مع تقدم العلوم الطبية في جميع مجالاتها، يزداد بوضوح أكثر المعركة الشرسة التي يخوضها جيش العلماء والباحثون في هذا المجال ضد الأمراض، حيث يحاولون في كل عام إحراز بعض التقدم في سبيل الوقاية ومنع انتشار وتفاقم الأمراض.

وعلى الرغم من ذلك فما زالت الانجازات البشرية بعيدة جداً عن تحقيق الانتصار في أي من الأمراض. صحيح أن هناك العديد من الأدوية والعلاجات التي نجحت في إنقاذ البشرية من الموت نتيجة أمراض خطيرة كبعض الأمراض الوبائية كالجدري والسل وشلل الأطفال والتيفوئيد، والأمراض الجسدية كالسكري وارتفاع ضغط الدم، والأمراض النفسية كالفصام والاكتئاب.

إلا أنه مع ظهور عوامل أخرى كالتلوث البيئي والإشعاعي، وانتشار أنواع وأجيال جديدة من الكائنات الدقيقة كالفيروسات، ومقاومة الجراثيم للمضادات الحيوية، والجهل الصحي، وانتشار الفقر، تواجه مصاعب أكثر في إيجاد الحلول لتلك المشكلات المتمثلة في انتشار المزيد من الأمراض وظهور أنواع جديدة، لم يكونوا يعلمون عنها شيئاً في السابق وليس لديهم معرفة في كيفية التعامل معها. إلا أنهم مع ذلك يحاولون إيقاد شمعة لتضيء بقعة في وسط هائج من الأمراض والعلل.

في كل عام يتمكن العلماء من اكتشاف عدد كبير من المواد الفعالة، إلا أن الحاجة لسنوات طويلة من البحث والدراسة يكون عائقاً أمام ظهور مثل هذه الأدوية، إلا أن المستقبل يبشر بالموافقة على عدد كبير من هذه الأدوية، والتي يأمل أن يكون لها دور فعال في علاج العديد من الأمراض، وتؤكد إحدى الدراسات ان هناك أكثر من 2000 دواء حالياً، لعلاج ما يقارب 800 مرض، في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، وهي مرحلة متقدمة في عملية إنتاج الدواء.

وإن هناك عدداً كبيراً جداً من المواد الأخرى ما زالت في المراحل الأخرى للتجارب. علماً انه في العام 2004 تم الموافقة على 38 دواء جديداً لعلاج أنواع متعددة من الأمراض، كالسكري وأنواع من مرض السرطان والفشل الكلوي والأرق والشلل الرعاش (باركنسون) والاكتئاب، بالإضافة إلى التطوير الحاصل على الاشكال الموجودة أصلاً.

وما زال الطريق مفتوحاً، ومازالت المؤسسات العلمية وشركات الدواء تتسابق في إنتاج مثل هذه العقاقير في محاولة للتغلب على الأمراض ومساعدة البشرية.

وهناك الكثير من التجارب التي تجري حالياً لإنتاج الأدوية، حيث يجرب حالياً أكثر من 158 دواء جديداً للأطفال، تتعلق بأمراض مختلفة منها السرطان والربو والصرع والسكري والإيدز والأورام الجينية. كما أن هناك ما يقارب 400 دواء جديد قيد التطوير لعلاج الأمراض السرطانية المختلفة، وعدداً مقارباً لعلاج الأمراض الجرثومية، وخصوصاً الأمراض التي تسببها الفيروسات.

ربما يأخذ البعض سبب تأخر ظهور مثل هذه الأدوية، على الرغم من هذا التطور الكبير في الدول المتقدمة، إلا أن هذا التأخر له سببه في كثير من الأحيان، فاكتشاف أية مادة جديدة أو عقار جديد لابد أن يمر بمراحل عديدة قد تستغرق خمسة عشر عاماً، في سبيل التأكد من فعالية وسلامة وحدود عمل الدواء والأمراض التي يشملها.

