لكل طفل عالمه الخاص.. الذي يحتوي على ألعابه وخيالاته التي ترافقه أثناء لعبه. عالمه الخاص الذي ينظر من خلاله إلى الكبار من حوله وإلى البيئة الخارجية، عالمه الخاص الذي يتلقى من خلاله الكثير من المعلومات التي تسهم في بناء هذا العالم الصغير.
الطفل المصاب بالتوحد له أيضا عالمه الخاص، ويبدو بأنه مسحوب نحو هذا العالم أكثر من الطفل العادي. التوحد يجعله يبدو وكأنه مخلوق من عالم آخر، تختلف لغته وعاداته، ويجعل التواصل والتفاعل الاجتماعي معه صعباً جدا.
بسبب القصور الذي يعاني منه الطفل المصاب باضطراب التوحد في التواصل والتفاعل الاجتماعي، يصبح من الصعب عليه أن يستوعب طبيعة المعلومات التي يتلقاها من العالم الخارجي، ويصعب عليه فهم ما يجري حوله من صور التواصل الاجتماعي. القصور الاجتماعي الذي يعاني منه الطفل المصاب بالتوحد يجعل عالم الطفل يبدو وكأنه مليء بالعوائق والصور المبهمة التي تجعله يسيء فهم العالم الخارجي، عالم الكبار والبيئة التي تحاوطه.
صعوبة التواصل
بسبب المشاكل الكثيرة التي يعاني منها الطفل المصاب بالتوحد، يصبح من الصعب على والديه أن يتواصلا معه، وأن يعلماه المهارات الأساسية والمهمة لحياته، ومن هنا أتى تأسيس وانشاء الكثير من البرامج التربوية التي صممت خصيصا لتتناسب مع طبيعة اضطراب التوحد، بعض هذه البرامج اثبتت نجاحها مع الكثير من حالات التوحد، من هذه البرامج برنامجا TEACCH و Lovaas وغيرهما من البرامج التي شاع تطبيقها في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
رغم كثرة البرامج التدريبية التي صممت لتناسب أطفال التوحد، إلا أنه لم يثبت أن أي واحد منها حقق نجاحاً كاملاً على الأطفال الذين دربوا ضمنه، يرجع هذا إلى سبب الاختلافات بين أطفال التوحد والاختلافات بين طبيعة أسرهم وبيئاتهم ومجتمعاتهم التي يعيشون فيها، فالبرنامج الذي قد ينجح مع طفل، قد لا ينجح مع طفل آخر بسبب الاختلافات بينهما، فما يناسب أحد الاطفال المصابين بالتوحد، لا يناسب جميع الأطفال المصابين بالتوحد.
أكثر الدراسات التربوية الحديثة تؤكد أن أفضل الحلول لمساعدة الطفل المصاب بالتوحد والذي قد يضمن له تدريباً يؤهله لدخول المدرسة العادية والاندماج مع أقرانه، هي برامج التدخل المبكر.
برامج التدخل المبكر هي البرامج التي يلحق فيها الطفل فوراً بعد اكتشاف وتشخيص حالته، تستقبل هذه البرامج عادة الأطفال من سن 2 إلى سن 5، هناك بعض برامج التدخل المبكر التي قد تستقبل الطفل من عمر أصغر من ذلك. مثال على ذلك، برامج التدخل المبكر لبعض الإعاقات الجسدية قد تستقبل الأطفال حديثي الولادة.
التدريب السلوكي
أهم ما تركز عليه برامج التدخل المبكر هو التدريب السلوكي والتدريب على التواصل. التدريب السلوكي يعني ملاحظة سلوكيات الطفل ومحاولة التقليل من السلوكيات الصعبة التي قد تؤثر على اندماجه في المدرسة العادية، وتدريبه على السلوكيات الاجتماعية التي يحتاج إليها. التدريب على التواصل يشمل إنشاء نظام وطريقة للتواصل مع الطفل بما يتناسب مع طبيعة التوحد، قدراته العقلية وبما يتناسب مع الأسرة. طرق التواصل قد تعتمد على استخدام الصور أو لغة الإشارة، يختلف هذا الشيء باختلاف الحالة وطبيعتها.
التدريب السلوكي والتدريب على التواصل المكثف يساعد الطفل على التواصل مع والديه وأقرانه من سن مبكرة، ويقلل من نسبة ظهور السلوكيات الصعبة التي تؤثر على قدرة الطفل على الاندماج والتفاعل مع أقرانه، وكلما اكتشفت الحالة وشخصت مبكراً، كلما ساعد ذلك في إدخال الطفل إلى برنامج تدخل مبكر خاص بالتوحد وأدى ذلك إلى التأهيل الفوري للطفل. هنا تظهر أهمية الاكتشاف والتشخيص المبكر لحالة التوحد، وأهمية وجود المختصين المؤهلين لتشخيص حالات التوحد ولتقييم قدرات الأطفال المصابين بالتوحد.
