من الجوانب الشخصية التي تبين ارتباطها بالنجاح أو الفشل في العلاقات الاجتماعية، ما يسمى بالتوكيدية أو تأكيد الذات، أو ما أطلقنا عليه في موقع آخر حرية التعبير عن المشاعر.
يشير مفهوم تأكيد الذات إلى خاصية تبين أنها تميز الأشخاص الناجحين، من وجهتي نظر الصحة النفسية والفاعلية في العلاقات الاجتماعية. كان أول من أشار إلى هذا المفهوم وبلوره على نحو علمي، وكشف عن متضمناته الصحية، هو العالم الأميركي «التر» (4991) الذي أشار إلى أن هذا المفهوم يمثل خاصية أو سمة شخصية عامة (مثلها مثل الانطواء أو الانبساط). أي أنها تتوافر في البعض فيكون توكيدياً في مختلف المواقف، وقد لا تتوافر في البعض الآخر، فيصبح سلبياً وعاجزاً عن توكيد نفسه في المواقف الاجتماعية المختلفة. وجاء بعده «ولبي» 1958، و«لازاروس» 1966 اللذان أعادا صياغة هذه الخاصية، بحيث أصبحت تشير إلى قدرة يمكن تطويرها وتدريبها،
وتتمثل في التعبير عن النفس والدفاع عن الحقوق الشخصية عندما تخترق دون وجه حق. ومن ثم أشارا إلى أن بإمكان أي فرد أن يكون توكيدياً في بعض المواقف، وسلبياً في مواقف أخرى. ومن ثم يكون هدف العلاج النفسي أن ندرب الفرد الذي يعاني من المرض النفسي أو العقلي، على أن يتطور بإمكانياته في التعبير عن التوكيدية والثقة بالنفس في المواقف التي كان يعجز فيها عن ذلك. ونظراً لما تمثله هذه الخاصية من أهمية في فهم الاضطراب النفسي. فقد تحولت الأذهان في الفترات الأخيرة إلى ابتكار كثير من البرامج لتدريب هذه القدرة. وبابتكار هذه البرامج أصبح بالإمكان التخفيف من كثير الأعراض المرضية، التي يلعب فيها القصور في المهارات الاجتماعية أحد العوامل الرئيسية، بما في ذلك القلق والاكتئاب.
ويمثل برنامج تدريب المهارات الاجتماعية وتدريب القدرة التوكيدية والمستخدم في العيادة السلوكية بكلية الطب، جامعة الملك فيصل تحت إشراف المؤلف، أحد هذه البرامج التي أثبتت الخبرة فاعليتها في البيئة العربية، وقبل الدخول في تفاصيل هذا البرنامج، نشير فيما يلي إلى بعض الحقائق الخاصة بمفهوم التوكيدية، وكيفية قياسها.
التوكيدية في نقاط
أصبح مفهوم التوكيدية من المفاهيم المستقرة، التي أثبتت فائدتها في العلاج النفسي والسلوكي، كما تنوع استخدامها بحيث أصبحت تشير إلى أكثر من معنى، أمكننا حصر بعضها على النحو التالي:
1- الدفاع عن الحقوق الشخصية الفردية المشروعة سواء في الأسرة أو العمل، أو عند الاحتكاك بالآخرين من الغرباء أو الأقارب.
2- التصرف وفق مقتضيات الموقف، ومتطلبات التفاعل بحيث يخرج الفرد في هذه المواقف منتصراً، وناجحاً، ولكن دون إخلال بحقوق الآخرين.
3- التعبير عن الانفعالات والمشاعر بحرية، أي الحرية الانفعالية.
4- التصرف من منطلقات نقاط القوة في الشخصية، وليس نقاط الضعف، بحيث لا يكون الفرد ضحية لأخطاء الآخرين أو الظروف.
5- التوكيدية تتضمن قدراً من الشجاعة وعدم الخوف من أن يعبر الفرد عن شعوره الحقيقي، بما في ذلك القدرة على رفض الطلبات غير المعقولة، أو الضارة بسمعة الإنسان وصحته.