فمثل هذه المواد قد تبقى ما يزيد على عشر سنوات بين جدران المختبرات والمراكز البحثية والمستشفيات للبحث عن المادة الفعالة، وإجراء آلاف التجارب المخبرية على الحيوانات والخلايا المعزولة، وعدد كبير آخر من التجارب على عدد قليل من المرضى، ثم تكبير عينة العدد، الأمر الذي يستغرق عشرات السنين حتى يتم التأكد من الدواء ويعترف به. مع متابعة مستمرة للدواء في السوق، وقد يتم منع بيعه بعد أعوام بسبب اكتشاف أثر جانبي أو عكسي لم يسجل، كما حصل مع الكثير من الأدوية، وآخرها العلاج المعروف باسم سيليبركس.

سنحاول هنا النظر من منظار متفائل من خلال رؤية بعض الانجازات الصيدلانية التي بدأ تسويقها أو سترى النور خلال الأشهر المقبلة.

القرص المعجزة

حلم يأمل العديد من الأطباء والعلماء الوصول إليه، فتتم حالياً الدراسات النهائية على العديد من التجارب التي تتضمن إنتاج قرص دوائي لعلاج أمراض عدة، بحيث يمكن للمريض استعمال قرص واحد لعلاج أمراض عدة بدلاً من استعمال قرص أو أكثر لكل مرض.

وأول خطوات هذا المشروع جاءت من تطوير قرص يأمل العلماء في استخدامه للوقاية من العديد من الأمراض وعلى رأسها الأزمات القلبية والسكتات الدماغية وضغط الدم. وهذه الأمراض عادة تصيب وبشكل مجتمع الكثير ممن هم في العقد الخامس من العمر. سيقلل مثل هذا العلاج من التكاليف والآثار الجانبية للأدوية، كما سيسهل على المريض تناول الدواء.

ويمكن ان يخفض مثل هذا القرص من الإصابة بالكثير من الأمراض السابقة بنسبة تزيد على 80%. ومكونات القرص هي الأسبرين الذي يخفض من لزوجة الدم، ومخفض للكولسترول، وثلاثة أنواع أخرى من العقاقير المخفضة للضغط بالإضافة إلى حمض الفوليك، وحامض بـ 12. وتقول التقديرات إن واحدا من بين ثلاثة أشخاص قد يعيشون لمدة تزيد على 20 عاماً دون الإصابة بأزمة قلبية أو سكتة دماغية خلال فترة تعاطيهم للقرص.

ويقول الباحثون إنه بإمكان مرضى ضغط الدم العالي والقلب والسكري أن يتعاطوا هذا القرص لتفادي تفاقم حالاتهم. ويمكن لهذا القرص أن يساعد في تقليل ضغط الدم ومستوى الكوليسترول. كما يمكنه أيضا أن يقلل من مستويات مادة كيماوية في الدم تعرف باسم (هوموسيستين) يمكن أن تنشأ في مجرى الدم، وتلعب دوراً في حدوث مشاكل تتعلق بأمراض القلب.

الصيدلة الجينية و الدواء الشخصي

تقنية جديدة ستدخل إلى عالم الصيدلة متمثلة بما يسمى بالنوكليوتيد المفرد متعدد الاشكال (»SNP« Single Nucleotide Polymorphisms)، التي تقوم على تميز الفروقات الجينية التي تميز الأفراد في استجابتهم للأدوية، والذي هو عبارة عن الاختلافات في سلسلة الحامض النووي (DNA)، التي تظهر نتيجة فقدان أو تغير موقع أحد النيوكليوتيدات (ادنين A، أو سايتوسين C، كوانين G، تيراسين T) في السلسلة الجينية.

وبالتالي تكوين سلاسل مختلفة تؤدي إلى تغير في نوع البروتينات المصنعة داخل الخلايا، أو تؤدي إلى عدم إنتاج هذه البروتينات، التي تؤثر في الوظائف الحيوية للخلايا والمواد المنتجة كالانزيمات.