لا تشمل برامج التدخل المبكر فقط تدريب الأطفال المصابين بالتوحد، فهي يجب أن تشمل كذلك تدريب أولياء الأمور على التواصل مع أطفالهم، وعلى كيفية استكمال تدريب الطفل في المنزل. لا يمكن الاعتماد فقط على تدريب الطفل من غير جعل أولياء الأمور في الصورة وعلى دراية بالتدريب الذي يتلقاه الطفل في البرنامج. قد تكون برامج التدخل المبكر المعتمدة فقط على تدريب الأطفال ناجحة، ولكن برامج التدخل المبكر التي تقدم الخدمات التدريبية للأطفال ولأولياء الأمور في نفس الوقت هي البرامج التي تحقق النجاح الأكبر للطفل والاسرة.
الاندماج مع أقرانهم
رغم الإعداد الجيد الذي تقدمه برامج التدخل المبكر للأطفال المصابين بالتوحد ولأسرهم، إلا ان النجاح لن يتحقق من غير وجود المدارس المستعدة لاستقبال هؤلاء الأطفال والمستعدة لتقديم الفرصة لهم للاندماج مع أقرانهم، ولن يتحقق النجاح من غير وجود المعلمات المؤهلات والقادرات على العمل مع هؤلاء الأطفال وعلى استقبالهم في فصولهم. المدارس التي تفتح أبوابها لهؤلاء الأطفال تحتاج إلى تدريب معلماتها التدريب المناسب من القائمين على برامج التدخل المبكر، وعلى التواصل الدائم لحل أي مشكلة تتعلق بالطفل أو بأسرته.
وجود المدارس المستعدة لاستقبال هؤلاء الأطفال يعتمد اعتماداً مهماً على وجود الوعي في المجتمع، وعي بمشكلة الاضطراب والتوحد، المشاكل التي تواجهها الأسرة بسبب هذا الاضطراب، واحتياجات الطفل والأسرة واحتياجات المراكز المتخصصة في تأهيل هؤلاء الأطفال.
برنامج متميز
تميز برنامج TEACCH في تقديم واحد من أفضل برامج التدخل المبكر التدريبية لأطفال التوحد. تميز هذا البرنامج الذي يطبق حالياً في الكثير من دول العالم، بإعداد البيئة المنزلية والتدريبية المناسبة لطبيعة الطفل المصاب بالتوحد، ويتميز هذا البرنامج باستخدام وسائل التعليم والتدريب المصورة المصممة خصيصاً لتناسب أطفال التوحد. الكثير من مراكز التوحد تتبنى برنامج TEACCH في خططها العلاجية والتدريبية، وكذلك الكثير من مدارس الدمج في الولايات المتحدة وأوروبا تستخدم هذا البرنامج.
ومن أحدث برامج التدخل المبكر، برنامج Early Bird الذي يطبق في بريطانيا وفي بعض دول أوروبا. يتميز هذا البرنامج بتدريب أولياء الأمور، بدلاً عن تدريب الأطفال، وجعلهم قادرين على التواصل والتفاعل الاجتماعي مع الأطفال، وقادرين على وضع خطط لحل مشاكل أطفالهم السلوكية. أثبت هذا البرنامج فاعليته في مساعدة أطفال التوحد وأسرهم، 80% من الأطفال الذين يدرب أولياء أمورهم في هذا البرنامج تم دمجهم في المدارس.
من أفضل الكتب التي طرحت وناقشت قضايا التدخل المبكر لأطفال التوحد، كتاب Preschool Issues in Autism، للكتاب اريك سكوبلر، ماري بورحوندين وماري بريستول. وكتاب: Autism in Early Years، للكاتبين ليج وستفينسون. وكتاب: children with autism and Asperger Syndrome للكاتبة التي تعتبر من رواد دراسة برامج تدريب أطفال التوحد باتريشيا هاولن.
التدخل المبكر المعد إعداداً جيداً هو بمثابة اليد التي تأخذ الطفل المصاب بالتوحد من عالمه الصغير إلى العالم الكبير المحيط به، هذه اليد التي تأخذه بكل رعاية واهتمام وتقدم له ولأسرته الخدمات التي تحتاج إليها الأسرة والطفل. وجود الفريق والبرنامج المناسب، والأسرة التي تواصل العمل مع الطفل وتتواصل مع فريق البرنامج، ومن ثم المدرسة التي تستقبل الطفل في فصولها، هذه النقاط كفيلة بتقديم أفضل الخدمات التي يحتاج إليها الطفل المصاب بالتوحد والتي تكفل له التأهيل والتدريب التربوي المهمين لبناء المستقبل الناجح له.
بقلم: رابعة السميطي
مركز دبي للتوحد