يعاني أربعون مليون شخص على الأقل في العالم من الاضطرابات النفسية مثل الفصام والخَرَف، ويقدر عدد الذين يعانون من الصَرَع بحوالي عشرين مليون شخص، وثمة مائتا مليون شخص آخرين يصابون بالعجز من جراء اضطرابات نفسية وعصبية أقل خطورة، مثل العصاب الحاد، والتخلف العقلي، والاعتلال العصبي المحيطي.
وإذا ما أضيف إلى هذه الأرقام عدد المتضررين من المخدرات والمسكرات وما ينجم عنهما من مشاكل، ومن الاضطرابات النفسية الملازمة للأمراض الجسدية مثل بعض المصابين بالاضطرابات المعدية المعوية المزمنة والذين يعانون من الاكتئاب، يتبين أن الخدمة الصحية تواجه مشكلة ضخمة، من حيث المعاناة الشخصية، حيث العبء الواقع على الأسر وما تتحمله المجتمعات من تكلفة.
الرعاية الصحية
لا شك أن الرعاية الصحية الطبية أو النفسية المعهودة وحدها لا تستطيع أن تؤثر تأثيراً ملحوظاً على مشكلة ضخمة كهذه. ويتضح دونما ريب أن تقديم خدمات الرعاية الصحية النفسية ينبغي ألا تقتصر على المستشفيات النفسية التخصصية، كما ينبغي ألا تتركز بين المختصين بالطب النفسي.
وقد قل الاعتماد على الأطباء النفسيين في مجال الصحة النفسية منذ ربع قرن أو أكثر، وأصبح الاعتماد على الأطباء الممارسين وأطباء الأسرة على مدى العقد الماضي حجر الزاوية في توفير الرعاية الصحية للجميع لا الصحة النفسية فحسب.
تتفق الدراسات على وجود عقبات أمام تنمية خدمات الصحة النفسية الحديثة كالاعتماد المفرط على الاختصاصيين النفسيين، والتخصص المفرط، وانعدام مرافق الرعاية الصحية النفسية في المناطق النائية، والاكتظاظ الخطير للمرافق والمستشفيات القائمة، وضرورة استخدام السجون وغيرها من الإصلاحيات في بعض الحالات. وعدم كفاية تدريب الأطباء الممارسين والممرضين والممرضات،
وفقر مناهج الصحة النفسية في برامج التدريب الحالية الموضوعة للأطباء الممارسين وأطباء الأسرة، والافتقار إلى المواد التعليمية المناسبة. وانعدام الاهتمام، أو المواقف السلبية حيال الصحة النفسية بين الأطباء والممرضات. ونقص الإحصائيات الأساسية بشأن انتشار الأمراض النفسية الرئيسية، كذلك انعدام الدراسات الاجتماعية الملائمة في بعض الدول. وعدم ملاءمة بعض القوانين التي تتعامل مع المرضى النفسيين في معظم البلدان.
مشكلات أساسية
تتمتع قلة فقط من سكان بعض البلدان المختلفة بالوصول إلى الرعاية الصحية النفسية. ومعظم من يعانون من الصرع لا يحصلون على أي علاج، إن مثل هذا العلاج يعد للكثير منهم، رخيصاً وبسيطاً وفعالاً، وفي بعض البلدان يمثل تعاطي الخمر مشكلة كبرى من المشكلات الطبية في المجتمع، وفي بعضها الآخر، اتخذ الاعتماد على المخدرات والمسكرات أبعاداً تنذر بالخطر.
وهناك الآن أربع مشكلات ينبغي أن تحظى بالحلول العاجلة وهي:
1. الطوارئ النفسانية.
2. الاضطرابات النفسانية المزمنة.
3. مشكلات الصحة النفسية التي يعانيها المرضى الذين يترددون على المراكز الصحية، والعيادات العامة وغيرهما من الخدمات العلاجية، لاسيما على مستوى الرعاية الصحية الأولية.
4. المشكلات النفسانية والانفعالية التي يعاني منها بعض الفئات مثل المراهقين والشباب والمسنين.
الإسعاف النفسي
تعد كثير من النوبات الذهانية الحادة الطارئة، بمثابة نوبات مرضية قصيرة الأجل، ويمكن التوصل إلى تهدئة المرضى لمنعهم من إلحاق الأذى بأنفسهم أو بغيرهم، ثم فحصهم لاكتشاف أي مرض عضوي يكون قد ساعد على الإسراع بحلول النوبة، ومن الأفضل لهؤلاء المرضى أن يظلوا داخل أسرهم.
ومع ذلك فإن هناك ضغطاً اجتماعياً لإبعاد المرضى عن الأهل والجيران والأقارب ووضعهم في المستشفى، بسبب خوف الناس من الاضطرابات النفسية. وغالباً ما يؤدي التثقيف الصحي إلى التخفيف من حدة هذا الخوف. فوضع المريض في بيئة غريبة سواء كانت زنزانة السجن أو محبس مركز الشرطة، أو المستشفى عادةً ما يؤدي إلى تفاقم المرض، وتحول ما قد يسمى في بعض الأحيان بالمرض القصير الأجل إلى مرض مزمن.