سيكون لهذه التقنية الكثير من التطبيقات، منها المساعدة في الاختبارات الدوائية التي تجري لإثبات درجة فعالية وأمان الدواء، من خلال التعرف على الأشخاص الذين لديهم اختلاف جيني معين يؤدي إلى عدم استقلاب الدواء، مما يؤدي إلى حدوث حالة من فرط الجرعة (Overdose)، أو استقلاب سريع يؤدي إلى نقص في فعالية الدواء.

إلا أن أهم هذه التطبيقات سيكون في تصميم الدواء الشخصي، من خلال تقنية النوكليوتيد المفرد متعدد الأشكال، حيث سيتم تحديد الأشكال الجينية المختلفة للأفراد من خلال تحليل جيناتهم، وبالتالي تصميم دواء يكون مناسباً لمثل هؤلاء المرضى.

يضاف الى ذلك استخدام هذه التقنية في تحليل الانزيمات المسؤولة عن استقلاب الكثير من الأدوية جينيا، بحيث يتم التعرف على المرضى الذين ستحدث لديهم الآثار الجانبية أو العكسية نتيجة أخذهم للدواء، ومحاولة التقليل من الجرعة في حالة عدم وجود علاج آخر، أو تغيير العلاج إذا كان ذلك متوفراً.

أدوية عنصرية

بدأت الآن مرحلة جديدة في عملية إنتاج الدواء، حيث رخصت إدارة التغذية والأدوية الأميركية دواء جديداً لمعالجة أمراض القلب أثار جدلا لأنه مرخص بشكل رئيسي للمرضى السود. ويمثل هذا الدواء ظاهرة جديدة في عالم إنتاج الدواء لما يحمله من تقدم كبير في إنتاج الدواء المتخصص.

حيث أثبتت الدراسات والأبحاث أن سبب زيادة إصابة السود بارتفاع ضغط الدم راجع بشكل كبير إلى الطبيعة أجسامهم والاختلاف البسيط في بعض العمليات الحيوية التي تجري فيها، على الرغم من تأكيد البعض ان لا وجود لمثل هذه الفوارق.

ويعالج الدواء الضعف في القلب الذي يؤثر على قدرته على ضخ ما يكفي من الدماء إلى أنحاء الجسد. ويعتبر دواء «بيديل» الأول، والذي تم ترخصيه مؤخراً ويحصر استعماله في مجموعة عرقية معينة، اتجاهاً جديداً لأدوية معدة للحاجات الخاصة

حيث يساعد الدواء بعض المرضى وليس جميعهم. يذكر أن بيديل يجمع دوائين آخرين مستخدمين لمعالجة أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم هما ايزو سوربيد داي نايتريت (isosorbide dinitrate) والهيدرالازين (hydralazine)، ولا يعرف الأطباء تماماً كيف يعملان مجتمعين. ومع أن الترخيص أتى للسود فقط، فإن للطبيب الحق في وصف الدواء لأي مريض يعتقد أنه قد يستفيد منه.

بالإضافة إلى أدوية عدة تتم عليها التجارب حالياً، منها دواء لعلاج مرض الإيدز، أثبتت الأبحاث والتجارب الجارية عليه انه أكثر فعالية في معالجة أصحاب البشرة السمراء والآسيويين. حيث وصل نسبة نجاحه لدى السود إلى 78%، بينما لدى المرضى من العرق الآسيوي إلى 67%. وبمعدلات اقل بكثير لدى الأعراق الأخرى.

الأنسولين عن طريق الشم

مثل التخلي عن الحقن، والاتجاه إلى طريق غير مؤلم في إعطاء الانسولين حلم راود العديد من العلماء والأطباء، وأمل انتظره المصابون بمرض السكري، والذين يعتمدون على الانسولين في حياتهم، والذي يعتبر الأكثر فعالية في علاج السكري. وقد قارب هذا الأمل على التحقق، فلن يطول الزمن حتى يتم إنتاج وتسويق الأنسولين عن طريق بخاخ (Inhaler)، لشم الأنسولين بدلاً من حقنه.