6- التحرر من مشاعر الذنب غير المعقولة أو تأنيب النفس عند رفضنا لهذه المواقف أو استهجاننا للتصرفات المهينة.
7- القدرة على اتخاذ قرارات مهمة، وحاسمة وبسرعة مناسبة، وبكفاءة عالية.
8- القدرة على تكوين علاقات دافئة، والتعبير عن المشاعر الإيجابية (بما فيها المحبة، والود، والمدح، والإعجاب) خلال تعاملنا مع الآخرين، وفي الأوقات المناسبة.
9- القدرة على الإيجابية والتعاون وتقديم العون.
10- القدرة على مقاومة الضغوط الاجتماعية، وما تفرضه علينا أحياناً من تصرفات لا تتلاءم مع قيمنا.
11- المهارة في معالجة الصراعات الاجتماعية، وما يتطلبه ذلك من تقديم شكوى، أو الاستماع إلى شكوى، والتفاوض، والإقناع، والاستجابة للإقناع، والوصول إلى حل وسط إلخ.
سؤالنا الآن: ما الذي يجعل من خاصية تأكيد الذات جانباً من جوانب الصحة النفسية ؟ ولماذا تمثل التوكيدية أحد الجوانب التي ينبغي على المكتئبين تدعيمها ؟
من اليسير استنتاج إجابة هذا السؤال بإعادة النظر إلى ما ورد في السطور السابقة. فالتوكيدية تعني ـ من ضمن ما تعنيه ـ أن تكون لدينا القدرة على أن نفتح للآخرين أنفسنا ومشاعرنا، وهي بهذا المعنى تعني عدم الخوف من أن تطلع الآخرين على مشاعرك، بدلاً من أن تخفيها بداخلك.
ولهذا يسهل على التوكيدي أن ينمي علاقة سهلة ودائمة ودافئة بالآخرين، بسبب ما تخلقه من طمأنينة متبادلة، وتواصل، وعدم خوف من كشف الذات، ويمثل هذا النوع من العلاقات الإيجابية جانباً من الجوانب المهمة في التغلب على الاكتئاب، فنحن نشعر بالاكتئاب عادة عندما نفشل في أن نجد علاقة أو أكثر فيها هذا الدفء.
وفى بيئاتنا العربية، يوجد أكثر من سبب يجعلنا نشجع على تنمية التوكيدية بصفتها طريقاً للصحة النفسية. فتنميتها تساعد على تجنب كثير من جوانب الإحباط، والجوانب المنفردة التي ترتبط بطبيعة العلاقات الاجتماعية في بلادنا.
وهنا قد أجد ضرورة إلى أن أشير إلى وجود نمط من الناس يخلقون نوعاً من العلاقات التي يسميها علماء النفس: علاقات مسمومة هذا هو النوع المجادل، الذي يتبرع للمنافسة في كل كبيرة أو صغيرة، ويحاول جهده أن يسفه من رأيك، ويقلل من مجهوداتك، وبعبارة أخرى يبني رأيه على النقد والمنافسة، وهدم الآخرين أو الإقلال من شأنهم.
هذا النوع من الأشخاص الذي يخلق جواً من العلاقات المسمومة قد يكون سائق تاكسي، أو زميلاً في العمل، ربما حتى رئيسك، أو حتى أقرب المقربين. وتبين دراسة الاكتئاب، أنه قد يكون في أحياناً كثيرة نتيجة مباشرة لهذا النوع من العلاقات، ومن هنا تنبع أهمية تأكيد الذات.
فمن الصعب أن تكون موضوعاً للامتهان من سائق تاكسي، أو من رئيسك في العمل، أو من زملاء المهنة، أو غير هؤلاء من أشخاص أوقعتك الظروف معهم في علاقات مسمومة من هذا النوع، ما دمت مدرباً على التعبير عن مشاعرك الإيجابية والسلبية وأن تكون قادراً على إعلانها بصوت مسموع.