ولهذا السبب فإن التدخل السريع من الطبيب الممارس الحائز على قدر من المعرفة الأساسية يمثل هذه الحالات، هو أمر ضروري للحيلولة دون إحالة المرضى إلى المختص فوراً ـ تشير الأدلة إلى أن مثل هذا العلاج المقدم من الطبيب الممارس أو طبيب الأسرة هو علاج مأمون واقتصادي في الوقت نفسه، وفي العديد من البلدان، يعالج المرضى الذين يعانون من نوبات ذهانية حادة، وعلى نحو غير ضروري،
في أقسام نفسانية متخصصة، وهي أقسام لا تتلاءم مع احتياجات المريض، فضلاً عن أنها باهظة التكاليف، وتمثل مشكلة رئيسية من المشاكل الطبية في المجتمع، نظراً لأن الضغط الاجتماعي على الخدمات الصحية الذي سبقت الإشارة إليه، قد يجعل من الضروري إنشاء مرافق باهظة التكاليف، وتمثل مشكلة رئيسية من المشاكل الطبية في المجتمع، نظراً لأن الضغط الاجتماعي على الخدمات الصحية الذي سبقت الإشارة إليه،
قد يجعل من الضروري إنشاء مرافق باهظة التكاليف للصحة النفسية لاستيعاب 500 مريض سنوياً مثلاً، من بين حوالي مليون نسمة من السكان، ذلك ما لم تتخذ الخطوات اللازمة لمعالجة هؤلاء المرضى على مستوى الرعاية الصحية الأولية التي يقوم بها الأطباء الممارسون وأطباء الأسرة.
الاضطرابات المزمنة
يمكن الآن معالجة الاضطرابات النفسانية المزمنة على مستوى الأسرة، مما يوفر الكثير من النفقات. ومثل هذا العلاج يصفه عادةً الأطباء النفسيون في بادئ الأمر أو الممارس العام، غير أن الجانب الهام من العلاج يتمثل في الإشراف المستمر على مثل هؤلاء المرضى داخل مجتمعهم الخاص بهم كما لو كانوا يعيشون حياتهم اليومية، وبذلك نتأكد من أنهم يواصلون علاجهم وأنهم يحالون إلى المختص في أوقات الشدة.
وينبغي تشجيع أسر هؤلاء المرضى على إبقائهم لديها أو إعادتهم حتى يندمجوا ثانية مع مجتمعهم، فإذا ما تحقق ذلك، فإن الإشراف عليهم يجب أن تقع مسؤوليته على الطبيب الممارس أو طبيب الأسرة. فإذا ظلوا دون علاج خارج المستشفى، فقد يعيشون حياة غير منتجة، أو يهيمون على وجوههم دون هدف، وهو ما يسبب العذاب لأنفسهم ولذويهم. وقد قدرت نسبة هؤلاء الأشخاص إلى عدد السكان فبلغت 5 في الألف،
وهم بذلك يثيرون مشكلة صحية ضخمة، ففي مرض الفصام، على سبيل المثال، تتعرض المجموعة العمرية من 35-20 سنة إلى أعلى الأخطار، وتزداد نسبة السكان في هذه المجموعة العمرية في معظم البلدان النامية. وتبين التوقعات البسيطة لعدد المصابين بالفصام في العالم، أن هذا العدد سيصل إلى 23 مليونا في أوائل القرن الحادي والعشرين. وفي بعض الحالات يوضع المرضى المصابين بالفصام في عنابر المرضى في المستشفيات،
ومع أن ذلك لا يستأثر في البلدان النامية إلا نسبة ضئيلة من السكان الذين يشكون من الفصام، فإنهم مع ذلك يمثلون استنزافاً كبيراً لموارد الخدمات الصحية الضئيلة.
العلاج النفسي في المراكز الصحية
يقدر عدد المترددين على مرافق الرعاية الصحية العامة في كل من البلدان النامية والمتقدمة على السواء، بسبب الأعراض النفسية بحوالي 20%. وغالباً ما يشكو هؤلاء المرضى من أعراض جسدية متعددة، وهم كثيراً ما يخضعون لفحوص غير ضرورية ومكلفة، ونظراً لأنه لا يشخص مرضهم في كثير من الأحيان، فإنهم يعاودون التردد على العيادات الطبية وأخيراً ينصرفون إلى محاولة شكل آخر من أشكال المعالجة البديلة.
ولتجنب التدخلات غير الضرورية، يجب على جميع الأطباء الممارسين أو أطباء الأسرة أن يكونوا قادرين على التعرف على مثل هؤلاء المرضى، ويجب عليهم ـ لكثرة عددهم ـ أن يتعلموا كيف يساعدونهم، أو يفهمونهم على أقل تقدير.