كانت المشكلة الرئيسية التي تواجه إعطاء الأنسولين عن غير طريق الحقن، هو تحطمه في الجهاز الهضمي نتيجة الحامض المعدي والأنزيمات الهاضمة لو اخذ عن طريق الفم، أو مشاكل تتعلق بقلة امتصاصه أو تحطمه لو اخذ عن طريق الشم، أو بشكل لصقات على الجلد، إلا أن مشكلة إنتاجه بشكل قابل للشم كان اقل هذه الطرق صعوبة، وكانت تمثل نقلة نوعية في طريقة تناوله.

وبدأ فعلا العمل على مثل هذا المشروع وهو في مراحله الأخيرة، وسيسهل نجاح الأنسولين عن طريق الشم على ملايين المصابين بمرض السكري، تناول هذا الدواء الحيوي بالنسبة لهم. إلا انه مع ذلك فستستمر المحاولات لإيجاد طرق أخرى، علماً أن من المشاكل المطروحة والتي ستستمر الشركة المنتجة في دراساتها حتى بعد إنتاج هذا الدواء،

هي تأثيرات الأنسولين على الرئتين، والمشاكل التي يمكن أن تحصل نتيجة ذلك، وتأثيراته على الأطفال والمدخنين. كما تواجه مشكلة تناوله من قبل مرضى الجهاز التنفسي كالمصابين بمرض الربو، والالتهاب الرئوي المزمن.

علكة الفياغرا

حصلت إحدى الشركات على براءة اختراع لإنتاج عقار الفياغرا بشكل علكة، مما يعطي المزيد من النشاط لممارسة الجنس، وسهولة الحصول على المفعول، الذي يحتاج إلى دقيقتين فقط للمضغ قبل نصف ساعة من الممارسة الجنسية. وتحتوي هذه العلكة على خمسة غرامات من المادة الفعالة «سترات السيلدينافيل». إلا أن أصحاب حق الاختراع يتوقعون سنوات عدة مقبلة لإنتاج مثل هذه العلكة.

سرعة القذف

مشكلة أخرى تشغل بال الكثير من الرجال، حيث يعتبرها البعض مرضاً، وقد طرحت العديد من العلاجات النفسية والدوائية، من مراهم وبخاخات مخدرة موضعياً وحبوب توصف لحالات الاكتئاب لعلاج مثل هذه الحالة، إلا أن نسبة الرضا عنها لم تكن عالية أو لم تكن مقبولة في كثير من الأحيان.

وقد أشارت العديد من الدراسات إلى أن مشكلة سرعة القذف هي أكبر مشكلة يعاني منها الرجال ضمن مشاكل الأداء الجنسي لهم، فوفق ما تذكره رابطة أمراض المسالك البولية الأميركية فإن ما بين 27% ـ 34% من الرجال البالغين في الولايات المتحدة يعانون من سرعة القذف مقارنة بحوالي 12% من الرجال يعانون من ضعف الانتصاب.

وهناك العديد من العوامل التي تتحكم في هذه العملية، والتي يصفها الأطباء بأن معظم الناس يفكر في البعد الزمني لهذه المشكلة، بينما لابد من التأكيد على أهمية العناصر الأخرى كالإحساس بالتحكم والرضا النفسي بعد العملية الجنسية، إذ هما جانبان مهمان يجب وضع الأولية لهما في العلاج وتقويم مدى نجاحه.

وقد تم وضع تعريف لمثل هذه الحالة بأنها فعل يتكرر أو يستمر بصفة مزمنة بشكل أسرع مما هو مرغوب فيه إما قبل دخول عضو الرجل إلى مهبل المرأة أو بعد ذلك بقليل، وفي غالب الأحوال يستغرق ذلك دقيقتين أو أقل وحينما يكون الرجل إما فاقداً السيطرة أو يملك سيطرة ضعيفة على توقيت القذف.

