا تفعل بالورقة، بأن «تبلها وتشرب ماءها»، وبعد بضعة شهور دخلت عليه هذه المريضة مرة أخرى وهي في قمة السعادة وأخذت تشكره وقالت إنها أخذت بنصيحته فقامت بغلي الورقة وشربت ماءها وهي الآن حامل مع دهشة هذا الطبيب!!
هذه الاعتقادات قد تصيب وقد تخيب فعندما تصيب يعتقد الإنسان بأنها صحيحة ويقوم بالترويج لها أما عندما تخطئ فإن الإنسان ينسى الموضوع ولا يكترث له، وتوجد بعض الأمراض وخاصة الأمراض الفيروسية التي تختفي وتهدأ لوحدها بعد فترة من الزمن وعند اختفائها فإن الإنسان يعتقد بأن العلاج الذي أعطاه هذا الطبيب الشعبي أو بسبب شربه لهذا الماء أو استخدامه لهذا المرهم فإن المرض قد اختفى، فكما يقول أحد الأطباء فإن علاج الإنفلونزا بالمضاد الحيوي يستغرق أسبوعاً أما بدون المضاد الحيوي فقد يستغرق 7 أيام.
النتيجة واحدة ولكن العلاج مختلف. ويوجد في الطب أيضاً ما نسميه بالبلايسبو (Placebo) وهو اعتقاد المرضى بأنهم قد حصلوا على الدواء الشافي، وهذه النسبة قد ترتفع وتصل إلى أكثر من 20-30% أي أنه عندما تعاني من الصداع مثلاً فإنك عندما تأخذ مسكناً للوجع فإن هذا الصداع قد يختفي، وقد لا يكون سبب العلاج المسكن إنما البلايسبو أي اعتقاد المريض بأن هذا الدواء قد يشفيه.
قد تشعر بالمرض أحياناً أو تعاني من وجع في البطن أو الرجل ويأتي إليك أحد أصحابك ببعض الأعشاب أو الكريمات التي أخذها من أحد الأطباء الشعبيين وتقول في نفسك لن تضر هذه إذا استخدمتها، وقد يزول عنك المرض والوجع بعد استخدامها ولكن سبب زواله قد لا يكون الأعشاب أو الكريمات إنما كما ذكرنا نوعية المرض أي أنه قد يختفي لوحده أو قد يكون السبب البلايسبو.
للأسف الاعتقادات كثيرة وخاصة في مجال الصحة ويحاول بعض الدجالين الاستفادة منها وخداع المريض وذلك لأن المريض قد يدفع ما لديه لإزالة المرض.
والخطر في هذه الاعتقادات عندما يُترك المريض المصاب بمرض خبيث أو يوقف العلاج الأساسي ويبدأ باستخدام علاجات أخرى حتى تتأخر حالته ويصعب بعدها علاج هذا المرض، فلابد أن توجد رقابة صارمة على هؤلاء الأشخاص ولابد أن يوجد العقاب الرادع فالطبيب المخطئ لابد أن يعاقب فلماذا لا يعاقب هؤلاء الأشخاص أيضاً خاصة أنهم يغامرون بحياة المريض وقد يستمرون في المغامرة ما لم نستطع إيقافهم.
د. صقر المعلا
جرّاح تجميل