المستشفيات النفسية
قد تدعو الحاجة في بعض الأحيان إلى إيواء المرضى النفسيين في المستشفيات، مع أنه لا يمكن تقدير الحاجة لها إلا بعد إنشاء خدمة مجتمعية فعلية، ومعرفة عدد المرضى الذين يستطيع المستشفى استيعابهم، وما هي الفئات التي يندرجون تحتها.
ويقترح عادةً توفير بعض الأسرة النفسانية داخل المستشفيات العامة للمرضى المصابين بأعراض ذهانية حادة، إذا ما استدعت حالتهم دخول المستشفى.
وقد يحتاج بعض المرضى حقاً إلى مساكن تؤويهم وإلى رعاية لفترات طويلة، إلا أنه لا ينبغي افتراض ان الممرضين في عنابر المستشفيات يقدمون مثل هذه الخدمات بصورة مثالية لمجرد أن العُرْف قد جرى على ذلك.
وينبغي التساؤل بجدية بشأن ضرورة بناء المزيد من المستشفيات النفسية المتخصصة، وما ينبغي أن تعترضنا ضرورة إنشاء المستشفيات الجامعية. فإذا كان الأمر يتطلب فعلاً مستشفى جامعياً، ينبغي عندئذ أن يحدد عدد الأسرة بناءً على متطلبات البحوث والتدريب فقط.
ويتمثل الهدف إذن في توفير الرعاية الصحية النفسية القصوى بعيداً عن المستشفيات النفسية بقدر الإمكان. ويمكن عمل الكثير في إطار أسر المرضى، وعن طريق الأطباء الممارسين أو أطباء الأسرة مثلاً. ومع ذلك فإن مثل هؤلاء الأطباء يحتاجون إلى التدريب والإشراف المستمر،
وكذلك إلى الخدمات الثانوية التي يمكن أن تقوم في المراكز الصحية التي يتعين أن يكون بها طبيب واحد ممن حصلوا على نوع من التدريب الخاص في مجال الصحة النفسية تكون وظيفته مساعدة الأطباء الممارسين أو أطباء الأسرة والمعاونة في تدريبهم. والخطر الكبير يكمن في توقع قيام مثل هؤلاء الأطباء «الاختصاصيين» بمعالجة جميع حالات الاضطرابات النفسية شخصياً بدلاً من الإشراف على الآخرين في هذه المهمة.
وينبغي لهم بدلاً من ذلك أن ينظروا فقط في الحالات التي لم يستطع أطباء المناطق النائية معالجتها، وحتى في مثل هذه الحالات يجب عليهم أن يواصلوا بقدر الإمكان إشراك بقية الأطباء والأسرة وسائر أعضاء المجتمع في العلاج. وتوفر مثل هذه المراكز أساساً خدمة خارجية،
وهي لابد أن تكون مهيأة لقبول المرضى من أجل العلاج القصير الأجل الذي لا يزيد على أسبوع أو أسبوعين، ولابد أيضاً أن تقوم مقام مستشفيات نهارية لعلاج بعض المرضى، إذا كانوا يقطنون على مقربة من المركز.
التشريعات الوقائية
تتحمل الحكومة دون شك بعض المسؤوليات الرئيسية في مجال الوقاية من الاضطرابات النفسية وتعزيز الصحة النفسية، مثل سن التشريعات بشأن المخدرات والمسكرات. وينبغي لكل طبيب ممارس أو طبيب أسرة أن يدرك أن مهمته ليست مجرد معالجة الاضطراب النفسي، بل شرح مثل هذه التشريعات وتأييدها أيضاً، وخلق مناخ يساعد على تعزيز الصحة النفسية.
وينبغي توفير مستوى ثالثي من الرعاية لمساندة أطباء المراكز الصحية، ربما يقوم على أقسام الصحة النفسية الكائنة في المستشفيات العامة، ويمكن توفيره أيضاً عن طريق أية وحدة خاصة من أقسام الصحة النفسية، سواء كانت المستشفى أو القرية أو الحي.
مهارات ضرورية
تعد الحاجة إلى خدمات الطب النفسي ماسة في المناطق الريفية وفي المناطق الحضرية على السواء. ويمكن تقديم الرعاية الطبية النفسية على مستوى الرعاية الصحية الأولية في المناطق الريفية والحضرية. ويستطيع الأطباء العامون وأطباء الأسرة توفير الرعاية الصحية النفسية، بعد أن يكونوا قد حصلوا على تدريب نفساني مُرَكّز قصير المدة.
وينبغي تلقين جميع الأطباء الممارسين وأطباء الأسرة بعض مهارات الصحة النفسية، لا لمجرد تمكينهم من مساعدة المريض المصاب بمرض نفسي بل ولتحسين توفيرهم لكل أشكال الرعاية الطبية.