يتم الآن التجارب النهائية على أهم تطور ستشهده علاج هذه الحالة، والذي ينظر الأطباء إليه أنه يوازي في الأهمية، بل يفوق ظهور الأدوية المنشطة والمعالجة لضعف الانتصاب كالفياغرا، بالنظر إلى ارتفاع نسبة حالات سرعة القذف بما يفوق بمراحل حالات ضعف الانتصاب إضافة إلى أن الإصابة به تشمل حقيقة كبار وصغار السن.

العقار الجديد والمسمى «دابوكستين» يبشر بنتائج مرضية، ويتأمل أن يكون له أثر كبير في علاج أو التقليل من مشكلة سرعة القذف، مع آثار جانبية قليلة جداً.

ويمثل مثل هذا العلاج أولى الخطوات السليمة التي تعيد ترتيب تفاعل الدماغ مع مراحل العملية الجنسية وبما يمكّن المرء من السيطرة على توقيت القذف بطريقة معقولة ومرضية له ولشريكته، بعيداً عن الحلول النفسية أو العلاجات الموضعية. وينتظر الأطباء إجازة استخدام وتصنيع هذا الدواء والمتوقع حسب بعض المصادر الطبية أن يكون في الأشهر القليلة المقبلة.

أدوية جديدة توجه صفعة للإدمان

من المرجح أن يكون سلاح المستقبل في مجال الحرب على المخدرات هو المخدرات نفسها، فالباحثون متفائلون بشأن مجموعة من الأدوية الجديدة التي تستهدف الدورة الكيماوية للإدمان. وبعضها تمنع اللذة والبهجة المكثفة التي تجعل مخدرات مثل الهيروين مغرية بينما يهدأ البعض الآخر من التأثيرات التي تحصل في الدماغ خلال انسحاب المخدر واستعادة التوازن.

وستكافح هذه الأدوية واحدة من أكبر المشكلات في العلاج، وهي أن المدمنين للمخدرات غالباً ما يرفضون تعاطي أو تناول أي شيء يمنع عنهم الشعور بالمعنويات العالية والبهجة. بالإضافة إلى أفكار أخرى يعمل عليها مجموعة من الباحثين باختبار أمصال تعلم الجسد أن يتعامل مع المخدرات المحظورة كميكروبات غازية.

ويقول خبراء علاج الإدمان إن التقدم في علوم الدماغ ـ وخصوصاً تصوير الدماغ ـ قد أدى إلى اختبار أدوية واعدة أكثر من ذي قبل. وعلاوة على ذلك، فإن هذه المعرفة العلمية البازغة تكشف عن مزيد من الأهداف لأدوية المستقبل. تعمل هذه العقاقير بشكل مباشر على تقليل الآثار الحاصلة نتيجة الامتناع عن المخدرات أو الكحول، والحاصلة نتيجة خلل في النواقل الكيميائية والمستقبلات في الدماغ، والتي لها علاقة مباشرة بالإدمان.

وكل هذه الجوانب والنواحي للإدمان تشير أو تنبئ عن أهداف ممكنة للعقاقير المضادة للإدمان. ويولي الباحثون أيضاً مزيداً من الاهتمام بالموروثات (الجينات) فليس كل من يجرب عقاراً لعلاج الإدمان يصبح معتمداً عليه، وهذا يرجع جزئياً الى العامل الوراثي. وحتى المدمنين يمكن ان يكونوا مختلفين تماماً. وسيمكن هذا الأطباء في المستقبل من معرفة العلاج المطلوب بناء على معطيات المريض.

حرب في مواجهة السرطان

يسعى العلماء لاستعمال وسائل جديدة لمحاربة مرض السرطان، وبدأوا باعتبار هذا المرض هو العدو الأكبر للبشرية، فأخذوا باستخدام أسماء المعدات العسكرية لمحاربة مثل هذا المرض، فمن الرصاص السحرية، والقنابل الذكية.

من آخر النجاحات التي تمكن العلماء من الوصول إليها، هي تطوير كبسولات صغيرة خاصة توضع داخلها المادة الفعالة لقتل الخلايا السرطانية،

وتتكون من جسيمات ذهبية دقيقة مرتبطة بأجسام مضادة خاصة بالورم السرطاني، وتتم عملية تفجير الكبسولات لدى تجمعها بشكل كافٍ عند خلايا الورم السرطاني، عن طريق توجيه نبضات من شعاع الليزر يولد حرارة كافية لإذابة الذهب، مسبباً تدميراً للخلايا السرطانية من دون إلحاق أذى بالأنسجة والخلايا السليمة، مما يقلل من الأخطار والآثار الجانبية لمثل هذه الأدوية.

دواء لعلاج الآثار الجانبية للعلاج الكيميائي

أقرت منظمة الغذاء والدواء الأميركية علاجاً جديداً لتخفيف التأثيرات الجانبية للعلاج الكيميائي، وتعزز فعالية هذا النوع من العلاج الخاص بعلاج سرطان الأورام الصلبة، ومنها سرطان الثدي. ويعتبر هذا العلاج الأول في مجموعة جديدة من الأدوية، ويعرف باسم ابراكسان (Abraxane)، ويعمل هذا الدواء على التقليل من المواد التي تسبب تسمم الخلايا السليمة عن طريق الربط مباشرة بين المكونات الفعالة للدواء والجزيئات البروتينية المجهرية في مجرى الدم،

مما يخفف من التأثيرات الجانبية المضرة المحتملة. وتفيد المعلومات الطبية إلى كون هذا الدواء لا يحوي مركبات سامة، مما سيمكن الأطباء من زيادة كمية الجرعات الكيماوية إلى أكثر من 50%، مما كانت عليه دون المخاطرة بسلامة المريض. ويتميز هذا النوع من الأدوية بأنه لا يتطلب تحضير المريض مسبقاً لتجنب ردود الفعل التحسسية المحتملة عقب استخدامه، ويمكن أن يعطى خلال مدة زمنية تصل إلى 30 دقيقة عن طريق الوريد.

إنتاج البروتينات

البروتينات المقصودة هنا ليست التي تأتي في الطعام ولا تلك التي يستعملها الرياضيون لبناء العضلات، بل البروتينات العلاجية، فكما هو معروف فإن هناك العديد من الأمراض التي تحدث نتيجة نقص في إنتاج بروتين معين أو إنتاج بروتين مشوه.

يأمل العلماء في إيجاد طريقة لمعالجة مثل هذه المشكلة، وقد بدأوا فعلاً في مثل هذا الطريق، باستخدام مستعمرات من الجراثيم المعدلة وراثيا لتعيش وتتكاثر في الأحشاء، منتجة أنواع بروتينية محددة، من دون إحداث أي تأثيرات جانبية سيئة تكون مرافقة لهذه الجراثيم. وستعالج مثل هذه الأدوية المشكلات السابقة بالإضافة إلى معالجة أمراض يكون السبب الرئيسي فيها هو عدم إنتاج البروتينات بالكميات المناسبة أو بسبب تأخر انتاج مثل هذه البروتينات.

من الأمراض التي سيكون هذا العلاج أملاً جديداً في علاجها، مرض كرون الذي يصيب في أغلب الأحيان الأمعاء الدقيقة ويكون بشكل تقرحات عميقة في السطح الداخلي للأمعاء، وكذلك مرض القولون التقرحي، وبعض الأمراض المناعية الأخرى التي تنشأ نتيجة خلل في الجهاز المناعي،

بالإضافة إيجاد طريقة جديدة لإيصال الانسولين، الذي لا يمكن إعطاؤه عن طريق الفم بسبب تحطمه في الجهاز الهضمي. والبكتريا المستعملة في هذا النوع من العلاج هي من نوع لاكتوكوكاس، تستعمر أمعاءنا بشكل طبيعي، ويتم تنميتها في المختبرات الخاصة بمعامل الألبان، لاستعمالها في إنتاج اللبن والجبن.

الطعام العلاجي

مثلت عملية إنتاج الدواء باستخدام الكائنات الحية الدقيقة، البكتريا، والتي سميت التقنية الحيوية (Biotechnology)، نقلة نوعية مهمة جداً في عملية إنتاج الدواء. وقد فتحت أبواباً هائلة لتطور عملية إنتاج الدواء، مفتتحة الأمر بالأنسولين، أحد أعظم الاختراعات في القرن الماضي، ومن ثم الانترفيرون، الخاص بالمناعة، والايبوتين، لإنتاج خلايا الدم لدى مرضى الكلى، والكثير من اللقاحات والأدوية المناعية.

كانت هذه الخطوة الجبارة شمعة الأمل التي أعطت العلماء آفاق جديدة لإنتاج الدواء. وقد بدأ العلماء بعد ذلك بالتفكير الجدي لاستخدام أنواع حية أخرى لإنتاج الدواء، إلا أن جهودهم هذه كانت تصطدم دائما بمشكلة تعقيد الخلايا في الكائنات الأكثر رقياً من البكتريا.

إلا أن ذلك لم يثن جهود العلماء الذين بدأوا بالفعل في تجارب عملية لإنتاج الدواء باستخدام خلايا حية في الكائنات الراقية، كالنباتات والحيوانات. لذلك فإن المستقبل يبشر بخير في سبيل إنتاج طعام علاجي، يحتفظ بمحتوياته الغذائية بالإضافة إلى المواد الدوائية الفعالة.

ربما يأخذ البعض أن ذلك ربما سيكون له آثار أخرى تتعلق بالتغير الحاصل في جينات الكائنات الحية المنتجة للدواء، والذي قد يعود بنتائج سلبية في المستقبل، إلا أن هذا الأمر هو في قمة الأهمية الذي يضعه العلماء العاملون على هذه المشاريع في طرق عملهم.

وفي إطار هذه التقنية، هناك العديد من التجارب الواعدة، منها صنف جديد من الموز له القدرة على إنتاج لقاحات مضادة لالتهابات الكبد الوبائي والكوليرا، ويرجع اختيار الموز لهذا الغرض لأنه يؤكل نيئاً مما يمنع تفكيك مادة اللقاح، كما انه يتمتع بطعم مستساغ مما يجعله الأنسب لاحتضان اللقاح، وقد أشارت الدراسات إلى قرب إنتاج مثل هذا اللقاح حيث تم الحصول على مؤشرات ايجابية في فئران التجارب.

كما أن هناك تجارب أخرى تعمل على إضافة مضادات حيوية من أصول نباتية لمنظفات الأسنان لمحاربة التسوس. بالإضافة إلى تجارب واعدة أخرى تعمل إنتاج العديد من اللقاحات باستخدام الذرة، ومنها لقاح الالتهاب الكبدي الوبائي. ويرى بعض العلماء أن مستقبل إنتاج الأدوية سيكون معتمداً بشكل مباشر على الكائنات الحية، حيث سيعمل العلماء على تكوين معامل حية لإنتاج الدواء.

الفيروسات كنواقل الدواء

راود العديد من العلماء فكرة استخدام الكائنات الدقيقة كنواقل علاجية، وقد رشح معظمهم الفيروسات لهذه المهمة، لما تمتاز به من قدرة على اختراق الخلايا الحية، من دون أن تعترضها الخلايا المناعية في كثير من الأحيان. وسيكون لمثل هذه التقنيات مستقبل باهر، وخصوصاً في علاج الأمراض السرطانية، بسبب الحاجة لقتل الخلايا السرطانية من دون إلحاق الأذى بالخلايا السليمة، والذي يعني انه سيقلل من الآثار الجانبية السيئة للأدوية السرطانية.

ويحاول العلماء الوصول إلى ذلك عن طريق تدمير الخواص المسببة للمرض التي يحملها الفيروس، والقدرات التكاثرية للفيروسات، لمنع تكاثرها وتسببها بالمرض، والاستفادة منها كناقل متميز فقط. بالإضافة إلى إضافة بعض الخواص الجديدة التي تعمل على تسخير مثل هذه الفيروسات للوصول إلى هدف محدد واحد، وعدم الانتشار في غير أماكن الهدف المطلوبة